المدينة الزراعية التي قتلتها المليشيات بالسلاح وبالجوع... إبادة اقتصاد الفاشر
استمع إلى الملخص
- تأثير الحصار الاقتصادي: تعرضت الفاشر لحصار من مليشيات الدعم السريع، مما أدى إلى انهيار اقتصادي وارتفاع كبير في أسعار الغذاء والوقود، وتدهور القدرة الشرائية للسكان.
- الأزمة الإنسانية والنزوح: تسبب الحصار في نزوح كبير للسكان وتفاقم أزمة الجوع، حيث بلغت المجاعة مستويات خطيرة، مما جعل الفاشر تعيش حالة طوارئ إنسانية.
كانت الفاشر، قبل أن تخنقها مليشيات الدعم السريع، مدينة تتنفس الزراعة والرعي، تمتد حولها حقول الدخن والذرة والسمسم وبساتين التمر والموز والمانغو، ويعتمد سكانها على الريّ الموسمي وحفر الآبار السطحية، فيما تتحرّك قوافل الإبل والماشية إلى سوقٍ حضريّ يشتري منه التجّار ويبيع فيه المزارعون ما جادت به السواقي.
كانت المدينة عقدة توزيع للحبوب والفاكهة إلى مدن دارفور، ومقصداً لتجارة المواشي، ولا سيما الإبل التي تساق من البوادي إلى الحظائر، ثم تُصدر حية عبر طرق عابرة للحدود نحو مصر وليبيا.
الفاشر في عزّها كانت تستيقظ على رائحة الدقيق الطازج ومأمأة المواشي ونداءات الباعة في سوق يمد مَن حوله بالغذاء. لم تكن المدينة مجرد نقطة على الخريطة، بل عقدة توزيع تعبرها الحبوب والليمون والبرتقال "أبو صرة" والثوم والبصل والماشية من جبل مرة وكتم وطويلة، وتتسع فيها الحرف الصغيرة والمطاحن والمطاعم الشعبية، إلى درجة وصفتها الموسوعة البريطانية (دائرة المعارف البريطانية) في قسمها الخاص بالمدن في 24 سبتمبر/ أيلول 2025 بـ"مركز قوافل تاريخي" و"مركز لتسويق الحبوب والفاكهة"، وربطتها بطرق برية نحو الجنينة وأم كدادة، ثم إلى ما وراء الحدود، مميزات جعلتها حلقة في سلة غذاء إقليمية لا تتوقف عن الدوران حين تكون الطرق مفتوحة والأسواق آمنة.
الزمن الجميل في الفاشر
على إيقاع هذا النشاط، نشأت في الفاشر أسواق كبرى وسلسلة خدمات تُغذي الاقتصاد اليومي، المطاحن منتشرة تتوسط الدكاكين، وحركة نقل تربط السوق الكبير بالأحياء، وحظائر ماشية يُباع فيها اللحم طازجاً أو مشوياً، وأروقة لمنتجات دارفور الغذائية التقليدية القادمة من سفوح الجبل.
قبل أن تتعطّل الطرق، كانت الشاحنات تفرغ حمولتها في سوق يفتحه الناس فجراً، وتدور فيه السيولة بسرعة بين مُزارع يبيع محاصيله وتاجر يشتري بالجملة وناقل يوزّع على الضواحي. ذلك المشهد، كان خلاصة اقتصاد الناس في الفاشر، وصورة نمطية للزمن الجميل للمدينة التي منحتها مكانتها لتكون سوقاً محورياً للتصدير، وحركة تجارة حضرية منظمة حين تكون طرق القوافل مفتوحة.
حصار خانق
على أرض الفاشر التجارية، جاءت بعثة الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي في دارفور (يوناميد) لتضيف رافعة لوجستية وخدمية وسوق عمل محلية، حين اتخذت الفاشر قاعدة ومقراً. فحسب تقرير موجه للجمعية العامة للأمم المتحدة في 8 ديسمبر/ كانون الأول 2022، قُسمت القاعدة اللوجستية في الفاشر إلى قطاعات عدّة لاستيعاب عمليات واسعة، وهو تفصيل إداريّ يكشف الحجم الحقيقي لاقتصاد الخدمات المرتبط بالبعثة من نقل وتموين وصيانة ومطاعم وعمالة يومية، ما سمح بضخّ ملايين الدولارات في المدينة خلال سنوات نشاط يوناميد.
لكن تلك الدورة انكسرت بعد إبادة واسعة وهجمات موثقة نفذتها مليشيات قوات الدعم السريع على المدينة وأطرافها، ومعها فُرض حصار قطع الطرق التجارية وخنق الأسواق. ووصفت مجموعة الأزمات الدولية في أفريقيا (منظمة عالمية تعمل على منع النزاعات المميتة وحلها) هذا التحوّل بوضوح بـ"الكارثي" في تقرير مفصّل أصدرته في 24 يونيو/ حزيران 2024 بعنوان "وقف المعركة الكارثية في الفاشر السودانية"، وأكدت فيه أن الحصار أشعل الانهيار الاقتصادي وعطل حركة التجارة ورفع أسعار الغذاء إلى مستويات غير مسبوقة.
