العملات المشفرة بلا رأس.. سحر بيتكوين يتلاشى وترامب بلا إنجاز رقمي

18 نوفمبر 2025   |  آخر تحديث: 17:33 (توقيت القدس)
بيتكوين في بورصة العملات المشفرة بهونغ كونغ، 11 يوليو 2025 (فرانس برس)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- شهدت بيتكوين تراجعًا بنسبة 25% منذ أكتوبر، مما يعكس التغيرات السياسية والاقتصادية في الولايات المتحدة، مع تصدعات في التحالف بين رواد الأعمال الرقميين وحركة ترامب وصعود شخصيات تقدمية.

- استثمرت شركات الكريبتو ملايين الدولارات في دعم ترامب للحصول على تشريعات مرنة، لكن النتائج لم تكن كما هو متوقع، مما يعكس التحديات الاقتصادية وارتفاع الأسعار وتآكل القوة الشرائية.

- فقدت بيتكوين سردياتها كملاذ آمن مع التشديد النقدي الأمريكي، مما يجبر صناعة الكريبتو على إعادة صياغة خطابها وسط تراجع ثقة المستثمرين وهشاشة التحالفات القائمة.

بعد سنوات من الوعود الكبرى والتوقعات بأن تقود العملات المشفرة ثورة مالية في الولايات المتحدة تحت مظلة لنجعل أميركا عظيمة مجدداً، تبدو الرياح قد تغيرت. فبيتكوين، العملة الرقمية الأكبر في العالم، فقدت نحو 25% من قيمتها منذ أكتوبر/تشرين الأول الماضي، لتتراجع إلى ما دون 100 ألف دولار، بينما انخفضت أسهم شركات العملات المشفرة من مستوياتها القياسية. وفي الخلفية، يتصدع التحالف بين رواد الأعمال الرقميين وحركة ترامب، وسط نتائج سياسية غير متوقعة وصعود خطاب معادٍ للنخب الاقتصادية يقوده سياسيون تقدميون على غرار زهران ممداني في نيويورك.

عام عصيب لبيتكوين

وصلت بيتكوين في بداية العام الماضي إلى مستويات غير مسبوقة بعد انتخاب دونالد ترامب، الذي وعد بتحويل الولايات المتحدة إلى عاصمة العملات المشفرة في العالم. وأطلق سلسلة من التصريحات المؤيدة لتخفيف الرقابة التنظيمية، وإدخال العملات الرقمية في أجهزة الدولة، ما أثار حماس المستثمرين ودفع العملة إلى تجاوز حاجز 100 ألف دولار.

لكن الضربة جاءت من الاتجاه السياسي نفسه الذي احتضن هذه الطفرة، فخسائر الجمهوريين من تيار MAGA في الانتخابات المحلية والجزئية أدت إلى انفجار الفقاعة السياسية والسوقية معًا. وكان صعود زهران ممداني، الناشط الذي هاجم النفوذ المالي للنخب، جزءًا من هذا التحول الذي أصاب وول ستريت وصناعة الكريبتو بارتباك عميق.

وعلى الرغم من تعهد ترامب بإصلاح النظام التنظيمي وإلغاء الإجراءات المتشددة بحق الشركات الرقمية، لم يظهر بعد أي قانون شامل، ولم تشترِ الحكومة أي عملات بيتكوين كما كان يروّج بعض الناشطين الرقميين. وفي السياق، يشير خبراء إلى أن القواعد الحالية خففت بعض القيود على العملات المستقرة، لكنها لم تمس جوهر التشريعات التي تعطل اتساع السوق.

تحالف مكلف ووعود مؤجلة

ضخّت شركات العملات المشفرة ملايين الدولارات في الحملات الانتخابية المؤيدة لترامب على أمل الحصول على حماية وتشريعات مرنة. وبلغ حجم الصندوق الانتخابي المرتبط بالصناعة حوالي 263 مليون دولار، وفق تقارير إعلامية.

ومع ذلك، تقول بلومبيرغ إن رواد هذا القطاع دفعوا فقط نصف ما وعدوا به، فيما لم يحقق ترامب معظم مطالبهم حتى الآن. والمفارقة أن ثروة عائلة ترامب نمت بشكل لافت عبر مشاريع مرتبطة بالكريبتو، قدّر بعضها بأكثر من مليار دولار، في وقت يكافح الأميركيون لمواجهة ارتفاع الأسعار وتآكل القوة الشرائية. ورافقت ذلك مواقف مثيرة للجدل، بينها العفو عن ملياردير العملات المشفرة تشانغ بينغ تشاو (مؤسس منصة بينانس)، وتبرعات التوأمين وينكلفوس للبيت الأبيض.

بين السياسة والاقتصاد

تأتي أزمة الكريبتو الحالية في لحظة اقتصادية حساسة للولايات المتحدة. فالتضخم لا يزال أحد أكبر مصادر القلق لدى الناخبين، بينما تتسع فجوة الثروة بين الطبقات. وتشير استطلاعات الرأي إلى أن الناخب الأميركي العادي لم يعد يثق بالوعود التكنولوجية ما لم تُترجم إلى نتائج ملموسة في فواتير البقالة والإيجارات. ورغم الضخ الإعلامي الذي رافق العملات المشفرة منذ عام 2020 باعتبارها أداة تحوط ضد التضخم، فإن التجربة الواقعية أظهرت العكس.

وخلال السنوات الأخيرة، ارتفعت أسعار السلع الأساسية فيما شهدت العملات الرقمية موجات مضاربة حادة لا تخدم سوى المستثمرين الكبار. وتشير بيانات السوق إلى أن أقل من 10% من عناوين بيتكوين تمتلك أكثر من 98% من المعروض، ما يعيد إنتاج التفاوت الطبقي داخل اقتصاد رقمـي يفترض أنه ديمقراطي. كما أن التحولات السياسية لعبت دورًا موازيًا.

