الضربة الخاسرة... رسوم ترامب تفشل في خفض العجز الأميركي

27 أكتوبر 2025   |  آخر تحديث: 03:33 (توقيت القدس)
ترامب خلال حديثه للصحفيين في ماليزيا، 26 أكتوبر 2025 (فانسن ثيان/ فرانس برس)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- تفاقم العجز التجاري: ارتفع العجز التجاري للولايات المتحدة بنسبة 30.9% في الأشهر السبعة الأولى من عام 2025، مع زيادة الواردات بنسبة 10.9% والصادرات بنسبة 5.5% فقط، مما يعكس فشل السياسة الجمركية في تقليص العجز.

- إخفاق السياسة الجمركية: الرسوم الجمركية لم تحقق الأثر البنيوي المرجو، حيث أدت إلى اضطراب سلاسل التوريد وزيادة الأعباء على الشركات الأميركية، مع تحقيق جزئي للهدف السياسي بتقليص الاعتماد على الصين.

- تأثير الرسوم على الشركات والإيرادات: تحملت الشركات الأميركية العبء الأكبر من الرسوم، مما أدى إلى تراجع هوامش أرباحها وتباطؤ الاستثمار، بينما جاءت الإيرادات الجمركية أقل من المستهدف، مما يزيد العجز المالي.

بعد ستة أشهر على إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب أكبر حزمة رسوم جمركية منذ ثلاثينيات القرن الماضي، أظهرت المؤشرات الاقتصادية أن السياسة الجديدة لم تحقق أهدافها الأساسية، بل أفرزت نتائج معاكسة لما كان معلناً. فالعجز التجاري، بحسب أحدث البيانات الرسمية، لم يتراجع كما كان متوقعاً، بل ازداد بأكثر من 30%، فيما تحملت الشركات الأميركية العبء الأكبر من التكاليف بدلاً من المنافسين الأجانب. وبينما كانت إدارة ترامب تراهن على الرسوم الجمركية لتعزيز الصناعة الوطنية وزيادة الإيرادات العامة، كشفت البيانات أن الإيرادات الجمركية جاءت أقل بكثير من المستهدف، وأن أثرها على الصناعة الوطنية كان محدوداً، في وقت أعادت فيه الأسواق العالمية تموضعها بسرعة لتفادي الرسوم، ما جعل "ضربة ترامب الجمركية ضربة خاسرة، وتحولت من أداة حماية اقتصادية إلى عبء مالي وسياسي جديد على الولايات المتحدة".

العجز يتفاقم 

تشير بيانات مكتب الإحصاء ووزارة التجارة الأميركية إلى أن العجز في الميزان التجاري للسلع والخدمات ارتفع بنسبة 30.9 في المئة خلال الأشهر السبعة الأولى من عام 2025 مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي، إذ زادت الصادرات بنسبة 5.5 في المئة فقط، مقابل قفزة في الواردات بلغت 10.9 %. وبلغت قيمة العجز في تجارة السلع وحدها 834 مليار دولار تقريباً حتى نهاية يوليو/تموز، بزيادة 23.8 % عن العام الماضي، رغم أن الرئيس ترامب كان قد تعهد بتقليصه عبر فرض رسوم على الواردات من أكثر من خمسين دولة. وتظهر البيانات أن قيمة الواردات الأميركية من السلع بلغت نحو 2.09 تريليون دولار، بينما لم تتجاوز الصادرات 1.25 تريليون دولار، وهو ما يعني أن الفارق اتسع بنحو 840 مليار دولار خلال نصف عام فقط. وبحسب بيانات وزارة التجارة الأميركية فإن هذه الأرقام تمثل أعلى مستوى للعجز التجاري منذ عقد كامل، رغم تراجع قيمة الدولار بنحو 16 % أمام اليورو، وهو ما كان يفترض أن يدعم الصادرات الأميركية من خلال زيادة تنافسيتها السعرية في الأسواق الخارجية. 

إخفاق مزدوج

ووفقاً لتقرير صادر عن معهد بيترسون للاقتصاد الدولي، في سبتمبر/أيلول الماضي، فإن النتائج الحالية قد تحبط إدارة ترامب لكنها لا تفاجئ الاقتصاديين، لأن العجز التجاري في جوهره ليس نتيجة سياسات خارجية بقدر ما هو انعكاس لاختلال التوازن بين الادخار والاستثمار داخل الاقتصاد الأميركي. فما دام استمرار الإنفاق الاستهلاكي مرتفعاً مقابل ضعف الادخار المحلي، ستبقى البلاد مضطرة إلى استيراد كميات هائلة من السلع لتغطية الطلب الداخلي، بغض النظر عن مستوى الرسوم المفروضة. ويؤكد التقرير أن الرسوم لم تسهم في تقليص العجز كما روّجها، بل زادت أعباء الشركات الأميركية التي امتصت معظم التكاليف بدلاً من نقلها إلى المستهلكين، في محاولة لحماية حصصها السوقية. وهذه الاستراتيجية الدفاعية، التي اتبعتها كبريات الشركات الصناعية، أضعفت قدرتها على الاستثمار في خطوط إنتاج جديدة، وأثرت في هوامش أرباحها خلال النصف الأول من العام.

