الفساد في سورية... تركة ثقيلة من النظام البائد إليك تفاصيلها

18 اغسطس 2026   |  آخر تحديث: 06:03 (توقيت القدس)
القصر العدلي في حلب، 18 نوفمبر 2025 (محمد ضاهر/ Getty)

لا يمكن النظر إلى الفساد في سورية كملف إداري يمكن اختزاله في مخالفات موظفين أو اختلاسات محدودة، بل بات واحداً من أكثر الملفات التصاقاً بأزمة الدولة نفسها. فسنوات طويلة من تداخل النفوذ السياسي والأمني مع النشاط الاقتصادي أسست لشبكات مصالح واسعة، جعلت الوصول إلى الموارد العامة والعقود والأراضي والاستثمارات مرتبطاً، في حالات كثيرة، بموازين الولاء والنفوذ أكثر من ارتباطه بقواعد المنافسة والكفاءة.

ومع انتقال سورية إلى مرحلة سياسية جديدة بعد سقوط النظام السابق، تبدو الدولة أمام معضلة مزدوجة: استعادة الأموال والأصول التي تعرضت للنهب أو الهدر خلال العقود الماضية، وفي الوقت نفسه منع نشوء شبكات فساد جديدة داخل مؤسسات المرحلة الانتقالية. وتكشف الملفات التي فتحتها أجهزة الرقابة خلال الأشهر الماضية أن حجم التركة أكبر من أن يعالج بإجراءات إدارية سريعة.

ويرى الصحافي الاقتصادي محمد عيد أن الفساد في سورية "ليس ظاهرة طارئة، بل امتداد بنيوي لنموذج حكم قام أساساً على مبادلة الولاء بالحصص الاقتصادية"، مشيراً في حديثه مع "العربي الجديد" إلى أن عقوداً من تشابك المؤسسات الاقتصادية الرابحة مع الأجهزة الأمنية جعلت المؤسسات نفسها جزءاً من المشكلة، وليس الأشخاص وحدهم.

ويحذر عيد من الخلط بين نوعين من الفساد في المرحلة الحالية: فساد "وراثي" تمثله شبكات المصالح القديمة التي يمكن أن تعيد التموضع تحت غطاء جديد، وفساد "انتقالي" ينشأ عن ضعف المؤسسات وغياب الخبرة والرقابة، من دون أن تكون هناك بالضرورة نية مسبقة للفساد. ويرى أن معالجة النوعين تتطلب أدوات مختلفة، وأن الخطر الحقيقي يكمن في أن تتحول المرحلة الانتقالية إلى عملية إعادة توزيع للغنائم، بدلاً من أن تكون مرحلة لبناء مؤسسات الدولة.

وتضع المؤشرات الدولية سورية في موقع بالغ الصعوبة. فقد سجلت البلاد في مؤشر مدركات الفساد لعام 2025، الصادر عن منظمة الشفافية الدولية في شباط/فبراير 2026، 15 نقطة من أصل 100، واحتلت المرتبة 172 بين 182 دولة، لتكون ضمن الدول العشر الأخيرة عالمياً. ورغم أن النتيجة تمثل تحسناً مقارنة بالعام السابق، فإنها تبقى دليلاً على عمق المشكلة أكثر مما تمثل مؤشراً على تجاوزها. وتؤكد المنظمة أن ضعف المؤسسات وتراجع آليات الرقابة والمساحة المتاحة للمجتمع المدني عوامل تتيح للفساد أن يستمر ويترسخ.

ملفات قديمة تُفتح من جديد في سورية

تظهر طبيعة التركة الثقيلة في الملفات التي بدأت الجهات الرقابية الجديدة بفتحها. ففي حلب، أعلنت الهيئة المركزية للرقابة والتفتيش في آب/أغسطس 2026 كشف مخالفات واسعة في فرعي المؤسسة العامة للتأمين والمعاشات والمؤسسة العامة للتأمينات الاجتماعية، بعد حملة تدقيق شملت عقوداً تجاوزت قيمتها ثلاثة تريليونات ليرة سورية قديمة، وكشفت، وفق الهيئة، فوات إيرادات أولية للخزينة تجاوزت 90 مليار ليرة قديمة.

وتضمنت المخالفات، بحسب الهيئة، التلاعب بقيم العقود بهدف تخفيض الاشتراكات التأمينية، وتزوير بطاقات معاشية وصرف معاشات لأشخاص غير مستحقين، والاستمرار في صرف معاشات استناداً إلى وثائق مزورة، إضافة إلى عدم تحصيل رسوم واشتراكات مستحقة وعدم تسجيل مئات العاملين في منشآت صناعية لدى مؤسسة التأمينات الاجتماعية. وأحيل عدد من المسؤولين إلى القضاء، مع اتخاذ إجراءات إدارية بحق متورطين.

ولا تبدو قضية حلب معزولة. فقد سبق أن كُشفت ملفات تتعلق بمؤسسات مالية وعامة، بينها قضية في المصرف العقاري تعود إلى سنوات سابقة، فضلاً عن ملفات اختلاس وتلاعب مالي في فروع التأمينات ومؤسسات أخرى.

