الغلاء يقلص مساحات سكن التونسيين

08 أكتوبر 2025   |  آخر تحديث: 09:00 (توقيت القدس)
ارتفاع كبير في أسعار العقارات (Getty)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- أظهرت بيانات المسح السكاني في تونس تفضيل الأسر للمساكن الصغيرة والمتوسطة بسبب ارتفاع أسعار العقارات، حيث ارتفعت نسبة المساكن ذات الغرف الثلاث إلى 46.6%، بينما تراجعت المساكن ذات الخمس غرف إلى 7.3%.

- يعزو الخبراء هذا التوجه إلى غلاء أسعار العقارات ومكونات البناء، مما دفع شركات التطوير العقاري لتقديم مساحات أصغر تتناسب مع إمكانات التونسيين، مع تغير ملامح السكن نتيجة عوامل اقتصادية وديمغرافية.

- ارتفعت أسعار العقارات بنسبة 86% خلال السنوات العشر الماضية، مما أدى إلى تراجع الطلب العقاري وتقلص خيارات التونسيين في تملك المساكن، مع انكماش في القطاع العقاري وتأثيره على الوظائف.

أظهرت بيانات المسح السكاني الذي أعلنت تونس عن نتائجه مؤخراً أنّ اتجاهات المساكن المأهولة في تونس تشهد تغيرات تحت تأثير الارتفاع الشديد لأسعار العقارات، حيث باتت المساكن التي لا تتجاوز مساحتها الـ100 متر مربع الأكثر شيوعاً في المشهد العمراني. وتشير البيانات الوطنية إلى أن نسبة المساكن ذات الغرف الثلاث ارتفعت إلى 46.6 % من مجموع المساكن مقابل 38.5% عام 2014 بينما لم تعد المساكن ذات خمس غرف تمثل سوى 7.3%.

ووفق نتائج التعداد تستأثر المساكن صغيرة ومتوسطة الحجم التي تتراوح مساحتها ما بين 50 و149 متراً مربعاً بنسبة 78.5% من مجموع مساكن التونسيين المقدرة بأكثر من 4.2 ملايين مسكن. يفسر المدير العام السابق لشركة التطوير العقاري الحكومية (سنيت) نور الدين شيحة أسباب تقلص مساحات مساكن التونسيين بزيادة الطلب على المساكن صغيرة ومتوسطة الحجم الأكثر تلاؤماً مع القدرة الشرائية للتونسيين.

ويقول شيحة في تصريح لـ"العربي الجديد" إن غلاء أسعار العقارات ومكونات البناء أدت إلى جنوح نحو تقليص المساحات، حيث تلبي شركات التطوير العقاري الحكومية أو الخاصة متطلبات الحرفاء الذين يحددون مساحات المساكن وفق إمكاناتهم المادية.

ويشير المتحدث في سياق متصل إلى أن أغلب الأسر التونسية باتت تكتفي بمساكن لا تتجاوز مساحتها 100 متر مربع نتيجة تغير تركيبة الأسر التي لم تعد تتجاوز الأربعة أفراد. ووفق نتائج التعداد العام للسكان والسكنى بلغ متوسط عدد أفراد الأسر التونسية 3.4 أشخاص. ويؤكد أن المساكن ذات المساحة الكبيرة مكلفة جداً، لا تتلاءم أسعارها مع متوسط الأجور في تونس.

في المقابل، يقول شيحة إن التونسيين باتوا يميلون أكثر إلى رفاهية السكن على حساب المساحة. ويتابع: يلبي قطاع التطوير العقاري عادة توجهات السوق بناء على طلب الحرفاء وهو ما يرسم بشكل عام ملامح السكن في تونس. ويرى شيحة أن ملامح السكن في تونس تتغير بشكل لافت نتيجة عوامل اقتصادية وديمغرافية، ومن أبرزها غلاء أسعار المساكن وتراجع القدرة الشرائية للطبقة الوسطى إلى جانب تغير تركيبة الأسر وتأخر سن الزواج وإحداث أسر جديدة.

وتؤكد مؤشرات حول الطلب العقاري في تونس خلال النصف الأول من العام الحالي نشرها موقع مبوب المتخصص أن العرض من الشقق يتألف رئيسياً من شقق بغرفتي نوم بنسبة 41% وثلاث غرف نوم بنسبة 32%، بينما تشكل الشقق بغرفة نوم واحدة 19% من العرض فيما تعد الشقق أربع غرف نوم فأكثر الأقل تمثيلاً بنسبة لا تتجاوز 8%.

وسجل متوسط سعر المتر مربع للشقق بحسب مؤشر موقع مبوّب زيادة بنسبة 7% خلال النصف الأول من العام الحالي مقارنة بالفترة ذاتها من العام الماضي.
وعلى مدى السنوات الماضية أفقد الغلاء وتصاعد كلفة البناء أجيالاً من التونسيين حقّ امتلاك المسكن بعد أن سجلت أسعار العقارات خلال العشرية الأخيرة طفرات غير مسبوقة.

كشفت دراسة صادرة عن الغرفة المهنية للمطورين العقاريين، صدرت في إبريل/ نيسان 2020، عن ارتفاع أسعار العقارات بنسبة 86% خلال السنوات العشر الماضية، مشيرة إلى أن أسعار الوحدات السكنية قفزت خلال السنوات الخمس الأخيرة فقط بنسبة 46%، فيما زادت أسعار المنازل بنسبة 60% والأراضي المعدة للبناء بنسبة 41%. ويعد ارتفاع كلفة القروض السكنية واحداً من أبرز أسباب تراجع الطلب العقاري في البلاد بالرغم من الأهمية الاقتصادية للقطاع.
وحالياً، تتراوح نسب فوائد القروض البنكية بين 10.86%، معدل فائدة فعلية، و13.03% حداً أقصى.

ويقر نائب رئيس الغرفة الوطنية للمطورين العقاريين جلال المزيو بوجود هوة شاسعة ما بين القدرة الإنفاقية للتونسيين ومستوى الدخل الفردي والأسري وأسعار العقارات، ما تسبب في حرمان طيف واسع من المواطنين من تملك مساكن أو تقليص خياراتهم في اختيار مساحة المسكن ونوعية البناء. ويشير نائب رئيس الغرفة الوطنية للمطورين العقاريين إلى تراجع المهنيين عن إنجاز مشاريع جديدة، إذ هبط معدل المساكن المحدثة إلى ما بين 6 و7 آلاف وحدة عام خلال الفترة الممتدة بين عامي 2022 و2024، مقابل 20 ألف وحدة خلال الفترة بين 2017 و2022. 

وقال في تصريح لـ"العربي الجديد": "يعكس تراجع الإنشاءات الجديدة للشقق والمساكن حجم الأزمة في القطاع الذي دخل في دورة انكماش، قد تستمر طويلاً وتؤثر على حجم الوظائف التي يخلقها القطاع إذا ما تواصل اعتماد نسب فائدة عالية على القروض السكنية". ويقول الخبير الاجتماعي فواد غربالي إن تقلص تدخلات الدولة مباشرة في تمويل وتشييد المساكن ذات البعد الاجتماعي، وتزايد الاعتماد على القطاع الخاص والبنكي، أدت إلى تحويل السكن من حق إلى سلعة، ومن مطلب اجتماعي إلى أداة استثمار وربح.

وأكد في تصريح لـ"العربي الجديد" أن السكن الخاص أو التمليك أصبح مرتهناً بالكامل للمنظومة البنكية، إذ تتحوّل مشاريع الحياة، كالزواج وتكوين الأسرة، إلى رهائن لقروض طويلة المدى.

المساهمون