ويوضح أن الهدف السياسي من فرض الرسوم، والمتمثل في تقليص الاعتماد على الصين، تحقق جزئياً فقط، لأن الواردات الصينية تراجعت فعلاً، لكن دولاً أخرى مثل فيتنام والمكسيك والهند سرعان ما ملأت الفراغ، ما جعل إجمالي الواردات الكلية لا يتغير كثيراً.  ويشير خبراء بيترسون إلى أن الولايات المتحدة تخوض حرباً تجارية بأسلحة قديمة ضد اقتصاد عالمي جديد، حيث تتجاوز حركة السلع الحدود الوطنية بسرعة تفوق قدرة السياسة على ضبطها، الأمر الذي جعل الأثر الفعلي للرسوم أقرب إلى نار عادت لتحرق من أشعلها. وقالوا إن الإجراءات التي أعلنها ترامب منذ إبريل/نيسان الماضي تمثل أكبر موجة تعرفات منذ قانون هاولي - سموت عام 1930، لكنها لم تحدث الأثر البنيوي المرجو، بل أدت إلى اضطراب سلاسل التوريد العالمية وإعادة توجيه تدفقات التجارة نحو أسواق بديلة. 

الشركات تدفع الثمن

ويظهر تحليل أجراه الأستاذ بجامعة فالنسيا، فيثنتي إستيف، أن الشركات الأميركية هي من تحملت العبء الأكبر من الرسوم الجمركية، وليس المصدرين الأجانب كما وعد ترامب. فأسعار السلع المستوردة لم ترتفع إلا بنسب طفيفة، بينما تراجعت هوامش أرباح الشركات الأميركية بسبب امتصاصها التكاليف الإضافية في ميزانياتها التشغيلية. ويشير التحليل إلى أن نحو 78 % من الرسوم المفروضة على السلع الصينية والأوروبية تم استيعابها من قبل الشركات المحلية في الولايات المتحدة، إما عبر تخفيض هوامش الربح وإما عبر خفض حجم الاستثمارات الجديدة لتجنب زيادة الأسعار على المستهلكين. ويقول التحليل إن هذا السلوك يفسر عدم ارتفاع معدلات التضخم كما كان متوقعاً عند فرض الرسوم، لكنه في الوقت نفسه كشف عن تكلفة خفية تتمثل في تباطؤ الاستثمار الصناعي وزيادة الاعتماد على الواردات الوسيطة من الدول المجاورة، ما أفقد الرسوم أثرها الحمائي الأصلي. ويضيف أن الشركات الصغيرة والمتوسطة كانت الأكثر تضرراً لأنها لا تملك القدرة على التفاوض مع الموردين أو امتصاص التكاليف بكفاءة الشركات الكبرى نفسها. 

عوائد أقل من الوعود

كان الرئيس ترامب قد وعد بأن الإيرادات الناتجة عن الرسوم الجديدة ستستخدم لتمويل التخفيضات الضريبية التي أقرها الكونغرس، لكن الوقائع أظهرت عكس ذلك. فبحسب تحليل أعده الباحثان كيمبرلي كلوسينغ وماوريسيو أوبستفلد لصالح مركز الدراسات الاقتصادية والسياسات البحثية، فإن إجمالي الإيرادات المتوقع تحصيلها من الرسوم خلال عشر سنوات لن يتجاوز تريليوني دولار، في حين تبلغ تكلفة التخفيضات الضريبية المعلنة نحو 3.4 تريليونات دولار. وهذا يعني أن العجز المالي سيستمر في الاتساع، ما يضعف قدرة الحكومة على تمويل الإنفاق العام من دون اللجوء إلى الديون. وتشير تقديرات معهد بيترسون إلى أن الرسوم المفروضة على الواردات الأوروبية مثلت نحو 8.9 % من قيمتها الإجمالية، أي أقل من نسبة الـ 15 % التي حددتها واشنطن في البداية، في حين لم تتجاوز الزيادة في الإيرادات الجمركية من المكسيك 4.7 %، ومن كندا 2.9 %، وهي نسب ضئيلة لا يمكنها إحداث فارق في الموازنة الفيدرالية. 

تبادل أدوار

تشير بيانات مكتب الإحصاء الأوروبي (يوروستات) إلى أن صادرات الاتحاد الأوروبي إلى الولايات المتحدة ارتفعت خلال الأشهر الثمانية الأولى من عام 2025 بنسبة 9.4 % مقارنة بالعام الماضي، لتصل إلى نحو 385 مليار دولار. لكن هذه الزيادة كانت مؤقتة، إذ سجل شهر أغسطس/آب انخفاضًا حادًّا بنسبة 22 % في الصادرات الأوروبية نحو الأسواق الأميركية نتيجة بدء تطبيق الرسوم الجديدة. وفي المقابل، تراجعت الواردات الأميركية من الصين بنحو 18 % خلال الفترة نفسها، لكن ذلك لم ينعكس على الميزان العام لأن صادرات دول أخرى، مثل فيتنام وكوريا الجنوبية والمكسيك، ارتفعت لتعويض النقص. وبحسب خبير التجارة الأوروبية ميشيل دوني، في مقابلة مع صحيفة لوموند الفرنسية، فإن ما يحدث ليس حربًا تجارية بقدر ما هو إعادة تشكيل هادئة للخريطة العالمية، إذ دفعت الرسوم الأميركية المصدرين الأوروبيين إلى البحث عن أسواق بديلة في آسيا وأفريقيا، بينما توجهت الشركات الصينية نحو بلدان وسيطة لتجنب التعرفات المباشرة، ما جعل التجارة العالمية أكثر تشعبًا وأقل استقرارًا. 

المساهمون