العلاوة القائمة على التحيّز في أفريقيا تشعل جدلاً بسوق السندات

17 نوفمبر 2025   |  آخر تحديث: 15:24 (توقيت القدس)
منظر عام لمقر البنك المركزي النيجيري، منطقة الأعمال المركزية، أبوجا 21 مايو 2025 (Getty)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- قاد دانيال ليبيتكن من "سيتي غروب" صفقات سندات في أفريقيا، حيث ساعد في مبيعات بلغت 18 مليار دولار، لكن الدول الأفريقية تدفع أكثر للاقتراض بسبب فرق هيكلي في العوائد، مما يثير جدلاً حول أسباب الفجوة المرتبطة بمخاطر اقتصادية وسياسية وتحيّز مؤسّسي.

- تتحمل أفريقيا تكاليف اقتراض إضافية تصل إلى 75 مليار دولار سنوياً، رغم تحسن الكلفة بفضل سياسات نقدية ومالية. الفوارق في العوائد لا تُفسَّر فقط بمخاطر التخلف عن السداد، بل تعكس اعتبارات أخرى.

- يدعو خبراء إلى مواجهة التحيّز المؤسّسي باستخدام البيانات والحجج الاقتصادية، مع تعزيز التواصل مع المستثمرين. تظل الصورة الذهنية تؤثر على قرارات المستثمرين، مما يجعل اللحظة حاسمة لإعادة صياغة تقييم أفريقيا في النظام المالي الدولي.

دانيال ليبيتكن من "سيتي غروب" كان في صدارة من يقود صفقات السندات في أفريقيا هذا العام، إذ ساعد في توجيه مبيعات بلغت 18 مليار دولار من الديون الدولية الصادرة عن حكومات القارة. من نيجيريا إلى كينيا، تدفق المستثمرون على هذه الإصدارات بوتيرة مرتفعة، لكن الثابت الوحيد هو أن الدول الأفريقية لا تزال تدفع أكثر للاقتراض. ليبيتكن يصف الأمر بأنه مؤسف، مؤكداً وجود فرق هيكلي في العوائد مقارنة بغيرها من الأسواق، بحسب ما نقلت وكالة بلومبيرغ.

هذه الفجوة في تكلفة الاقتراض لا تزال موضوع جدل واسع بين صناع السياسات والمستثمرين؛ فالبعض يرى أنها انعكاس منطقي لمخاطر قائمة بالفعل، مثل تاريخ التعثر في دول كغانا وزامبيا، والتقلبات السياسية، وفضائح الفساد، وحقيقة أن الأسواق المالية الأفريقية أصغر وأحدث نسبياً.

لكن آخرين، ومن بينهم وزير المالية الجنوب أفريقي إينوخ غودونغوانا، يذهبون أبعد من ذلك، معتبرين أن هذه الفوارق لا تفسَّر بالعوامل الاقتصادية فحسب، بل ترتبط بتحيّز مؤسّسي ضد القارة، يمتد من وكالات التصنيف إلى المؤسسات الدولية وصولاً إلى المستثمرين أنفسهم. ووفقاً "بلومبيرغ"، يقول غودونغوانا إنّ "الدول ذات المؤشرات المالية نفسها تحصل على تصنيف أفضل من الدول الأفريقية"، وهو ما يعتبر دليلاً على وجود معايير مزدوجة.

علاوة التحيّز وتكاليف تصل إلى 75 مليار 

مؤسسة التمويل الأفريقية أطلقت على هذا الفارق اسم "علاوة التحيّز" وقدّرت بأن القارة تتحمل ما يصل إلى 75 مليار دولار سنوياً كتكاليف إضافية للاقتراض، وهي أموال تزداد أهميتها مع عودة الاهتمام الدولي بالأسواق الناشئة. هذا العام يسجل أحد أعلى مستويات الإصدارات الأفريقية منذ عام 2021، لكن تحديد حجم هذه العلاوة بدقة يظل أمراً معقداً. وبحسب دراسة لصندوق النقد الدولي نُشرت في يوليو/تموز أشارت إلى أن الدول الأفريقية جنوب الصحراء تدفع نحو نصف نقطة مئوية إضافية مقارنة بدول ذات تصنيف ائتماني مماثل، وهو فارق يتسع في أوقات الأزمات، لكنه يختفي حين تؤخذ في الحسبان عوامل الحوكمة وشفافية الموازنة العامة.

