العراق يبحث عن 1.5 مليار دولار مختفية من وزارة العمل في ظروف غامضة
استمع إلى الملخص
- نفى مصرف الرافدين الادعاءات، موضحاً أن المبلغ موجود في حساب شبكة الحماية الاجتماعية، وأن دوره يقتصر على إدارة الحسابات دون تدخل في قرارات الوزارة.
- أثارت التصريحات المتناقضة ردود فعل واسعة، حيث شبّهها البعض بـ"سرقة القرن"، مما يعكس فوضى إدارية ويثير الشكوك حول إدارة أموال الفقراء.
أثارت تصريحات وزير العمل والشؤون الاجتماعية في العراق أحمد الأسدي بشأن اختفاء مبلغ مالي ضخم من صندوق الرعاية الاجتماعية جدلاً واسعاً في البلاد، في ما يُعدّ سيناريو جديداً من قضايا الفساد المالي في بلاد الرافدين، لا سيما أن الوزير تحدث عن الأمر في فترة حرجة، عقب الانتخابات التشريعية التي أُجريت في 11 نوفمبر/تشرين الثاني الجاري، وتحول الحكومة الحالية إلى حكومة "تصريف أعمال"، ما يجعل عملية السحب خارج نطاق صلاحياتها.
وكشف الأسدي، وهو حليف رئيس الحكومة العراقية محمد شياع السوداني في "ائتلاف الإعمار والتنمية"، عن سحب 2.5 تريليون دينار عراقي (نحو مليار ونصف المليار دولار) من صندوق الرعاية الاجتماعية، مؤكداً أن وزارته لم تُبلّغ مسبقاً بهذا الإجراء. وأوضح في مقابلة متلفزة، أول من أمس السبت، أن المبلغ مفقود من صندوق الرعاية الاجتماعية، مشيراً إلى أن عدد المشمولين بالرعاية يبلغ 7.6 ملايين شخص، أي أكثر من مليوني أسرة. وأعرب عن استغرابه من سحب هذه المبالغ دون علم الوزارة، قائلاً إن "الأمر يجري حالياً بين وزارة المالية ومصرف الرافدين".
في المقابل، أصدر مصرف الرافدين (بنك حكومي في العراق) بياناً أوضح فيه أن "ما تم تداوله من تصريحات وزير العمل بشأن رصيد حساب صندوق هيئة الحماية الاجتماعية غير دقيق"، مشيراً إلى أن "المبلغ المشار إليه يعود في الحقيقة إلى حساب شبكة الحماية الاجتماعية المموّل مركزياً من وزارة المالية، وليس للحساب المذكور آنفاً".
وأضاف أن "الرصيد الفعلي لحساب شبكة الحماية الاجتماعية يبلغ 2,495,921,687 تريليون دينار، وجميع هذه الأرصدة متوفرة لدى المصرف بشكل كامل دون أي نقص أو سحب". وأكد المصرف أن دوره يقتصر على إدارة الحسابات وتنفيذ أوامر الصرف الرسمية الواردة من الوزارة، دون أي تدخل في قراراتها، موضحاً أنه لم يتلقَّ أي طلب أو إشعار من وزارة العمل أو إدارة الصندوق بشأن استثمار تلك المبالغ أو سحبها، كما لم ترد إليه أي تبليغات بوجود دعاوى قضائية تتعلق بالموضوع.
من جانبها، أصدرت وزارة المالية أمس الأحد بياناً أكدت فيه أن الحساب الجاري الخاص بشبكة الرعاية الاجتماعية لم تُسحب أمواله، وإنما تم تجميده فقط. وذكرت أن "وزارة العمل لم تتابع رصيد الحساب بشكل صحيح، رغم وجود مبالغ تم إيداعها خلافاً لطبيعة الحساب، منها مبالغ مسترجعة من البطاقات الذكية لمستفيدي الحماية الاجتماعية خلال الفترة من 2015 وحتى 2025".
وأضافت الوزارة أن "عمليات التدقيق المالي والفني التي أجرتها بالتعاون مع ديوان الرقابة المالية الاتحادي كشفت عن استخدامات للحساب خارج طبيعته، وأن هذه الممارسات لم تتم من قبل الوزارة، وأن الأموال ما تزال موجودة ضمن الحساب". وأوضحت أن "ديوان الرقابة المالية الاتحادي، من خلال دائرة تدقيق النشاط الاجتماعي، أجرى مراجعة رسمية للحساب وأكد الملاحظات المتعلقة به، مطالباً بتحليل مفصل للإيرادات الموجودة فيه".
وأشعلت هذه التصريحات موجة من الردود عبر مواقع التواصل الاجتماعي، إذ شبّهها بعض النشطاء بـ"سرقة القرن" التي كُشف عنها عام 2022، حين جرى سحب أكثر من 3 تريليونات دينار عراقي (أكثر من ملياري دولار) من "الأمانات الضريبية" عبر شركات وشخصيات مختلفة بصكوك وهمية.
وكتب الباحث في الشأن السياسي غالب الدعمي عبر منصة إكس أن "وزير العمل نفسه يعلن سحب تريليونين ونصف، فيما تصر الوزارة على النفي. فمن نصدق؟ الوزير أم وزارته؟ أم نكتفي بلوم حظنا ونلعن كل من منح صوته لفاسد وهو يعرف فساده؟ أعلم جيداً أن أي مبلغ، ولو كان دينارا واحدا، لا يمكن سحبه دون موافقة الوزارة. ويبقى السؤال: كيف تصدر هذه التصريحات المتناقضة من الجهة نفسها؟".
أما مقدم البرامج السياسية محمد جبار فكتب: "ثلاث روايات لملف واحد: وزير يعلن اختفاء 2.5 تريليون، وزارته تقول الأموال موجودة رقمياً، والمالية تكشف تجميد الحساب بسبب مخالفات… هذا ليس تضارباً، هذا انهيار مهني كامل. كيف تُدار أموال الفقراء بمنطق القصص المتناقضة؟ ومن يصدّق دولة لا تملك رواية موحدة عن رصيد حساب واحد؟ هذه الفوضى لا تعري المؤسسات فقط، بل تكشف أن الحقيقة آخر ما تفكر به الجهات التي يفترض أنها تحمي المال العام".
من جانبه، أشار العضو السابق في البرلمان العراقي رائد المالكي إلى أن "تصريح الأسدي بخصوص سحب 2.5 تريليون دينار من صندوق الحماية الاجتماعية لم يكن مبادرة ذاتية، بل جاء رداً على سؤال برلماني سبق أن قُدّم بهذا الشأن". وأضاف في بيان أن "وزارة المالية أجابت جزئياً عن الاستفسار وأحالت الفقرة المتعلقة بمصير الأموال إلى الهيئة التي لم ترد حتى الآن"، مرجحاً أن "الشكوى القضائية المقدمة من وزارة العمل جاءت بعد وصول السؤال إلى الجهات المعنية". واعتبر المالكي أن الحادثة قد تكون "أكبر عملية سحب غير مبرر لأموال الفئات الهشة".