الفساد عقبة في طريق أوكرانيا لعضوية الاتحاد الأوروبي
استمع إلى الملخص
- سيطر رجال الأعمال النافذون على القطاعات الحيوية، مما أدى إلى إهدار كبير في الإنفاق الحكومي وظهور فضائح فساد جديدة، مثل فضيحة "إنيرجو أتوم"، التي أثارت غضباً شعبياً.
- يكلف الفساد الاقتصاد الأوكراني 13 مليار دولار سنوياً، ويشكل تهديداً كبيراً رغم التحسن النسبي، مما يضع الرئيس زيلينسكي أمام اختبار صعب لتحقيق الإصلاحات المطلوبة.
مع أن أوكرانيا تواجه منذ فبراير/شباط 2022 معركة وجودية بعد الغزو الروسي لها، وتلقى دعماً غربياً مالياً وعسكرياً، تبقى مسألة الفساد الأكثر انتشاراً في البلد مقارنة بدول أوروبية أخرى متغلغلة في الاقتصاد وإدارة البلد منذ عقود. وبجانب حربها العسكرية، فإن كييف في مواجهة أخرى داخلية لفرملة الفساد في المؤسسات. وبينما كرر الاتحاد الأوروبي منذ بداية الحرب بأن "مستقبل أوكرانيا هو في أوروبا"، يعرف الأوكرانيون اليوم أن الانتصار في المعركة الخارجية لن يكون ذا معنى ما لم يربحوا المعركة الداخلية ضد الفساد.
إرث الأوليغارش… وديكتاتورية المال التي ما زالت تحكم
منذ انهيار الاتحاد السوفييتي، تحوّل رجال الأعمال النافذون في أوكرانيا إلى قوة سياسية موازية للدولة. سيطروا على الطاقة والبنوك والإعلام، وأعادوا تشكيل السياسة على هواهم. ورغم الإصلاحات التي تلت ثورة الميدان عام 2014، ما زالت تقارير الاتحاد الأوروبي تؤكد أن ما بين 20% و30% من الإنفاق الحكومي الأوكراني يُهدر سنوياً بسبب الفساد قبل الحرب، وأن "الأوليغارشية" لم تُفكك بالكامل.
ومع اندلاع الحرب في 2022، كانت المفارقة قاسية: بينما تسعى أوكرانيا لتعجيل الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، ظهرت مجدداً "شبكات نفوذ" تستخدم الظرف الاستثنائي لتوسيع أرباحها بدل حماية الدولة.
زلزال إنيرجو أتوم… عندما تذهب أموال الدفاع إلى جيوب خاصة
أكبر صدمة سياسية ضربت كييف في الأسابيع الأخيرة، كانت انفجار فضيحة فساد بقيمة 100 مليون دولار داخل شركة "إنيرجو أتوم"، المشغّلة للمفاعلات النووية. هذه الأموال كانت جزءاً من عقود لتقوية دفاعات المحطات النووية ضد الصواريخ الروسية، لكن أجزاء كبيرة منها اختفت في دورة رشاوى معقدة.
وتضمنت التحقيقات نحو ألف ساعة من المكالمات المسربة، كشفت شبكة تحصل على 10% إلى 15% من قيمة العقود رشاوى. بعض الأموال، وفق المحققين، عبرت وسطاء يُعتقد أن أحدهم هو رجل الأعمال تيمور مينديتش، الشريك السابق للرئيس فولوديمير زيلينسكي. شكل ذلك أيضاً صدمة على المستوى الأوروبي، وحرجاً كبيراً لداعمي الرئيس الأوكراني.
وجاءت الأسماء المتورطة في فضيحة الفساد من قلب السلطة، وهم وزير العدل هيرمان هالوشينكو، ووزيرة الطاقة سفيتلانا هرينشوك، وتيمور مينديتش، صديق وشريك زيلينسكي السابق. وما أشعل الغضب الشعبي هو أن مينديتش غادر أوكرانيا قبل ساعات من مداهمة منزله، ما أعاد إلى الأذهان زمن "الحماية السياسية للمقربين".
