العراق: العمالة غير النظامية تضغط سوق العمل

09 فبراير 2026   |  آخر تحديث: 13:09 (توقيت القدس)
في أحد أسواق وسط بغداد، 27 فبراير 2025 (أحمد الربيعي/ فرانس برس)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- يشهد سوق العمل في العراق تزايد العمالة الأجنبية غير النظامية، مما يؤثر على الأجور وفرص العمل للعراقيين، ويثير نقاشاً حول تأثيرها على الاقتصاد المحلي واستقرار العائلات.

- العمالة الأجنبية غير القانونية تعمل ضمن اقتصاد الظل، مما يؤدي إلى خسارة الدولة لموارد مالية ويصعب معرفة أعدادها، بينما يعتمد أصحاب المشاريع الصغيرة عليها بسبب انخفاض الكلفة.

- توسع العمالة غير المنظمة يهدد بزيادة الضغوط الاجتماعية، والحلول تشمل تشديد الرقابة الحدودية، وتنظيم سوق العمل، وتفعيل قوانين العمل والإقامة.

في ورش البناء والمطاعم والمحال الصغيرة وأسواق العمل اليومية في مدن عراقية عدة، يبرز تحول هادئ في طبيعة المنافسة على فرص العمل. فمع تزايد أعداد العمالة الأجنبية، وخاصة "غير النظامية" منها، بدأ سوق العمل، خصوصاً في القطاعات غير المنظمة، يشهد تغيرات ملحوظة في مستوى الأجور وآليات التوظيف، ما أثار نقاشاً مجتمعياً حول تأثير هذه الظاهرة على فرص العمل للعراقيين.

وتشير تقديرات غير رسمية إلى دخول آلاف العمال الأجانب إلى العراق خلال السنوات الأخيرة بطرق غير نظامية، ينتمي كثير منهم إلى جنسيات آسيوية وإقليمية، بينهم باكستانيون ولبنانيون وسوريون وإيرانيون وجنسيات أخرى. ويعمل معظمهم في قطاعات البناء والخدمات والمطاعم والأعمال اليدوية، وهي القطاعات نفسها التي تشكل مصدراً رئيسياً لرزق العمالة العراقية محدودة الدخل.

فرص عمل تتراجع بصمت

في أحد أسواق العمل اليومية في بغداد، يقول عامل بناء عراقي، يبلغ من العمر 32 عاماً، إن حصوله على فرصة عمل بات أصعب مما كان عليه قبل سنوات. ويوضح لـ"العربي الجديد" أن "العمل لم يعد متوفراً كما كان، وأحياناً يتم الاتفاق بين أرباب العمل وعمال أجانب للعمل بأجور أقل"، مشيراً إلى أن ذلك أجبر كثيراً من العمال المحليين على القبول بأجور منخفضة أو البحث عن مهن مختلفة. ويرى مختصون في الشأن الاجتماعي أن هذه التحولات لا تظهر بشكل مباشر في الإحصاءات الرسمية للبطالة، لكنها تترك آثاراً تدريجية على مستوى الدخل والاستقرار الاقتصادي للعائلات التي تعتمد على العمل اليومي.

من جانبه، يوضح الباحث في قضايا العمل والهجرة، رافد البدري، أن "العمالة الأجنبية غير القانونية تمثل جزءاً من اقتصاد ظل واسع النطاق". ويقول لـ"العربي الجديد" إن "هذه العمالة تعمل خارج منظومة الضرائب والضمان الاجتماعي، ما يعني أن الدولة تخسر مورداً مالياً مهماً، فضلاً عن صعوبة تنظيم هذا القطاع أو مراقبة ظروف العمل فيه". ويضيف أن "غياب التسجيل الرسمي يجعل من الصعب معرفة الأعداد الحقيقية للعمالة الأجنبية أو توزيعها الجغرافي والمهني، الأمر الذي يحد من قدرة الجهات المعنية على وضع سياسات سوق عمل دقيقة".

دوافع أصحاب العمل

في المقابل، يشير بعض أصحاب المشاريع الصغيرة إلى أن اعتمادهم على العمالة الأجنبية يعود إلى اعتبارات عدة، أبرزها انخفاض الكلفة واستقرار العامل في الوظيفة لفترات أطول. ويقول الحاج خالد أبو حسن، وهو صاحب محطة لغسل السيارات في بغداد، لـ"العربي الجديد"، إن "المشاريع الصغيرة تواجه ضغوطاً مالية، وأي فارق في الأجور يمكن أن يؤثر في استمرارية العمل، لذا نبحث عن العامل بأقل ما يمكن من الأجور". ويرى مختصون أن هذه الظاهرة ترتبط أيضاً بضعف تنظيم سوق العمل في بعض القطاعات، وغياب آليات واضحة لضبط التوظيف في الأعمال اليومية والمهن غير الرسمية.

أبعاد اجتماعية متصاعدة

بدوره، يقول المختص في الشأن الاجتماعي، عادل الزيدي، لـ"العربي الجديد"، إن "استمرار توسّع العمالة غير المنظمة قد يؤدي إلى تداعيات اجتماعية، أبرزها زيادة الضغوط على الخدمات والبنى التحتية في بعض المناطق، فضلاً عن خلق فجوة متزايدة في فرص العمل بين الشباب الباحثين عن وظائف مستقرة". ويضيف أن "المشكلة لا تكمن في وجود العمالة الأجنبية بحد ذاتها، بل في غياب التنظيم القانوني الذي يضمن التوازن بين احتياجات سوق العمل وحماية فرص العراقيين في الحصول على العمل"، معتبراً أن "تنظيم هذا الملف قد يحقق فائدة مزدوجة تتمثل في حماية الاقتصاد المحلي وتحسين ظروف العمل للجميع، وما لذلك من انعكاسات مجتمعية إيجابية".

تحديات التنظيم والحلول الممكنة

وتتطلب معالجة ملف العمالة الأجنبية غير الشرعية إجراءات متعددة، تشمل "تشديد الرقابة على المنافذ الحدودية، وتنظيم سوق العمل، وتفعيل قوانين العمل والإقامة، إضافة إلى توفير فرص تدريب وتشغيل للعمالة المحلية بما يرفع قدرتها التنافسية"، بحسب ما يراه مختصون. وقال أوس الخزرجي، المختص في الشأن القانوني، لـ"العربي الجديد"، إن "تنظيم العمالة الأجنبية، بدلاً من بقائها خارج الأطر القانونية، قد يساهم في تقليل تأثيراتها السلبية بسوق العمل، ويمنح الدولة قدرة أكبر على إدارة هذا الملف ضمن رؤية اقتصادية واجتماعية متكاملة".

وتتهم السلطات العراقية شركات ومكاتب أهلية باستقدام العاملين، وأغلبهم من جنسيات آسيوية وعربية، للعمل في العراق وإدخالهم سوق العمل بأجور تنافس العمالة المحلية. وتنشط العمالة الأجنبية في قطاعات الخدمات والتنظيف والإنشاءات والنفط.

وبحسب القانون العراقي، يتوجب على العامل الأجنبي الحصول على إذن للعمل والإقامة، وفي حال قيامه بأي نشاط تجاري أو مالي يعد مخالفاً لشروط الإقامة، بينما تتولى وزارة العمل إصدار تراخيص العمل للأجانب مع رسوم مسبقة تفرضها على المستقدم والعامل نفسه، ما يجعل من وجود أعداد كبيرة من العمالة الأجنبية غير المرخصة مشكلة واضحة في سوق العمل المحلية.