فخلال انتخابات 1896، قاد ويليام جيننغز بريان حملة شعبوية للدفاع عن الفضة باعتبارها أداة نقدية بوجه المصالح المصرفية الكبرى. اليوم، يتكرر المشهد نفسه بوجوه جديدة وسرديات رقمية، حيث يجرى استدعاء بيتكوين في المعركة الثقافية والسياسية بدل أن تكون أداة نقدية مستقلة.

بيتكوين بين الفيدرالي والتضخم: وهم الحماية أم فشل السردية؟

لطالما روّجت الشركات والمستثمرون الموالون للعملات المشفرة بيتكوين بوصفها ذهبًا رقميًا قادرًا على حماية الثروة من التضخم والتقلبات النقدية التي يسببها الاحتياط الفيدرالي الأميركي. وقد اكتسب هذا الخطاب زخمًا كبيرًا خلال فترة التيسير الكمي بين 2020 و2022، حين ضخ الفيدرالي تريليونات الدولارات في الاقتصاد لمواجهة تداعيات الجائحة، ما أدى إلى ارتفاع أسعار الأصول، ومنها العملات الرقمية.

لكن مع انتقال الفيدرالي إلى سياسة نقدية متشددة ورفع الفائدة إلى مستويات تاريخية لمواجهة التضخم، فقدت بيتكوين إحدى أبرز أدوات ترويجها. فبدل أن تتصرف بوصفها أصلًا تحوطيًّا، تراجعت بقوة إلى جانب الأسهم عالية المخاطر، ما أثبت أن ارتباطها بالمزاج الاستثماري والسيولة النقدية أكبر بكثير من ارتباطها بالتضخم. وتشير بيانات متخصصة إلى أن فترات ارتفاع بيتكوين تزامنت غالبًا مع فترات توسع نقدي، بينما تراجعت قيمتها مع تشديد السياسة النقدية. وهو ما فاقم النقاش حول ما إذا كانت بيتكوين أصلًا نقديًا ثوريًا بالفعل، أم مجرد أداة مضاربة تعتمد على توفر السيولة وليس على قيمتها الجوهرية.

هذا التحول في المزاج الاقتصادي ساهم في تفكيك سردية مخزن القيمة، وهي السردية التي بنت عليها صناعة الكريبتو شرعيتها الأولى. فمع عدم وجود عائد ثابت، وسيطرة نسبة صغيرة من المحافظ على الجزء الأكبر من المعروض، تأكدت مخاوف الاقتصاديين الذين حذروا من أن بيتكوين أقرب إلى أداة رهانات مالية منها إلى بديل للدولار أو الذهب.

روايات تفقد سحرها

استندت عملة بيتكوين منذ نشأتها إلى سرديات جذابة: ملاذ آمن، مخزن للقيمة، بديل عن العملات الحكومية، وأداة لتمكين الأفراد. لكن عام 2025 شهد انهيارًا واضحًا لهذه السرديات. فحتى مع حالة عدم اليقين العالمية، تفوق الذهب والأسهم على بيتكوين، بينما باع الحيتان، كبار المستثمرين، ما يقرب من 45 مليار دولار من العملة خلال شهر واحد فقط. وفي الوقت نفسه، تشير توقعات منصة "بولي ماركت"، التي تنبأت بفوز ترامب العام الماضي، الآن، إلى إمكانية سيطرة الديمقراطيين على مجلس النواب في الانتخابات المقبلة، نتيجة تصاعد الاستياء من الأداء الاقتصادي ومن خطاب النخب الرقمية الثرية.

المال لا يزال يتكلم.. ولكن لمن؟

صناعة الكريبتو لا تزال تملك نفوذًا ماليًا هائلًا، وقدرتها على تمويل الحملات الانتخابية ستجعل استهدافها مكلفًا لأي سياسي. ومع ذلك، فإن فقدان السرديات المؤثرة، وتراجع ثقة المستثمرين، وانتقال التركيز الشعبي نحو قضايا أكثر إلحاحًا مثل الإسكان، كل هذا سيجبر شركات الكريبتو على إعادة صياغة خطابها. فالحرب على الروايات هي المعركة الأكبر. فحين يتعلق الأمر بأصول ليست لها قيمة جوهرية، يصبح الخيال أهم من الواقع، والرواية أهم من التشريع. لقد أثبت وحش بيتكوين قدرته على خلق سرديتين جديدتين مقابل كل سردية تموت، لكنه هذه المرة يقف بلا رأس، في انتظار من يعيد إحياء الحلم أو يعلن نهايته.

تبدو أزمة تحالف العملات المشفرة مع التيار الترامبي مثالًا صارخًا على هشاشة التحالفات القائمة على المصالح المتبادلة من دون رؤية اقتصادية واضحة. فقد خسرت بيتكوين بريقها باعتبارها أداة تحدٍ للمؤسسات المالية، وفقد ترامب جزءًا من دوره مخلّصًا للأسواق الرقمية. وبينما قد تتعافى الأسعار أو تُولد روايات جديدة، يبقى الأهم أن الناخب الأميركي يبحث عن حلول واقعية لا عن رموز افتراضية. فالسياسة والاقتصاد يتغيران، وأحيانًا بسرعة أكبر مما يمكن للسوق الرقمية مجاراته. أما السؤال الحقيقي اليوم فهو: هل ستظل العملات المشفرة في قلب المعركة السياسية، أم أنها كانت مجرد حلقة عابرة في زمن تزاحمت فيه الوعود أكثر من الحقائق؟

المساهمون