ولفهم الصورة على نحوٍ أوضح، يمكن النظر إلى الإصدار الأخير لكل من كينيا والبحرين، إذ باعت الدولتان سندات لأجل 12 عاماً الشهر الماضي. كينيا مصنّفة في خانة مخاطر مرتفعة للتعثر، بينما تتمتع البحرين بدعم سياسي ومالي من جيرانها الخليجيين. ورغم أن تصنيف كينيا أدنى بدرجة واحدة فقط من البحرين وفق وكالة S&P، فإن الأولى دفعت عائداً يبلغ 9.2%، بينما اكتفت البحرين بـ6.625%.

تحسن نسبيّ في كلفة الاقتراض في العامين الأخرين

غانا بدورها تمثل نموذجاً آخر للجدل. إذ تعثرت في السداد عام 2022، لكن سنداتها المستحقة عام 2029 تُتداول اليوم بعائد يزيد قليلاً عن 6%، وهو ما يرى فيه أندرو ماثيني، الخبير الاقتصادي لدى "غولدمان ساكس"، مؤشراً على ثقة المستثمرين في خطة الرئيس جون ماهاما لاستعادة الاستقرار المالي. ماثيني يصف ذلك بأنه مفاجئ بعد فترة قصيرة نسبياً من التخلف عن السداد، ويؤكد أنه لا يرى أدلة كافية على وجود معاملة غير عادلة لأفريقيا جنوب الصحراء.

ورغم الجدل المستمر، شهدت القارة في العامين الأخيرين تحسناً نسبياً في كلفة الاقتراض، مدفوعة بسياسات نقدية ومالية مثل توحيد سعر الصرف في نيجيريا، وخفض أسعار الفائدة في الولايات المتحدة وأوروبا. وقد جرى تغطية الإصدارات الأخيرة في كينيا ونيجيريا بخمس مرات، ما سمح بخفض عوائد الاقتراض. فنيجيريا، على سبيل المثال، اقترضت هذا الشهر لأجل عشر سنوات بعائد 8.625%، مقارنة بـ10.375% في ديسمبر/كانون الأول الماضي.

وفي المقابل، لا تزال العلاوة التي يطلبها المستثمرون للاحتفاظ بسندات أفريقية بالدولار، مقارنة بسندات الخزانة الأميركية، عند نحو 3.7%، وهو أدنى مستوى منذ عام 2018 بحسب بيانات من مؤشرات جي بي مورغان. لكنّه يظل أعلى من العلاوة في أميركا اللاتينية (3.2 نقاط)، وأوروبا الناشئة (2.2 نقطة)، وآسيا الناشئة (0.8 نقطة فقط).

دراسة حديثة لوكالة موديز، العام الماضي، أكدت أن مخاطر التخلف عن السداد وحدها لا تكفي لتفسير الفوارق في العوائد، مشيرة إلى أن السندات الأفريقية ذات التصنيف المماثل لا تحمل بالضرورة مخاطر أعلى من غيرها. وخلصت الدراسة إلى أن تكاليف الاقتراض في أفريقيا تعكس اعتبارات أخرى لم تُحدَّد. إساه ملانغا، كبير الاقتصاديين في "فيرست راند"، يعتقد أن نقص البيانات يلعب دوراً مركزياً، إذ يدفع المستثمرين لإضافة علاوة احترازية عندما تغيب المعلومات. ويرى أن هذا النقص يعود إلى ضعف موارد جمع البيانات سواء في الدول الأفريقية أو حتى لدى وكالات التصنيف نفسها، ويتساءل عمّا إذا كانت دول كبرى مثل الولايات المتحدة والمملكة المتحدة تتعرض للعقوبة بنفس السرعة عند تدهور مؤسساتها، بحسب "بلومبيرغ".

