العمالة الأجنبية تقود الوظائف في إسبانيا بسبب الهجرة

14 اغسطس 2026   |  آخر تحديث: 00:33 (توقيت القدس)
عامل بناء في ورشة بمدريد، 29 يوليو 2025 (ريكاردو روبيو/ Getty)

يشهد سوق العمل في إسبانيا تحوّلاً لافتاً هذا العام، إذ ساهمت التسوية الاستثنائية التي أعلنتها الحكومة الإسبانية في منتصف نيسان/ إبريل الفائت، والتي من المتوقع أن تُسوّى بموجبها أوضاع أكثر من مليون شخص غير نظامي، في تحويل اليد العاملة الأجنبية إلى المحرك الرئيسي لخلق فرص العمل في البلاد، لتتجاوز بذلك اليد العاملة الإسبانية في معدل الوظائف على أساس سنوي. وبحسب بيانات الضمان الاجتماعي، فإن عدد الوظائف الجديدة التي شغلها الأجانب في يونيو/ حزيران الفائت بلغ نحو 340 ألف وظيفة، مقارنةً بالفترة نفسها من عام 2025، مقابل 255 ألف وظيفة لليد العاملة الإسبانية. وقد مثّلت هذه النسبة من العمالة الأجنبية 58%، بحسب بيانات الضمان الاجتماعي، من إجمالي الوظائف التي عُرضت في الاقتصاد الإسباني حتى منتصف العام.

من الناحية العملية، يمثل هذا التحول سابقة جديدة في بيانات العمالة الأجنبية، ويعكس التأثير الإيجابي المباشر لسياسة الحكومة الخاصة بتسوية أوضاع المهاجرين، التي سمحت بانتقال آلاف العمال الأجانب من الاقتصاد غير الرسمي، ذلك أن القسم الأكبر من اليد العاملة كان يعمل بشكل غير نظامي، إلى الاقتصاد الرسمي، بعد تسجيلهم في الضمان وتمتعهم بالحقوق. لا يزال المغرب يحتفظ بموقعه بكونه أكبر جنسية أجنبية عاملة في إسبانيا رغم الزخم اللاتيني. فقد وصل عدد العاملين المغاربة المسجلين في الضمان الاجتماعي حتى الآن إلى 422 ألفاً، وهو أعلى رقم بين جميع الجنسيات الأخرى. ويمثل المغاربة ما يعادل ثلثي العمالة الأفريقية في إسبانيا، إضافة إلى مالي والسنغال اللذين سجلا نمواً ملحوظاً خلال العام الأخير.

وتثير هذه التغيرات في الاقتصاد الإسباني مخاوف اليمين واليمين المتطرف في أوروبا عموماً، وفي إسبانيا خصوصاً، فقد سبق أن انتقدت هذه الأحزاب التسوية التي أعلنتها الحكومة، والتي سبّبت هذا التغير الاقتصادي في سوق العمل. فيما تؤكد الحكومة الإسبانية أن البيانات تثبت أن الاقتصاد الإسباني بحاجة إلى هذه اليد العاملة الأجنبية للحفاظ على نموه ولمواكبة النقص المتزايد في بعض القطاعات، وعلى رأسها الزراعة والبناء والرعاية. وسجلت الجاليات القادمة من قارة أميركا اللاتينية العدد الأكبر في أعداد العاملين داخل سوق العمل الإسباني، إذ ارتفع معدل العمال من دول تلك القارة إلى ما يقرب من 200 ألف شخص خلال عام واحد فقط، مقارنة بـ 80 ألف عامل فقط خلال العام الفائت.

كذلك استفادت الجاليات الأفريقية بشكل واضح من سياسة التسوية، حيث سجلت نحو 82 ألف وظيفة جديدة هذا العام، مقارنة بـ 55 ألفاً خلال العام السابق، وامتد أثر التسوية إلى العمال الآسيويين الذين ارتفع عدد المسجلين في الضمان الاجتماعي منهم إلى 30 ألفاً هذا العام، مقارنة بـ 18 ألفاً في العام السابق. أما عمال الاتحاد الأوروبي، فكانوا الأقل تأثراً بعملية التسوية، ذلك أنهم لا يحتاجون إلى تصاريح عمل خاصة في إسبانيا، لذلك اقتصر عددهم على نحو 36 ألف عامل في الضمان الاجتماعي.

في حديثها مع "العربي الجديد"، تقول الخبيرة الاقتصادية في مؤسسة لا كايشا، غريسيل فيرنانديز، إن "هذه التحولات التي تظهر بشكل واضح في بيانات الضمان الاجتماعي تشير إلى تغيّر غير مسبوق في التركيبة الديمغرافية لقوى العمل الأجنبية في إسبانيا. فهذه هي المرة الأولى التي يتجاوز فيها عدد العمال الوافدين من أميركا اللاتينية عدد العمال الأوروبيين"، وتتابع غريسيل قائلة إن "العمالة الأجنبية أصبحت أحد أهم محركات الاقتصاد الإسباني.

وتأتي أهميتها بكونها تلبي قطاعات عادة لا ترغب اليد العاملة الأوروبية أو الإسبانية في تغطيتها، تحديداً قطاعات الزراعة، والخدمات، والبناء والرعاية. وتعتمد هذه القطاعات بشكل كبير على الأنشطة الموسمية، وهذا عامل آخر أيضاً في ارتفاع هذه البيانات خلال هذه الفترة. أما الأهمية الكبرى لهذه اليد العاملة الأجنبية، فتكمن في أنها تحافظ على ديمومة نظام الضمان الاجتماعي واستمراره، ولا سيما في ظل مجتمعات أوروبية تزداد شيخوخة وتتراجع فيها معدلات الولادة بشكل واضح، كما هو الحال في إسبانيا".