استمع إلى الملخص
- برزت ليبيا كلاعب رئيسي في سوق السيارات المستعملة، خاصة من كوريا الجنوبية، نتيجة اختلالات هيكلية في الاقتصاد الليبي وضعف البنية التحتية للنقل العام، مع تأثير ضعف العملة الكورية.
- أظهرت البيانات نموًا في حركة الشحن عبر الموانئ الليبية، مما يعكس نشاطًا تجاريًا متزايدًا، لكن ارتفاع الأسعار يثير قلقًا بشأن الفجوة الاجتماعية والاقتصادية، مع انخفاض قيمة الدينار الليبي.
لم يعد ارتفاع الأسعار في ليبيا ظاهرة عابرة مرتبطة بقطاع دون آخر، بل تحوّل إلى عامل بنيوي يعيد تشكيل سلوك المستهلكين وخياراتهم الاقتصادية، وكان سوق السيارات من أكثر القطاعات تأثرًا بهذه التحولات. ففي ظل تراجع القدرة الشرائية وارتفاع تكاليف الاستيراد، باتت السيارات المستعملة الخيار شبه الوحيد أمام شريحة واسعة من المواطنين، رغم الارتفاع المتواصل في أسعارها.
يقول تاجر السيارات عادل القنطري لـ"العربي الجديد": "السوق شهد خلال العامين الأخيرين تغيرًا جذريًا. المواطن لم يعد يفاضل بين ماركات أو موديلات، بل بين القدرة على الشراء من عدمها، وهو ما دفعه نحو السيارات المستعملة باعتبارها الحل الأقل كلفة، رغم ارتفاع أسعارها".
أما المواطن عباس بوحليقة فيشير إلى أن أسعار السيارات المستعملة ارتفعت بوتيرة سريعة، مؤكدًا لـ"العربي الجديد" أن "السيارة المتوسطة التي كانت تُشترى قبل عام واحد بنحو 15 ألف دينار (على أساس سعر صرف 5.5 دنانير للدولار)، وصلت اليوم إلى ما يقارب 22 ألف دينار"، مشددًا على أن هذا الارتفاع يعكس فجوة متزايدة بين الدخل الحقيقي للمواطن وكلفة المعيشة، إذ لم تعد السيارات سلعة كمالية، بل أداة ضرورية في ظل ضعف النقل العام واتساع رقعة المدن.
في المقابل، تعكس آراء أخرى وجهة نظر مغايرة. تقول المواطنة ليلى الصغير لـ"العربي الجديد": "بالرغم من الأسعار المرتفعة، ما زالت السيارات المستعملة توفر خيارًا عمليًا للعائلات الصغيرة، مقارنة بشراء سيارة جديدة قد تصل تكلفتها إلى ضعف الأسعار الحالية".
ويضيف الشاب علي المصباحي: "أعتقد أن السوق بحاجة إلى تنظيم أكبر وتدخل الدولة لتخفيض الرسوم الجمركية، فارتفاع الأسعار لا يتيح فرصة للمواطن العادي لاقتناء سيارة جديدة".
على الصعيد الدولي، برزت ليبيا خلال عام 2025 لاعبًا رئيسيًا في سوق السيارات المستعملة من كوريا الجنوبية. ووفق بيانات رسمية اطلعت عليها منصة الطاقة المتخصصة (مقرها واشنطن)، بلغت قيمة الصادرات الكورية من السيارات المستعملة نحو 8.4 مليارات دولار خلال الأشهر الـ11 الأولى من العام، مقارنة بـ4.6 مليارات دولار في الفترة نفسها من عام 2024، مدفوعة بارتفاع الطلب في أسواق نامية تتصدرها ليبيا.
في المقابل، شهدت صادرات السيارات الجديدة تراجعًا طفيفًا، متأثرة بالرسوم الجمركية الأميركية وتوسع شركات كورية كبرى في الإنتاج خارج البلاد، ما عزز جاذبية السيارات المستعملة في الأسواق التي تشهد تحديات اقتصادية.
