الغزيون يواجهون الصقيع وسط "تقطير" المساعدات

04 نوفمبر 2025   |  آخر تحديث: 07:12 (توقيت القدس)
سوق بدير البلح، غزة، 18 أكتوبر 2025 (بشار طالب / فرانس برس)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- تعاني غزة من نقص حاد في المساعدات الإنسانية، حيث تدخل 24% فقط من الشاحنات المتفق عليها، مما يفاقم الأزمة الإنسانية بسبب سياسة إسرائيل الانتقائية في السماح بدخول البضائع.
- الأسواق في غزة تفتقر إلى الاحتياجات الأساسية رغم تدفق السلع الكمالية، مما يعكس سياسة إسرائيلية تهدف إلى إظهار صورة وهمية للأسواق، وتؤدي إلى احتكار وارتفاع الأسعار.
- إسرائيل لا تلتزم بالبروتوكولات الإنسانية لإدخال 600 شاحنة يومياً، مما يبقي الاقتصاد الغزي في حالة شلل، ويستدعي تحركاً دولياً للضغط على إسرائيل للالتزام بالاتفاقات.

لا تزال المساعدات

الإنسانية الوافدة إلى قطاع غزة شحيحة إلى حدّ كبير، ولا تتجاوز بالمتوسط 24% من إجمالي الشاحنات المتفق على إدخالها وفق البروتوكول الإنساني، في وقت يعيش فيه الغزيون واحدة من أشد الأزمات الإنسانية منذ عقود.

هذا النقص الكبير في الإمدادات لا ينعكس على كميات المواد الغذائية المتوفرة، بل يتجلى أيضاً في نوعيتها، إذ تكشف متابعة "العربي الجديد" لحركة الشاحنات الداخلة إلى القطاع أنّ إسرائيل تعتمد سياسة انتقائية في السماح بدخول البضائع، فتقنن دخول المواد الحيوية مثل اللحوم والفواكه والخضروات والملابس، وتمنع حتى الآن إدخال الخيام رغم حاجة عشرات الآلاف من النازحين إليها مع اقتراب فصل الشتاء، كما تواصل تقييد إدخال الوقود وألواح الطاقة الشمسية، ما يفاقم من معاناة السكان ويحدّ من قدرتهم على مواجهة البرد القارس وانقطاع الكهرباء المستمر.

وفي المقابل، تشهد الأسواق تدفقاً ملحوظاً لأنواع من السلع الكمالية مثل المعكرونة السريعة "الإندومي" والبسكويت والمكسرات وحاجيات الأطفال غير الأساسية، وبأسعار مقبولة نسبياً، الأمر الذي يؤكّد أن هناك تعمداً من الجانب الإسرائيلي لإغراق الأسواق بهذه السلع على حساب الاحتياجات الإنسانية الأساسية، في سياسة وصفها مراقبون أنها تهدف إلى إظهار صورة وهمية بأن الأسواق ممتلئة، بينما الواقع الإنساني يزداد سوءاً يوماً بعد الآخر.

ووفق بيانات المكتب الإعلامي الحكومي في غزة، فإنّ إجمالي عدد الشاحنات التي دخلت إلى قطاع غزة منذ 10 أكتوبر/ تشرين الأول سواء التجارية أو الإغاثية، لم يتجاوز 145 شاحنة يومياً، في حين ينص الاتفاق على دخول 600 شاحنة يومياً، من ضمنها 50 شاحنة وقود ومحروقات. ولفت المكتب إلى أن الشاحنات التجارية التي سُمح بدخولها لا تفي بالاحتياجات اليومية للغزيين في ظل الظروف الإنسانية المتدهورة.

وفي ما يتعلق بشاحنات الوقود والمحروقات، أوضح التقرير أن ما جرى توريده فعلياً لم يتجاوز 115 شاحنة خلال الفترة ذاتها، من أصل 1100 شاحنة كان يفترض دخولها بموجب الاتفاق، وهو ما يعني أن نسبة الالتزام بهذا البند الحيوي لا تتعدى 10% فقط، الأمر الذي أدى إلى استمرار أزمة الوقود وشلل قطاعات النقل والمستشفيات والمخابز.

