استمع إلى الملخص
- قامت الحكومة بمراجعة البرنامج للفترة 2026-2028، حيث رفعت توقعات التضخم وخفضت مستهدفات النمو، ومع ذلك، زادت الصادرات بنسبة 4.5% في 2025، مما يعكس مرونة الاقتصاد.
- استمرت الحكومة في سياسة التيسير النقدي بخفض الفائدة أربع مرات في 2025، لكن مستوى معيشة المواطنين يظل تحدياً، مع توقعات بتحسن الأوضاع بحلول 2026.
يواصل برنامج الإصلاح الاقتصادي في تركيا إثارة جدل واسع في أعقاب صدور بيانات ومؤشرات عام 2025 التي كشفت، وفق مراقبين، فجوة واضحة بين النتائج المحققة والطموحات التي أعلنتها الحكومة عند إطلاق البرنامج عام 2023، أو تلك التي جرى تجديدها لاحقاً عند تعديل أهدافه في سبتمبر/أيلول من العام الماضي. ويرى محللون أن مسار الإصلاح، رغم ما حققه من بعض التراجعات في معدلات التضخم، لا يزال دون مستوى الوعود الرسمية، سواء على صعيد استقرار الأسعار أو تحسن سعر صرف الليرة أو انعكاس ذلك على معيشة المواطنين، وهو ما أعاد فتح النقاش حول جدوى السياسات الاقتصادية المتبعة وحدود قدرتها على تحقيق التوازن بين خفض التضخم ودعم النمو.
ويعتبر المحلل الاقتصادي التركي جيواد غوك أن الحكومة لم تنجح حتى الآن في تحقيق أهدافها المعلنة المتعلقة بخفض التضخم وتحسين سعر الصرف، مشيراً إلى أن البيانات الصادرة مطلع العام الجاري جاءت بعيدة حتى عن التقديرات التي أعلنها نائب الرئيس جودت يلماز خلال العام الماضي. ويحذر غوك، في حديثه لـ"العربي الجديد"، من أن التعديلات الجديدة التي لمّح إليها فريق الإصلاح قد لا تصب في مصلحة المواطنين، إذا ما تضمنت زيادات ضريبية أو رفعاً لأسعار حوامل الطاقة، كما حدث في تجارب سابقة، وهو ما قد يؤدي إلى عودة الضغوط التضخمية بعد أربعة أشهر متتالية من التراجع. ويضيف أن الإشارة إلى العودة لسياسة التشدد النقدي تعني عملياً تثبيت أسعار الفائدة، واستمرار حالة الركود النسبي في الأسواق، دون مكاسب ملموسة على صعيد خفض التضخم.
في المقابل، يؤكد نائب الرئيس التركي جودت يلماز التزام الحكومة بمواصلة سياسات التشديد النقدي والمالي، باعتبارها المسار الأساسي لكبح التضخم. وأشار، خلال مؤتمر صحافي عقد في إسطنبول قبل أيام، إلى إمكانية إدخال تعديلات محدودة على البرنامج الاقتصادي، دون المساس بجوهره أو تغيير اتجاهه العام. وأوضح يلماز أن الحكومة تتوقع تسجيل تحسن تدريجي في مسار التضخم خلال الربع الأول من العام الجاري، بما ينعكس على توقعات السوق التي تشير إلى إمكانية تراجع التضخم إلى حدود 23% بنهاية العام. وبرر ابتعاد الأرقام الحالية عن وعود الحكومة بسعيها لتفادي خفض سريع للتضخم، قد ينعكس سلباً على معدلات النمو وفرص العمل والاستقرار الاجتماعي.
أهداف البرنامج
وكانت تركيا قد أطلقت برنامجها الاقتصادي في عام 2023 على مرحلتين، الأولى قصيرة الأجل للفترة 2024–2025، والثانية متوسطة الأجل بين عامي 2026 و2028، بعد سنوات من اتباع سياسات نقدية غير تقليدية اتسمت بتيسير واسع بهدف تحفيز النمو. وأسفرت تلك السياسات عن ارتفاع حاد في التضخم، الذي بلغ مطلع عام 2025 نحو 44.38%، قبل أن يتراجع إلى 39.9% بنهاية العام، بالتوازي مع تراجع حاد في قيمة الليرة التي فقدت أكثر من 21% من قيمتها خلال العام الماضي، لتستقر حالياً قرب 43.14 ليرة مقابل الدولار و50.25 ليرة مقابل اليورو.