ويرى الخبير الاقتصادي عبد الناصر الكميشي أن تصدّر ليبيا قائمة مستوردي السيارات المستعملة يعكس اختلالات هيكلية في الاقتصاد المحلي. ويقول: "ارتفاع الطلب على السيارات المستعملة نتيجة مباشرة لتراجع الدخل الحقيقي وغياب سياسات تمويل فعّالة للسيارات الجديدة، إضافة إلى ضعف البنية التحتية للنقل العام".
ويضيف لـ"العربي الجديد" أن زيادة الواردات، رغم تلبيتها حاجة آنية، تُشكّل ضغطًا على ميزان النقد الأجنبي، خصوصًا في اقتصاد يعتمد بصورة شبه كاملة على عائدات النفط، ويعاني تقلبات في سعر الصرف ومستويات السيولة.
ويشير الكميشي إلى أن ضعف العملة الكورية (الوون) أمام الدولار ساعد على تعزيز تنافسية السيارات المستعملة، لكن ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين ورسوم الاستيراد انعكس مباشرة على الأسعار التي يتحملها المستهلك الليبي.
تؤكد البيانات أن ليبيا جاءت في المرتبة الأولى عالميًا من حيث حجم واردات السيارات المستعملة الكورية، بنحو 119 ألف سيارة خلال الفترة من يناير/كانون الثاني إلى نوفمبر/تشرين الثاني 2025، متقدمة على قرغيزستان وتركيا والإمارات وروسيا.
وأظهرت بيانات صادرة عن الشركة الليبية للموانئ نموًا ملحوظًا في حركة الشحن والتفريغ عبر الموانئ الليبية خلال النصف الأول من عام 2025 مقارنة بالفترة نفسها من عام 2024، إذ ارتفعت كمية البضائع العامة بمقدار 884.373 طنًا بنسبة 17%، وزادت كمية البضائع المكيسة بمقدار 120.773 طنًا بنسبة 59%. ويعكس ذلك نشاطًا تجاريًا متصاعدًا، وارتفاع واردات السيارات بنسبة 5% خلال نصف عام فقط.
وبينما يرى البعض أن ارتفاع الطلب على السيارات المستعملة يعكس حاجة عملية، يعبر آخرون عن قلقهم من التأثيرات الاجتماعية والاقتصادية للارتفاع المتواصل في الأسعار. يقول المواطن موسى الحاسي لـ"العربي الجديد": "السيارات المستعملة أصبحت سلعة مطلوبة بسبب ضعف القدرة الشرائية، وهذا قد يخلق فجوة بين الطبقات الاجتماعية في ما يخص الحصول على وسائل النقل".
ومطلع إبريل/نيسان، أعلن المصرف المركزي تخفيض سعر صرف الدينار بنسبة 13.3% أمام حقوق السحب الخاصة التي ترتبط بها العملة الليبية، لينخفض الدينار تبعًا لذلك أمام العملات الدولية الرئيسية، ويصل إلى نحو 5.56 دنانير مقابل الدولار، إضافة إلى الضريبة المفروضة على النقد الأجنبي ليرتفع السعر إلى 6.4 دنانير للدولار، فيما يُباع الدولار في السوق الموازية بنحو 8.53 دنانير.
وفي عام 2024، بلغ معدل امتلاك السيارات 490 مركبة لكل ألف شخص في ليبيا، وفقًا لبيانات (أوياكا)، التي شملت جميع المركبات المستخدمة سواء للركاب أو للأغراض التجارية.
ويُقدَّر عدد السيارات في ليبيا بنحو 3.3 ملايين سيارة، بينما يبلغ عدد السكان نحو 7 ملايين نسمة، حسب أرقام المنظمة الدولية لمصنعي السيارات، التي أرجعت ارتفاع معدل امتلاك السيارات في ليبيا إلى انخفاض قيمة الضرائب والجمارك المفروضة على استيراد السيارات. وفي حين ارتفع استيراد السيارات في ليبيا إلى 47.9 ألف سيارة عام 2023، مقابل 42.9 ألف سيارة في العام الذي سبقه، من المتوقع تسجيل معدل نمو سنوي لشراء السيارات الجديدة يبلغ 7.4% خلال السنوات العشر المقبلة.