وأكد مصدر تجاري في غزة أن إسرائيل تتحكم بالكامل في البضائع التي تدخل إلى الأسواق، ولا سلطة لأي جهة أخرى على قوائم البضائع المسموح بها، وقال في حديث لـ"العربي الجديد": "نحن نقدّم دورياً قوائم طويلة من السلع التي نريد إدخالها للأسواق، لكن ما يُسمح بإدخاله هو ما توافق عليه إسرائيل من الأصناف الموجودة حالياً في الأسواق، والتي لا تلبي احتياجات الناس". وأضاف المصدر أن هناك تمييزاً واضحاً ومحاباة لتجار معينين، خاصة في قطاع الوقود، إذ تسمح سلطات الاحتلال لتاجر محدد فقط بإدخال شحنات الوقود، بينما تمنع الشركات الأخرى من التوريد.

وأوضح أن هذه السياسة خلقت احتكاراً واضحاً ورفعت الأسعار كثيراً، في وقت استطاع هذا التاجر أن يكوّن ثروة طائلة. وأشار إلى أن السلع الكمالية تحصل على موافقات سريعة وسلسة من الجانب الإسرائيلي، إذ تُفتح أمامها المعابر بسهولة، في حين يجري التلكؤ والمماطلة في الموافقة على إدخال السلع الأساسية كألواح الطاقة الشمسية أو الدواجن أو البيض أو المواد الطبية الضرورية.

وتابع: "عندما نحصل على موافقة لإدخال هذه السلع، تكون بأعداد محدودة جداً من الشاحنات، وبعد دفع تنسيقات كبيرة تكلف التجار مبالغ باهظة، وهو ما يبقي سعرها مرتفعاً في السوق". من جانبه، أكد المختص في الشأن الاقتصادي، نسيم أبو جامع أنّ إسرائيل تمارس سياسة "التقطير" في إدخال السلع إلى القطاع، بحيث تسمح فقط بكميات محدودة من المواد الغذائية وتمنع دخول مواد أخرى ضرورية لاستمرار الحياة اليومية.

وقال أبو جامع في حديث لـ"العربي الجديد": "إسرائيل تتعمد إغراق الأسواق بسلع كمالية، لتخلق انطباعاً زائفاً بوجود حركة تجارية، بينما في الواقع لا تتوفر احتياجات الناس الحقيقية".

وأضاف: "غزة تحتاج إلى نحو ألف شاحنة يومياً لتغطية احتياجاتها الفعلية، بعد عامين من الحرب والدمار الهائل الذي لحق بالبنية التحتية والقطاعات الاقتصادية كافة"، مشيراً إلى أن إسرائيل لا تلتزم بالبروتوكولات الإنسانية التي تنصُّ على إدخال 600 شاحنة يومياً على الأقل، بل تسمح بدخول بضع عشرات فقط.

وأوضح أن هذه السياسة الإسرائيلية تهدف إلى إبقاء الاقتصاد الغزي في حالة شلل دائم، بحيث لا يتمكن من التعافي أو الاستقلال، مؤكداً أن التمييز بين السلع الكمالية والأساسية يعكس رغبة في التحكم بمستوى المعيشة والضغط على السكان نفسياً واقتصادياً.

وأشار أبو جامع إلى أن استمرار هذه السياسة يعني تفاقم الأزمة الإنسانية على نحوٍ غير مسبوق، داعياً المنظمات الدولية إلى التحرك الفوري للضغط على الاحتلال من أجل الالتزام بالاتفاقات الخاصة بإدخال المساعدات، وتوسيع قائمة السلع المسموح بها لتشمل المواد الأساسية، ولا سيّما الوقود وألواح الطاقة الشمسية ومواد البناء والملابس والخيام.

المساهمون