الطروحات العائلية في البورصة السعودية فرصة لصغار المدخرين

01 ديسمبر 2025   |  آخر تحديث: 03:03 (توقيت القدس)
لوحة المؤشرات بسوق الأسهم السعودية في الرياض (فايز نور الدين/ فرانس برس)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- تشهد البورصة السعودية زيادة في طروحات الشركات العائلية، مدفوعة برؤية المملكة 2030 لتنويع الاقتصاد بعيداً عن النفط، حيث جمعت 637 مليون دولار من ثمانية اكتتابات في الربع الثالث من 2025.
- يواجه المدخرون الصغار تحديات بسبب تراجع مؤشر تداول السعودي بنسبة 4.8% منذ بداية 2025، مما يعكس حذراً في معنويات المستثمرين نتيجة التوترات الجيوسياسية وتقلبات أسعار النفط.
- طرح الشركات العائلية يعزز الشفافية والحوكمة، ويدعم انتقال الملكية بين الأجيال، مما يضمن استمرارية الأعمال وتحولها إلى نموذج مؤسسي مستدام.

تشهد البورصة السعودية موجة متصاعدة من طروحات الشركات العائلية، في وقت يسعى فيه المدخرون الخليجيون الصغار للبحث عن فرص استثمارية مجدية وسط تحولات اقتصادية جوهرية، تعيد رسم ملامح المنطقة. ويأتي هذا التوجه في سياق رؤية المملكة 2030 التي تستهدف تنويع مصادر الاقتصاد بعيداً عن النفط، حيث قادت السعودية نشاط الاكتتابات في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا خلال الربع الثالث من عام 2025 بثمانية اكتتابات، جمعت نحو 637 مليون دولار، مستحوذة على الحصة الأكبر من الإصدارات الإقليمية.
وذكرت وكالة بلومبيرغ، في 24 نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، أن مجموعة الخريف السعودية بدأت التحضيرات لإدراج محتمل للشركة التابعة لها "الخريف للبترول" الخاصة بخدمات النفط والغاز، ونقلت عن أشخاص مطلعين قولهم إن شركة الخريف للبترول بهذا الطرح، ستنضم إلى قائمة الشركات التي تسعى لطرح أسهمها للاكتتاب العام في المملكة.
تحديات أمام المدخر الصغير
غير أن البيئة الاستثمارية الراهنة تحمل معها تحديات للمدخر الصغير، إذ سجل مؤشر تداول السعودي تراجعاً بنحو 4.8% منذ مطلع عام 2025 مقارنة بأسواق خليجية أخرى حققت مكاسب ملموسة، كما أن 6 من أصل 11 اكتتاباً أُدرجت في الربع الثالث، أغلقت عند مستوى سعر الطرح أو دونه في اليوم الأول للتداول، ما يعكس حذراً واضحاً في معنويات المستثمرين، وسط التوترات الجيوسياسية وتقلبات أسعار النفط، بحسب تقرير نشرته شركة إرنست آند يونغ، المتخصصة في الاستشارات المالية وأسواق رأس المال.
ويرى محللون أن أسعار النفط التي تراوحت حول 62 دولاراً للبرميل تظل دون مستويات التعادل المالي لعدة اقتصادات خليجية، ما قد يلقي بظلاله على خطط الإنفاق الحكومي ومشاريع التنمية، حسب تقدير أعدته "كي بي أم جي" (KPMG)، المتخصصة في الاستشارات الاقتصادية والمالية.

بالنسبة للمدخر الخليجي الصغير، فإن توقيت استثماره بالشركات العائلية يبقى مرهوناً بعدة اعتبارات جوهرية، إذ ينصح خبراء أسواق المال بضرورة التحلي بالواقعية إزاء التقييمات، والتركيز على الشركات ذات النماذج المالية القوية، مع الأخذ في الحسبان أن الاكتتابات الجديدة غالباً ما تشهد تقلبات في أسعارها خلال الأشهر الأولى، وانتظار استقرار الأسهم بعد الإدراج قبل اتخاذ قرار الشراء، والتنويع في المحفظة الاستثمارية لتقليل المخاطر، حسب تقييم أعدته شركة أبكو وورلدوايد (APCO Worldwide)، المتخصصة في الاستشارات الاستراتيجية.