خطورة السوق وجنون الأسعار
هذه الصور التي خلفتها مليشيات الدعم السريع لا تحتاج إلى استعارات، فمع حصار الفاشر، صار الدخول إلى السوق نفسه رحلة مخاطرة، لا مجرد عادة يومية. مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية للأمم المتحدة يوثق في تقرير "لقطة الوصول الإنساني - أغسطس 2025" الصادر في 9 سبتمبر/ أيلول 2025 أن الفاشر لا تزال "تحت حصار مليشيات الدعم السريع، وأن تدفق السلع الأساسية معطّل بشكل حاد رغم الاتصالات رفيعة المستوى"، وهو ما يفسر لماذا ترتفع الكلفة النهائية لأي سلعة بعد إضافة "ضريبة الطريق" المؤلفة من الخطر والتأخير. ومتى تعطلت حركة الحبوب والماشية والزيوت، اختلت أسعار النسب داخل سلة المستهلك.
برنامج الأغذية العالمي في تقرير "مراقبة السوق - أغسطس 2025" رصد كل هذا، وأشار إلى "انفجار في الأسعار" على نحو جعل الفاشر وكادوقلي تقودان موجة الغلاء على مستوى البلاد. ونقل التقرير أنه في الفاشر مقارنة بيوليو/ تموز 2024، ارتفعت الأسعار بنسبة 164%، وأشار إلى ارتفاع سعر دقيق القمح إلى 6.524 جنيهات سودانية للكيلوغرام الواحد بزيادة قدرها 38% على أساس شهري و135% مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي، وقفز سعر الذرة الرفيعة إلى 2.324 جنيه سوداني للكيلوغرام بزيادة قدرها 42% عن الشهر السابق و88% مقارنة في يوليو/ تموز 2024، ووصلت سلة الغذاء المحلية إلى 3.365 جنيهات سوداني للوحدة بزيادة قدرها 26% عن يونيو/ حزيران 2025، وأعلى بنسبة 108% عن العام الماضي. ووثق التقرير ارتفاع متوسط السعر الوطني للفول السوداني إلى 105.058 جنيهات سودانية للقنطار، مسجلاً زيادة بنسبة 36% عن الشهر السابق وارتفاعاً بنسبة 98% مقارنة بشهر يوليو/ تموز 2024، فيما ارتفعت أسعار الوقود التجاري بـ6% بالنسبة إلى البنزين و12% للديزل.
وبقياس القدرة الشرائية، لم ترتفع أجور العمل اليومي إلا بنسب بسيطة، بينما انخفضت قيمة الجنيه السوداني في السوق الموازية إلى نحو 3700 جنيه حالياً، أي إن دخل اليوم الواحد أصبح يشتري أقل بكثير من ضروريات أمس. هكذا تكون الندرة قد التهمت الأجر، وابتلعت معها طمأنينة الأسر، ليكون الشكل النهائي على طاولة الأسرة، بروتيناً أبعد وزيوتاً أقل ونقلاً أغلى وعجزاً يتسع. ويُعزى هذا الارتفاع الحاد إلى استمرار انخفاض قيمة العملة المحلية وانقطاعات واسعة النطاق في سلسلة التوريد في عدة ولايات، و"ارتفاع تكاليف الإنتاج ومحدودية العرض من مناطق الزراعة الرئيسية".
النزوح بسبب الجوع
لأن اقتصاد الفاشر أساساً اقتصاد ناس قائم على الدخل اليومي والدوران السريع للنقد، فقد ظهر الجرح سريعاً في أرصدة الجيوب. تقرير مشترك لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي والمعهد الدولي لبحوث السياسات الغذائية صدر في 12 نوفمبر/ تشرين الثاني 2024 واستند إلى مسح الأسر الحضرية، أشار إلى أن 31% من الأسر الحضرية في السودان نزحت، وللفاشر نسبة منها، وأن العائق الأول للشراء هو الغلاء حتى عندما يكون الوصول إلى السوق ممكناً.