ويعرف زيلينسكي أن شرعيته تعتمد على قدرته على محاربة الفساد. لكنه اليوم يمر بأصعب اختبار منذ توليه السلطة. فقبل أشهر فقط، حاول تمرير قانون يحدّ من استقلالية هيئتي مكافحة الفساد "NABU" و"SAPO"، مما أثار اتهامات بمحاولة "السيطرة على القضاة والمحققين بدل حمايتهم". ورغم تراجعه بعد احتجاجات وضغط أوروبي، فإن الفضيحة الحالية تعيد طرح السؤال بحدة: "هل أراد زيلينسكي إصلاح الدولة أم التحكّم بمن يحقق في دائرته المقربة؟".
أرقام صادمة تكشف حجم الأزمة في أوكرانيا
تقديرات قُدمت للمفوضية الأوروبية قبل الحرب وبعدها تشير إلى أعباء هائلة:
- 13 مليار دولار سنوياً هو حجم ما يفقده الاقتصاد الأوكراني بسبب الفساد والتهرب المالي (وفق بيانات ما قبل 2022)
- ثلث العقود الحكومية كان يُصنف عالي المخاطر من حيث الفساد.
- قطاع الطاقة وحده كان مسؤولاً عن 40% من حالات الفساد الكبرى في العقد الأخير.
هذه الأرقام، رغم التحسن النسبي خلال الحرب، لا تزال تؤكد أن "عدو الداخل" لا يقلّ تدميراً عن العدو الخارجي.
امتداد الشبكة إلى الدنمارك؟
وتكشفت في القضية أسماء شركات دفاعية أجنبية، بينها شركة "فاير بوينت" التي تستعد لافتتاح مصنع لطائرات مسيّرة جنوب الدنمارك. التحقيقات الأوكرانية لم تُدن الشركة مباشرة، لكنها ذكرتها بوصفها جزءاً من "مسارات تدفق الأموال غير الشفافة"، ما دفع محققين دنماركيين لطلب توضيحات.
وهذا البعد الدولي يفتح الباب لسؤال أكبر: إلى أي مدى تسربت الأموال الغربية، المخصّصة للدفاع عن أوكرانيا، إلى جيوب شبكات الفساد؟
بل إن هذا الحجم من الفساد يمنح القوى الأوروبية المتحفظة حيال استمرار دعم أوكرانيا، وخصوصاً حيث وصل أو يحكم اليمين القومي المتشدد في التشيك وسلوفاكيا والمجر، وأحزاباً وقوىً في دول أخرى، قوةً إضافية للضغط على الطبقات السياسية التقليدية لمراجعة سياساتها المالية الداعمة لكييف بدون أسقف. فخطابهم حول الأولويات الوطنية المالية - الاقتصادية تبدو أكثر جاذبية مع انكشاف المزيد من الهدر المالي الذي يرسلونه إلى كييف.
أوروبا… إشادة مشروطة وقلق لا يهدأ
أشاد الاتحاد الأوروبي بـ"التزام كييف الاستثنائي" في ظروف الحرب، لكنه وضع خطوطاً حمراء. فلا عضوية في ناديه دون تحقق شروط، منها قضاء مستقل ومحاسبة للمقربين، وتفكيك نفوذ اللوبيات المالية، وشفافية في المشتريات العسكرية. وتخشى دول مثل الدنمارك وهولندا وألمانيا تكرار "أخطاء التوسع السابقة"، إذ انضمت دول لم تُصلح مؤسساتها بالكامل، مما خلق أزمات لاحقة داخل الاتحاد.
ورغم ذلك كله، وعلى عكس الماضي، لم تُدفن الفضيحة تحت السجادة. فقد خرج وزراء من الحكومة الأوكرانية، وكُشف عن مكالمات سرية، وأصدرت أجهزة مكافحة الفساد تقارير غير مسبوقة ضد شخصيات نافذة.
الشارع الأوكراني، الذي دفع ثمناً باهظاً في 2014 و2022، لم يعد مستعداً لقبول تبريرات السلطة. وربما تكمن المفارقة في أن كشف هذا الفساد الضخم دليل على أن منظومة الفساد والأوليغارش لم تعد قادرة على حماية نفسها كما كان في السابق. وتعيش أوكرانيا اليوم على خط نار مزدوج: حرب ضارية مع روسيا، وحرب أكثر خفاءً ضد نظام قديم يحاول البقاء. والانتصار في الأولى لن يفتح أبواب أوروبا، أما الانتصار في الثانية فقد يمهّد لميلاد دولة جديدة، أقوى، أنظف، وقادرة على الوقوف على قدمين دون دعم دائم من الخارج.