ويقول نائب رئيس الهيئة المركزية للرقابة والتفتيش، عصام الخليف، في تصريحات صحافية، إن الدولة تواجه "تركة فساد ثقيلة دامت عقوداً من الزمن"، مؤكداً أن التخلص منها لن يحدث في يوم وليلة وقد يحتاج إلى سنوات. ويشير إلى أن معظم مكتشفات الهيئة تتعلق بعقود وملفات تعود إلى عهد النظام السابق، وأن العمل الرقابي يترافق مع خطط لتشديد القوانين وتحسين الرواتب وإعادة تجريم بعض الأفعال المرتبطة بالفساد.

وتتجه الهيئة، بحسب الخليف، إلى تعزيز أدوات الرقابة الوقائية، ومنها التصريح المالي للموظفين الجدد، بحيث يتم الإعلان عن الممتلكات عند بدء العمل ومقارنتها لاحقاً بالتغيرات في الدخل والأصول (الذمة المالية)، إلى جانب إنشاء منصة إلكترونية للإبلاغ عن حالات الفساد، مع توفير حماية وظيفية وأمنية للمبلغين، والعمل على وضع حوافز مالية لهم.

أملاك الدولة... أحد أكبر الملفات في سورية

من أكثر الملفات حساسية ما يتعلق بأملاك الدولة، إذ أعلنت الهيئة العامة لإدارة وحماية أملاك الدولة عن حملة وطنية لمراجعة عقود واستثمارات هذه الأملاك، بالتعاون مع وزارة المالية ولجنة مكافحة الكسب غير المشروع.

وقال مدير الهيئة عدنان القاسم إن الحملة كشفت، في مراحلها الأولى، عن عقود واستثمارات مرتبطة بأشخاص وعائلات من الدائرة الاقتصادية للنظام السابق، وإن التدقيق الأولي أظهر وجود مئات الأراضي والعقارات العائدة للدولة، بمساحات تقدر بمئات الدونمات، جرى استثمارها أو الاستيلاء عليها بصيغ مختلفة وببدلات منخفضة. كما أشار إلى وجود آلاف الدونمات الأخرى التي وُضعت تحت تصرف أشخاص مقربين ومنتفعين من النظام السابق، مع تركز نسبة كبيرة من هذه الحالات في ريف دمشق واللاذقية.

ولا تقتصر أهمية هذا الملف على استرداد عقارات بعينها، بل تتصل بإعادة تعريف العلاقة بين الدولة وأصولها. فالخطة تتضمن جرداً شاملاً لأملاك الدولة، وتحديد أوضاعها القانونية والفنية، وإعادة تقييمها وفق معايير عقارية، ثم مراجعة العقود السابقة وتحصيل الحقوق المالية المستحقة للخزينة.

وهنا تكمن إحدى أصعب مهام المرحلة: التمييز بين العقد الذي جرى وفق القانون لكنه كان مجحفاً بحق الدولة، والعقد الذي شابه فساد أو تواطؤ أو استغلال للنفوذ، ثم تحديد المسؤوليات القانونية من دون تحويل عملية استرداد المال العام إلى عملية انتقام سياسي.

الفساد لا ينفصل عن طريقة إدارة الدولة

ويرى خبراء أن مكافحة الفساد تبدأ من الفصل بين السلطات وإيجاد جهات قادرة دستورياً على مراقبة أداء الحكومة، إلى جانب الرقابة المجتمعية والإعلامية وضمان الوصول إلى المعلومات وتوثيق القرارات الحكومية وصلاحيات المسؤولين. ويحذر الخبراء من أن إعادة إنتاج الفساد لا تحتاج بالضرورة إلى الأشخاص والشبكات القديمة نفسها، فقد تكفي بيئة مؤسسية ضعيفة، وإجراءات غير واضحة، وغياب الرقابة، ومركزية القرار، لخلق شبكات مصالح جديدة.

ورأى طلال أسعيد، المحلل الاقتصادي في مركز "جسور" للدراسات، أن الفساد يرتبط، في أغلب التجارب، بطبيعة نظام الحكم، وينشأ عندما تتسع صلاحيات المسؤولين وتغيب آليات المساءلة والرقابة. وفي سورية، كان الفساد خلال عهد النظام السابق متغلغلاً في مختلف مفاصل الإدارة والاقتصاد، من المعاملات اليومية في المؤسسات الحكومية إلى المناقصات والعقود الكبرى في قطاعات الطاقة والإسكان وإدارة المال العام. ومع مرور الوقت، تحول من ممارسات متفرقة إلى منظومة مرتبطة بشبكات الولاء والمصالح الاقتصادية والأجهزة الأمنية، واستفحلت أكثر خلال سنوات الحرب.

