العملات المشفرة تكشر عن أنيابها

العملات المشفرة تكشر عن أنيابها

14 مايو 2021
الصورة
العملات المشفرة تدخل مرحلة التأرجح الخطر (Getty)
+ الخط -

على مدار الشهور الأربعة الأخيرة، وتحديداً منذ بداية العام، استولت العملات المشفرة على انتباه المستثمرين في كافة أنحاء العالم، بعد تحقيقها قفزات قياسية وجنيها أرباحاً غير مسبوقة، فاقت ما حققته مجموعة الأسهم الصغيرة التي كانت مهملة قبل أن ترتفع بها مواقع التواصل الاجتماعي وتتسبب مجموعة من الهواة في الوصول بها إلى عنان السماء، وكان أشهرها سهم جيم ستوب.

لكن العملات المشفرة تفوقت على تلك الأسهم، وربما على أي استثمار آخر في العصر الحديث، حيث تضاعفت تقريباً قيمة بيتكوين، العملة المشفرة الأشهر والأكبر والأقدم، خلال ما مضى من العام، لتصل مكاسبها خلال العام الأخير إلى نحو 500%، وارتفعت إيثريوم، ثاني أكبر العملات المشفرة، لأكثر من خمسة أضعاف قيمتها عند بداية العام، وحققت عملات مشفرة أخرى ارتفاعات تتفوق على تلك النسب أيضاً، إلا أن عملة دوجكوين Dogecoin، خطفت الأضواء بعدما ارتفعت بأكثر من 25000% (نعم 25 ألفاً بالمائة) خلال العام الأخير.
وأعاد اهتمام العديد من المستثمرين والرؤساء التنفيذيين بدوجكوين، مثل إيلون ماسك، الرئيس التنفيذي لشركة تسلا لصناعة السيارات الكهربائية، والمستثمر الملياردير مارك كوبان، وغيرهما، وتسببهم في قفزات كبيرة في قيمتها من خلال إرسالهم تغريدات تحتوي على اسمها فقط، قصة العملة المعجزة وظروف ظهورها في عالم العملات المشفرة إلى الأذهان، قبل أن تتغول وتستحوذ على نسبة لا بأس بها من تعاملات سوق العملات المشفرة.
ظهرت عملة دوجكوين في عام 2013، على سبيل الدعابة بين مهندسين ناجحين في عملهما، كان أولهما مهندس البرمجيات بيلي ماركوس، الذي يعمل بشركة آي بي إم، والآخر مهندس البرمجيات بشركة أدوبي جاكسون بالمر، واللذان أرادا أن يجمعا أشهر شيئين وقتها، وهما العملة المشفرة الأكبر بيتكوين والكلب شيبا إينو، الذي كان رمزا لدعابات شهيرة، فكانت النتيجة دوجكوين!
وقبل أن يسمع أي مخلوق بالعملة الجديدة، غرد بالمر على حسابه على موقع التواصل الاجتماعي تويتر معلناً بدئه "الاستثمار في دوجكوين"، مؤكداً أنها ستكون الحدث الأهم في وقت قريب، ليشتري بعدها بأسبوع المجال الخاص بموقع العملة على شبكة الإنترنت، قبل أن تصبح العملة الجديدة حديث الساعة على موقع ريديت reddit.com. وفي هذا التوقيت نفسه، وعن طريق الصدفة البحتة، كان بيلي ماركوس يحاول برمجة عملته الرقمية الخاصة التي كان يتمنى أن تروق لمستثمرين جادين بخلاف منتهزي الفرص الذين تدافعوا لشراء البيتكوين منذ إصدارها في عام 2008، إلا أن خططه لم تتكلل بالنجاح، حتى عثر على موقع Dogecoin.com بعد ساعات قليلة من تشغيله.
تواصل ماركوس مع بالمر وأبدى له رغبته في المشاركة في إطلاق هذه العملة، ولم ينتظر منه إجابة ليعيد تكوين رمز مصدر بيتكوين، الذي كان متاحاً للجهور، لتحويل العناصر التي تواجه المستخدم إلى الكلب صاحب الدعابة الشهيرة. أعجب المهندسان باللعبة، ودخلا في شراكة بعد أيام قليلة، لتنطلق دوجكوين إلى سوق العملات المشفرة قبل نهاية العام بقيمة ضئيلة للغاية تقل عن سنت واحد للوحدة الواحدة منها، وتظل على هذه القيمة لأكثر من سبع سنوات، لم تتجاوز قيمتها فيها السنت الواحد إلا لدقائق معدودة.

