العالم يودّع بلطجة ترامب الاقتصادية 

17 نوفمبر 2020
+ الخط -

تحت شعار "أميركا أولاً"، وسعيه نحو حصد تريليونات الدولارات وأهم الصفقات وتحقيق المكاسب وحصرها فقط في صالح الاقتصاد والمواطن الأميركي، وحماية المصنّعين الأميركيين، مارس الرئيس دونالد ترامب كل أشكال وأصناف البلطجة والعربدة الاقتصادية طويلة الأجل ضد الدول والشركاء التجاريين.

وبدلاً من أن تصبح الولايات المتحدة أكبر داعم للنظام الاقتصادي العالمي، وأهم محرك للأنشطة المالية والتجارية المختلفة، بات ترامب هو أكبر مهدد لهذا النظام الذي يرسم علاقات الدول ومعيشة مواطنيها وحركة الأموال والتجارة حول العالم.

عقب توليه منصبه في يناير/كانون الثاني 2016، خاض ترامب حروباً تجارية وتكنولوجية شرسة ضد الصين، صاحبة ثاني أقوى اقتصاد في العالم، بهدف تقليص العجز التجاري لبلاده.

فرض رسوما تجارية ضخمة على السلع الصينية، وأرغم حكومة بكين على استيراد منتجات أميركية بمليارات الدولارات، واتهم الصين بأنها وراء إلحاق خسائر فادحة بالاقتصاد الأميركي، خاصة على مستوى الوظائف وفقدان فرص العمل وإغلاق المصانع وزيادة كلفة الإنتاج، وبالتالي ارتفاع أسعار السلع والخدمات، وتراجع الاستثمارات الأجنبية المتدفقة على الولايات المتحدة.

لاحق ترامب شركة هواوي، ذلك العملاق التكنولوجي الصيني، واتهمها بالقرصنة والسرقة وانتهاك حقوق الملكية الفكرية، كما اتهم الصين بتعمد نشر فيروس كورونا إلى كل دول العالم، ودخل معها في صدامات في ملفات عدة منها جائحة كورونا، وهونغ كونغ، وحقول الطاقة في بحر الصين الجنوبي، وحقوق الإنسان.

جديد معركته مع الصين ما ذكره موقع "أكسيوس"، يوم الاثنين، من أن ترامب ينوي اتخاذ سلسلة إجراءات قاسية ضد بكين في الفترة المتبقية من ولايته، لضمان استمرار نهجه من قبل خلفه المحتمل، جو بايدن، حيث يخطط الرئيس الأميركي لفرض عقوبات وتقييد التجارة مع عدد كبير من الشركات والمؤسسات الحكومية والمسؤولين في الصين، بزعم تهديد الأمن القومي للولايات المتحدة، أو على خلفية تورط تلك المؤسسات في انتهاك حقوق الإنسان في إقليم شنغان وهونغ كونغ.

حتى حلفاء الولايات المتحدة اكتووا بنيران بلطجة ترامب الذي فرض رسوما جمركية ضخمة على منتجات شركائه التجاريين، لم يستثن أحداً، كدول الاتحاد الأوروبي التي فرض عليها رسوماً بمليارات الدولارات، خاصة على الطائرات مثل إيرباص، والخمور والأجبان، كما استهدف منتجات ألمانيا، وتحديداً قطاع السيارات القوي، وفرض رسوما على صادرات كندا والمكسيك واليابان وبريطانيا وفرنسا وإسبانيا وغيرها.

مارس ترامب أكبر بلطجة ضد الاقتصاد التركي، حينما راح يهدد بمحوه وتدميره كاملا في أغسطس/آب 2018، وفرض عقوبات اقتصادية على الصادرات التركية المتجهة إلى الولايات المتحدة، وهو ما أدى إلى حدوث تهاو سريع في قيمة الليرة التركية أمام الدولار.

ومارس ترامب العربدة بكل صورها ضد معظم دول الخليج، وفي المقدمة السعودية، حينما راح يستنزفها ماليا ويحلبها، ويبرم صفقات بمئات المليارات من الدولارات مقابل توفير الحماية لأنظمتها المختلفة.

كما مارس ترامب البلطجة والعربدة بكل أشكالها ضد العديد من المنظمات الاقتصادية الدولية، وفي المقدمة منظمة الدول المصدرة للنفط "أوبك" التي هاجمها وسعى إلى تدميرها، عقب رفضها إغراق الأسواق بالنفط الرخيص للحيلولة دون ارتفاع أسعار الوقود والمشتقات البترولية وتعويض النقص الحاصل في الأسواق العالمية بسبب فرض حظر أميركي كامل على صادرات النفط الإيراني. 

كذلك شن ترامب حملة لا هوادة فيها ضد منظمة التجارة العالمية التي عمل على إضعافها وشلّ حركتها، خاصة عقب رفض تعيين قضاة جدد لفض النزاعات في المنظمة، مما شكل ضربة قوية لها.

فرض ترامب أيضاً سطوته وبلطجته على المؤسسات المالية الدولية، وفي مقدمتها صندوق النقد والبنك الدوليان، حينما راح يضغط عليها لمنح قروض سياسية ضخمة للدول والديكتاتوريات التي تتحالف معه وتدعم سياسته، خاصة تجاه التطبيع مع دولة الاحتلال، أو الدول التي تحارب الإسلام السياسي وتجهض الموجات الجديدة من ثورات الربيع العربي.

السؤال: هل نجحت بلطجة ترامب الاقتصادية وسياساته التجارية في تحقيق أهدافها؟  الإجابة: لا، والدليل أن تلك البلطجة لم تحقق سوى مكاسب متواضعة للاقتصاد الأميركي، خاصة على مستوى الميزان التجاري مع بكين،

فقد تقلّص بالفعل العجز التجاري بين الولايات المتحدة والصين، وهو هدف ترامب الأساسي. إلا أن الواردات الأميركية من كندا والمكسيك وغيرها ارتفعت بشكل كبير، وهو ما عمّق العجز الأميركي الكلي. 
كما أن سياسة العربدة تلك ألحقت ضررا طويل الأمد بالاقتصاد الأميركي والدولي، وأربكت شركاء الولايات المتحدة التجاريين، وأحدثت حالة من الضبابية في مستقبل الاقتصاد العالمي، فاقمتها أزمة كورونا الحالية.

كما أن الرسوم الجمركية التي فرضها ترامب ضد الواردات الأجنبية رفعت من تكاليف إنتاج المصانع الأميركية، وأظهرت مدى الاعتماد على المورّدين الصينيين. 

ببساطة، العالم بلا بلطجة ترامب التجارية والاقتصادية، قد يكون أقل قلقاً، أقل خسارة، أكثر تعاوناً في الأمور الاقتصادية والمالية.

ومع رحيل ترامب المتوقع عن البيت الأبيض، بداية شهر يناير القادم، سيتنفس العالم الصعداء، وتتراجع العراقيل التي تحد من انسياب التجارة الدولية وتعرقل أداء المؤسسات المالية والاقتصادية الدولية، وهو ما سينعكس إيجابا على الاقتصاد العالمي، بل وعلى المواطنين حول العالم.

المساهمون