وتمحورت أهداف البرنامج عند إطلاقه حول كبح التضخم، وتعزيز الإنتاج والصادرات، وتقليص عجز الميزان التجاري، وتحسين المؤشرات المالية العامة، مع وعود رسمية بانعكاس ذلك على رفاهية المواطنين، كما أكد وزير الخزانة والمالية محمد شيمشك. غير أن بيانات الربع الثالث من العام الماضي دفعت الحكومة إلى مراجعة برنامج الإصلاح متوسط الأجل للفترة 2026 - 2028، في تعديلات أُعلن عنها من المجمع الرئاسي في أنقرة، بحضور نائب الرئيس، ووزير المالية، ومحافظ البنك المركزي فاتح قرة هان. وأقرت الخطة المعدلة برفع تقديرات التضخم وخفض مستهدفات النمو، إلى جانب تحديث توقعات البطالة وتقليص عجز الحساب الجاري.
وبحسب الخطة المعدلة، رُفعت توقعات تضخم أسعار المستهلك لعام 2025 إلى 28.5% مقارنة بـ17.5% في البرنامج السابق، كما جرى تعديل توقعات عام 2026 إلى 16% بدلا من 9.7%، على أن يتراجع التضخم إلى 9% في 2027، ويستقر عند 8% في عام 2028. ولا يرى عضو حزب العدالة والتنمية الحاكم باكير أتاجان في هذه التعديلات تراجعاً بقدر ما يراها انعكاساً لواقعية أكبر في التعامل مع المتغيرات الاقتصادية العالمية، معتبراً في حديثه لـ"العربي الجديد" أن ما تعانيه الاقتصادات الكبرى وشركاء تركيا التجاريين فرض مراجعة الأهداف السابقة، التي كانت تتوقع خفض التضخم إلى 15.2% بنهاية 2024 و8.5% بنهاية 2025، إلى جانب طموحات أكثر تفاؤلاً للنمو والبطالة. ويشير أتاجان إلى أن ملف الصادرات يشكل أحد أبرز نقاط النجاح في البرنامج، إذ بلغت صادرات تركيا في عام 2025 نحو 273.4 مليار دولار، بزيادة 4.5% مقارنة بعام 2024، متوافقة إلى حد كبير مع المستهدفات التي وضعتها الخطة المعدلة.
خيار استراتيجي
وحول سياسة سعر الفائدة، يوضح أتاجان أن التيسير النقدي لا يزال خياراً استراتيجياً للحكومة، نظراً إلى تأثير أسعار الفائدة المرتفعة على حركة الأسواق والنمو الذي لم يتجاوز 3.7%. لكنه يؤكد أن مسار التضخم يظل العامل الحاسم في تقرير الاستمرار في خفض الفائدة أو التريث، نظراً إلى انعكاسه المباشر على تكاليف المعيشة. وكان البنك المركزي التركي قد خفض أسعار الفائدة أربع مرات متتالية، لينخفض سعر الفائدة من 47.5% مطلع عام 2025 إلى 38% بنهاية العام، في إطار سياسة التيسير النقدي التي بدأها منتصف العام.
ورغم المؤشرات الكلية، يرى مراقبون أن المعيار الحقيقي لنجاح أي برنامج اقتصادي يظل مستوى معيشة المواطنين في ظل ارتفاع تكاليف الحياة، إذ يقدَّر متوسط إنفاق الأسرة التركية بنحو 90 ألف ليرة شهرياً، مقابل حد أدنى للأجور في القطاع الخاص يبلغ 28.075 ألف ليرة، بعد زيادة بنسبة 27% مطلع العام الجاري. غير أن أتاجان يرفض هذا القياس، مشيراً إلى أن الحد الأدنى للأجور لا يعكس واقع غالبية العاملين، وأن معظم الأسر تضم أكثر من مصدر دخل، فضلاً عن ارتفاع رواتب القطاع العام إلى مستويات تفوق متوسط تكاليف المعيشة، حيث يبدأ راتب الموظف الحكومي من 64.4 ألف ليرة، ويرتفع إلى أكثر من 150 ألف ليرة لبعض الفئات التخصصية.
وفي هذا السياق، يؤكد وزير الخزانة والمالية محمد شيمشك التزام الحكومة بخفض التضخم إلى أقل من 20% خلال العام الجاري، معتبراً أن عام 2026 سيكون نقطة تحول لمصلحة أصحاب الدخول المحدودة، مع اكتمال مشاريع إعادة الإعمار في مناطق الزلزال، وتعزيز الانضباط المالي، وتراجع المخاطر المرتبطة بالاستقرار الاقتصادي. ويعول شيمشك على أن تظهر النتائج الأكثر وضوحاً للبرنامج خلال عام 2026، سواء على صعيد انخفاض التضخم أو تراجع الشعور بغلاء المعيشة، بالتوازي مع تسارع التعافي الاقتصادي وعودة النمو التدريجي، واستكمال أعمال إعادة الإعمار والإحياء في منطقة الزلزال.