انطلقت العملة في سوق العملات المشفرة بينما كان مهندساها يستبعدان منافسة العملات الأخرى، فلم تتجاوز قيمتها السوقية 8 ملايين دولار. ومع بداية العام الحالي، وبعد ما شهدناه من انطلاقة لعملة بيتكوين، بدأ الاهتمام ينتقل إلى العملة الدعابة، ليدعمها المستثمرون الهواة على موقع ريديت، كما العديد من كبار المستثمرين، لتصل قيمتها السوقية إلى ما يقرب من مائة مليار دولار خلال الأسبوع الأول من الشهر الجاري، ولترتفع نسبة ربح الاستثمار فيها خلال السنوات الخمس الأخيرة إلى ما يقرب من ثلاثمائة ألف بالمائة، ولتعتبرها وكالة بلومبيرغ الأميركية، في واحد من تقاريرها، أفضل استثمار في التاريخ.
الارتفاعات الكبيرة التي شهدتها العملات المشفرة جذبت إليها المستثمرين بمليارات الدولارات، ودفعت المؤسسات المالية للقيام بخطوات جادة لاعتمادها ضمن الأصول المالية التي تسمح لعملائها بالتعامل فيها، بيعاً وشراءً وتحويلاً، الأمر الذي فرض على العديد من الجهات الرقابية والبنوك المركزية حول العالم التعامل مع الظاهرة التي تصوروا لوقتٍ قريب أنها إلى زوال.
وبينما تمسكت بعض البنوك المركزية بتحفظها في التعامل مع تلك العملات، مثل بنك إنكلترا المركزي، الذي ما زال مسؤولوه يحذرون مشتري تلك العملات من خسارة "كل أموالهم"، قطعت الصين، التي حظرت قبل فترة التعامل في بيتكوين، شوطاً طويلاً باتجاه إطلاق عملتها الرقمية (اليوان الرقمي)، والذي تأمل من خلاله في مواكبة شلال التطورات الذي لا يسمح لأحد بالوقوف أمامه، بينما يسمح لها بإحكام الرقابة على المتعاملين في تلك السوق، بعدما استبعدت واحدة من أهم مميزات بيتكوين، وهي إخفاء شخصية المتعاملين.
وفي عالمنا العربي، وبينما بدا واضحاً اهتمام حكومات ومستثمري الإمارات والكويت بالعملات المشفرة، ووجود تقارير بشأن تزايد عدد المستثمرين فيها ممن اشتروا كميات كبيرة منها خلال العامين الماضيين، أصدرت الجهات الدينية في مصر والسعودية فتاوى تحرم التعامل بها، بينما يتزايد عدد مواطني البلدين ممن يستثمرون أموالهم في واحدة على الأقل من تلك العملات.

  

في تقديري أن التطورات السريعة في أسواق العملات المشفرة، التي يتزايد يوماً بعد يوم عدد الشركات التي تقبل بها كوسيلة للدفع مقابل تقديم خدماتها أو بيع منتجاتها، فاجأت بعض الدول العربية، فاضطرت الأخيرة للاختباء في كهف التحريم، بينما يغيب على الأرجح عن مُصدر الفتوى قدر كبير من المعلومات المتعلقة بخصائص تلك العملات وكيفية عملها والتطورات المتوقعة في أسواقها خلال السنوات وربما الشهور القادمة.
العملات المشفرة جاءت لتبقى، ولتأذن ببدء فصل جديد من تاريخ التعامل بالنقود، وهو ما يعني أن الدول العربية، المؤيدة والرافضة، أصبح لزاماً عليها الاستعداد للحظة التي تسيطر فيها تلك العملات على المدفوعات الدولية، واحتياطيات النقد الأجنبي للدول، وربما مدخرات مواطنيها قبل كل ذلك.

المساهمون