أما على مستوى التصنيفات الائتمانية، فتُظهر ورقة بحثية صادرة عن "جيمكورب كابيتال" في سبتمبر/أيلول، أن الدول الأفريقية تتعرض للتخفيض بمعدل أسرع خلال فترات الاضطراب العالمية، إذ خُفِّض تصنيف 62.5% من الدول الأفريقية خلال جائحة كوفيد-19، مقابل متوسط عالمي لا يتجاوز 32%. وتصف الورقة ذلك بأنه تحيّز متجذر أو نقص إدراك يضرّ بالقارة في أوقات الأزمات.

هذا التحيّز لا يرتبط فقط بالمخاطر أو البيانات، بل أيضاً بحجم الحضور الأفريقي في السوق العالمي. فالمقترضون الأفارقة لا يمثلون أكثر من 10% من السندات الدولارية الصادرة عن الأسواق الناشئة هذا العام، ما يعني أن العديد من المستثمرين والمحللين لا يملكون معرفة كافية بالأسواق الأفريقية ولا يتابعونها بانتظام. لورين فان بيلجون، مديرة المحافظ في "All spring Global Investments"، تقول إن محدودية الأوراق المؤهلة للمؤشرات تجعل من الصعب على المستثمرين اتخاذ مراكز كبيرة في الديون الأفريقية.

وفي ظل هذه الظروف، يدعو رضا باقر، رئيس قسم الاستشارات السيادية في "ألفاريز ومارسال" ومحافظ البنك المركزي السابق في باكستان، الدول الأفريقية إلى العمل المشترك واستخدام البيانات والحجج الاقتصادية بدلاً من الخطابات السياسية في مواجهة المؤسسات الدولية والمستثمرين. ويقول إن الدول الأفريقية غالباً ما تدفع نقطة مئوية إضافية على السندات ذات الخمس سنوات مقارنة بنظرائها، ما يجعل جذب التمويل أصعب بكثير.

ليبيتكن، من جهته، يواصل توجيه النصيحة للمصدّرين الأفارقة بضرورة تعزيز تواصلهم مع المستثمرين وتقديم البيانات بشفافية وانتظام. ويشير إلى أن فريق "سيتي غروب" يملك حضوراً عملياً في 16 دولة أفريقية، مضيفاً: "من المهم جداً أن تذهب وترى الناس حيث هم، في مكاتبهم. وبما أننا نتعامل مع هذه الصفقات على الأرض، فنحن نعتقد أن لدينا أفضل المعلومات، وهو ما يمنحنا مصداقية لدى المصدرين والمستثمرين على حد سواء".

يبقى الجدل حول "علاوة التحيّز" قائماً بين مقاربة تعتمد الأرقام والمؤشرات، وأخرى تستند إلى سردية راسخة حول المخاطر الأفريقية. وبينما تحاول الحكومات في القارة تحسين سياساتها المالية وتعزيز الشفافية، لا يزال وزن الصورة الذهنية والتقييمات المسبقة يطغى على قرارات المستثمرين ووكالات التصنيف.

ومع دخول الأسواق الناشئة مرحلة إقبال جديدة من رؤوس الأموال العالمية، تبدو هذه اللحظة مفصلية، إما لتكريس الفجوة القائمة أو لإعادة صياغة الطريقة التي تُقوَّم بها أفريقيا في النظام المالي الدولي. ولعل ما تحتاجه الدول الأفريقية اليوم ليس دفاعاً خطابياً عن مظلوميتها فحسب، بل استراتيجية بيانات وأرقام تعيد رسم الواقع بعيداً عن الصور الجاهزة.

المساهمون