خطوة استراتيجية

يؤكد الخبير الاقتصادي، جاسم عجاقة، لـ "العربي الجديد"، أن طرح أسهم الشركات العائلية في السوق المالية السعودية يمثل خطوة استراتيجية تحمل أبعاداً اقتصادية ومؤسسية واجتماعية في آنٍ واحد، فهذا النوع من الطروحات لا يُنظر إليه من زاوية توقيته فقط، بل من منظور الأهداف الجوهرية التي يسعى إلى تحقيقها، وأبرزها تحسين إمكانات التمويل، ورفع مستويات الشفافية والحوكمة.
ويوضح عجاقة أنه بمجرد أن تتحول شركة عائلية إلى شركة مساهمة مطروحة في البورصة فإنها تخضع لمعايير صارمة في الإفصاح المالي والشفافية، ما يعزز سمعتها وقدرتها على جذب رؤوس الأموال المحلية والدولية، ويربط هذه الخطوة برؤية السعودية 2030، التي تدعم بوضوح مثل هذه المبادرات باعتبارها وسيلة لتنويع الاقتصاد، وتوسيع قاعدة الملكية، فضلاً عن تسهيل عمليات الانتقال بين الأجيال داخل العائلات المالكة للشركات، ما يضمن استمرارية الأعمال وتحوّلها من نموذج مركّز إلى نموذج مؤسسي أكثر استدامة.
ويضيف أن هذا التحول لا يخدم مصلحة العائلات فحسب، بل يخدم الصالح العام عبر تعميق السوق المالية بالسعودية، إضافة إلى توسيع قاعدة المستثمرين وتعزيز ثقافة الاستثمار بين المواطنين.

أما بالنسبة لملاءمة هذه الطروحات للمستثمر الخليجي، فيرى عجاقة أن الظروف الحالية مواتية لشراء الأسهم، إذ تعد المملكة اليوم بيئة جاذبة لرؤوس الأموال بفضل الإصلاحات الاقتصادية والتنظيمية التي أُطلقت في إطار الرؤية، وغالباً ما تُسعر الأسهم المطروحة بعلاوة تشجيعية، أي أقل من قيمتها العادلة قليلاً، ما يوفر عائداً جذاباً، بل وفورياً في بعض الأحيان، للمكتتبين الأوائل. ويقر عجاقة بأن التقلبات السعرية في المراحل الأولى من أي طرح أمر طبيعي، لكنه يشدد على أن الأثر العام لهذه الخطوات إيجابي ويدل على نضج السوق وتطوّر آلياته.

اتجاه عالمي

في السياق، يصف الخبير الاقتصادي، محمد الناير، خطوة طرح أسهم الشركة العائلية بأنها "ممتازة وتنسجم مع الاتجاه العالمي المتعاظم نحو تحويل الشركات إلى كيانات مساهمة عامة، قادرة على الصمود في وجه التحديات ومواكبة متطلبات الاقتصاد الحديث"، حسبما صرح لـ "العربي الجديد".
ويوضح الناير أن الشركات العائلية، في كثير من الأحيان تواجه إشكالات هيكلية عند انتقال الملكية بين الأجيال، خاصة في حال وفاة المؤسس أو رب الأسرة، حيث يؤدي تنازع الورثة في كثير من الأحيان إلى تفكك الشركة أو توقف نشاطها، أما حين تتحول الشركة إلى كيان مساهم عام مدرج في السوق المالية، فإن آلية نقل الملكية تصبح سلسة عبر بيع وشراء الأسهم في البورصة، ما يضمن استمرارية العمل دون اضطراب، ويحفظ الكيان الاقتصادي من التفكك بسبب خلافات عائلية.
ويسلط الناير الضوء على مزايا إضافية لهذا التحول، أبرزها إمكانية الحصول على تمويل مباشر من السوق دون الاضطلاع بتكاليف الاقتراض التقليدية، فعندما تكون الشركة مساهمة عامة يتاح لها طرح أسهم جديدة لزيادة رأس المال، وهو تمويل لا ينطوي على فوائد ولا يثقل كاهلها بمديونيات، بل يعتمد على مشاركة المستثمرين في ملكيتها ونموها.
ويضيف أن هذا النموذج يمنح الشركات العائلية فرصة الانضمام إلى صفوف الكيانات الاقتصادية القوية، القادرة على المنافسة محلياً وعالمياً، لا سيما في عصر الشركات متعددة الجنسيات التي تتطلب رؤوس أموال ضخمة وحوكمة رصينة.
 

المساهمون