الفاشر في هذه المعادلة، تتجسد حالةً نموذجيةً، دخلاً يومياً يتقهقر، وسلة تشتد كلفتها، وسوقاً لا يُؤمّن الاستقرار. أما من زاوية الأمن الغذائي، فقد تحول الحصار إلى ماكينة تجويع معلنة. ففي الأول من أغسطس/ آب 2024 أكدت شبكة أنظمة الإنذار المبكر بالمجاعة (مزود رائد للمعلومات والتحليلات حول الأمن الغذائي) بلوغ المجاعة المستوى الخامس في جزء من الفاشر، وبالضبط في مخيم زمزم، قبل أن تعود في 5 سبتمبر/ أيلول 2024 لتؤكد استمرارها وخطر اتساعها مع تعذر الإمداد. وبعد أشهر، أصدرت شراكة التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي (أداة لتطوير طرق تحليل الأمن الغذائي واتخاذ القرار) تقرير "لجنة مراجعة المجاعة" في ديسمبر/ كانون الأول 2024، الذي توقع استمرار المجاعة وتمددها إلى الفاشر نفسها خلال ديسمبر/ كانون الأول 2024 إلى مايو/ أيار 2025 ما لم تفتح المسارات وتستأنف الإغاثة. بينما أشارت منظمة أطباء بلا حدود في تقرير مطول صدر في 3 يوليو/ تموز 2025 بناءً على عملها في الميدان، إلى الحاجة لما لا يقل عن 150 ألف طن من الغذاء شهرياً لتسعة ملايين شخص في حالة طوارئ أو مجاعة في السودان.
ومع إعلان مليشيات الدعم السريع سيطرتها على الفاشر يوم الاثنين الماضي، وتصفيتها لآلاف المواطنين وفقاً لما أوردته كيانات طبية وعسكرية في السودان، تحول الحصار الاقتصادي مباشرة إلى عرض محطم يجرّ طلباً عاجزاً إلى هاوية الطوارئ، ثم نحو المجاعة. الصورة لا تحتاج لتجميل، مليشيات تُغلق الطريق، والسلعة لا تصل، والسعر ينفلت، والقدرة الشرائية تهوى، وبالتالي يُصبح العمل والإنتاج والتجارة رفاهية بعيدة، فلا يمكن للاقتصاد أن يتنفس والسوق محروقة ومستودعات القمح والذرة تحت القصف.
تدمير الاقتصاد
بهذه النمطية يمكن رسم خط قاطع بين الفاشر التي كانت مركزاً حضرياً يبيع ويشتري ويطحن ويُطعم، والفاشر التي أصبحت مدينة تُدير اقتصاد الأزمات حيث تسبق تكلفة الوصول أي قيمة استعمال، وحيث يُقاس اليوم بسؤال واحد: "من أين نأتي بسعر سلة غذاء باتت قفزاتها الشهرية تفوق نمو الأجر بعدّة أضعاف؟"، فمليشيات الدعم السريع عطلت رأس المال البشري، وكسرت سلاسل الإمداد، وعرّت النقد من قدرته على الشراء، فانهار الطلب الحقيقي وفسدت إشارات الأسعار حتى صار الحطب في بعض الأحياء أغلى من يومية عمل كاملة.
وفي كل مرة تحاول فيها شاحنات برنامج الأغذية العالمي اختراق الطريق، تأتي أنباء عن استهداف قوافل الإغاثة أو تعطيلها، لتبقى الفاشر مثالاً على مدينة "قُتلت مرتين"، مرّة بالسلاح، ومرّة بحرمانها الخبز.
الخبز المفقود
إذا قلبنا في كتب الاقتصاد، يتبيّن أن المدن لا تموت فجأة، بل حين يسحب من تحتها خيط السوق الذي كان يشد أطرافها كل صباح إلى دكان مفتوح ومطحنة دؤوبة. هكذا كان اقتصاد الفاشر يقوم على الدخل اليومي، فلاح يبيع جزءاً من محصوله، عامل يحمل البضائع في السوق، تاجر صغير يعيد تدوير أرباحه كل مساء. تلك الدورة توقفت تماماً، وتلك المدينة الصغيرة التي كانت تعيش على إيقاع السوق والزرع والتجارة اليومية مع شروق الشمس، لم تعد أسواقها تفتح أبوابها في قلبها لتسمع صوت الباعة وتشم رائحة الفول السوداني وتأكل الذرة ظهراً.
لم تعد الفاشر مركزاً اقتصادياً نابضاً، ولم يعد المزارعون يجلبون محاصيلهم إلى سوقها، لقد توقفوا عن الزراعة خوفاً من قصف أو نهب مليشيات الدعم السريع، والتجار هربوا أو فقدوا مخازنهم، فيما باتت أغلبية الأسر تعيش على الإغاثة إن وصلت، وحتى المواشي التي كانت مخزن القيمة في اقتصاد المدينة، نفقت أو نُهبت، ولم يعد يُسمَع لها صوت. اختنقت المدينة بحصار مليشيات الدعم السريع، وارتفعت الأسعار وتلاشت الأجور، ثم اتسعت المجاعة، وبين الماضي والحاضر يبقى الطريق مُغلقاً يساوي خبزاً مفقوداً، والخبز المفقود يساوي اقتصاداً مباداً.