وأضاف في حديث مع "العربي الجديد" أن سقوط النظام لا يعني بالضرورة سقوط هذه المنظومة، إذ يمكن لشبكات المصالح أن تعيد تشكيل نفسها وفق الظروف الجديدة. فالفساد الموروث ليس مجرد مجموعة من الأشخاص، وإنما تراكم في القوانين والإجراءات والعقود والتراخيص وآليات إدارة المؤسسات، ولذلك فإن معالجته تحتاج إلى إصلاح مؤسسي وتشريعي يتجاوز تغيير المسؤولين.

وشدد على أن الفساد لا يقتصر على الظروف الاقتصادية والاجتماعية. فقد ساهم تدني رواتب الموظفين وتراجع القوة الشرائية وارتفاع تكاليف المعيشة والخدمات في خلق بيئة حاضنة للرشوة واستغلال الوظيفة العامة، فيما قد يؤدي ضعف الاستقرار الأمني والمؤسسي وتراجع الموارد المتاحة لإعادة الإعمار إلى زيادة هذه المخاطر. ومن هنا، فإن تحسين الأجور، رغم أهميته، لا يكفي وحده ما لم يترافق مع رقابة فعالة ومساءلة واضحة.

واعتبر أسعيد أن التحركات التي تقوم بها الحكومة الجديدة، من خلال الهيئة المركزية للرقابة والتفتيش والجهاز المركزي للرقابة المالية، تعد خطوة مهمة، لكنها تحتاج إلى التحول من حملات متفرقة إلى استراتيجية متكاملة لمكافحة الفساد. ويشمل ذلك مراجعة التشريعات التي تتيح ثغرات لاستغلال المال العام، وتجريم أفعال الفساد بوضوح، وتطبيق عقوبات رادعة، إلى جانب تبسيط الإجراءات ورقمنة الخدمات ونشر المعلومات وتعزيز الشفافية وحماية المبلغين، بما يقلل مساحة التدخل البشري والابتزاز في المعاملات الحكومية.

ويضيف: "في المقابل، لا ينبغي أن ينحصر النظر في الفساد الموروث من النظام السابق، إذ تبرز في المرحلة الانتقالية مخاطر نشوء أشكال جديدة منه، خصوصاً مع ضعف المؤسسات وتداخل المصالح الاقتصادية والسياسية وغياب قواعد واضحة لإدارة الموارد العامة. وقد برزت تحذيرات رسمية من مخاطر الإثراء غير المشروع لدى مسؤولين وشخصيات مقربة من السلطة الجديدة، ما يجعل إخضاع الجميع لقواعد الشفافية والمساءلة أمراً ضرورياً منذ البداية".

وختم بالقول إن الفساد الهيكلي لا ينتهي بسقوط رأس النظام، لأنه يكون قد أصبح جزءاً من طريقة عمل المؤسسات. وفي المقابل، فإن منع إعادة إنتاجه في المرحلة الجديدة يتطلب ألا تتحول شبكات الولاء والمصالح إلى نسخة جديدة من المنظومة السابقة. والمعركة الحقيقية تبدأ ببناء مؤسسات وقواعد واضحة تجعل الحصول على المنفعة مرتبطاً بالقانون والكفاءة والمصلحة العامة، لا بالقرب من السلطة أو القدرة على الوصول إليها.

من العقاب إلى الوقاية

تظهر الإجراءات الأخيرة أن مكافحة الفساد بدأت تتحول إلى ملف يومي داخل مؤسسات الدولة. ففي وزارة المالية، اتُخذت إجراءات بحق موظفين ومعقبي معاملات ومحاسبين قانونيين، ضمن حملة تستهدف، وفق تصريحات الوزير محمد يسر برنية، حماية حقوق الخزينة العامة وتشديد الرقابة على المعاملات والفواتير والخدمات المالية.

غير أن نجاح هذه الحملات لن يقاس بعدد الموظفين الذين تتم إحالتهم إلى التحقيق، بل بقدرة الدولة على تقليل فرص الفساد مستقبلاً. فالمعالجة المستدامة تتطلب رقمنة الخدمات، وتقليل الاحتكاك المباشر بين الموظف والمواطن، ونشر العقود والبيانات المالية، وتشديد قواعد تضارب المصالح، وحماية المبلغين، وإتاحة المعلومات أمام الإعلام والمجتمع.

وتبرز هنا أيضاً أهمية استقلال أجهزة الرقابة والقضاء، لأن مكافحة الفساد تفقد جزءاً كبيراً من زخمها وفعاليتها إذا أصبحت مرتبطة بمزاج السلطة التنفيذية أو استهدفت أشخاصاً محددين من دون قواعد عامة تطبق على الجميع. وتنسجم هذه الأولويات مع توصيات منظمة الشفافية الدولية التي شددت، في تحليلها الإقليمي لعام 2025، على ضرورة تقوية المؤسسات المستقلة للرقابة، وتوسيع المجال أمام المجتمع المدني، وتعزيز الشفافية وآليات كشف المصالح والملكية المستفيدة، باعتبار أن ضعف المساءلة يسمح باستمرار الفساد.