الصين تنتقم من رسوم ترامب باستهداف المزارعين الأميركيين
استمع إلى الملخص
- استهدفت الصين صادرات زراعية أميركية رئيسية، مما أدى إلى انخفاض العقود الآجلة لفول الصويا والقطن، بينما أعدت الصين نفسها بتنويع مصادرها الزراعية، وأعلنت الولايات المتحدة عن دعم للمزارعين بقيمة 30 مليار دولار.
- تزايدت التوترات الاقتصادية والسياسية مع فرض رسوم متبادلة، مما أثر على العلاقات التجارية، وتسعى الصين لتقليل اعتمادها على الولايات المتحدة، بينما تواجه الأخيرة تحديات اقتصادية متزايدة.
أعلنت الصين، أمس الثلاثاء، فرض رسوم جمركية موجعة على مجموعة من المنتجات الزراعية الأميركية، وأدرجت أكثر من 20 شركة أميركية في القائمة السوداء، وذلك فور فرض الرئيس الأميركي دونالد ترامب رسوما جمركية إضافية بنسبة 10% على السلع الصينية، مما يمثل تصعيداً كبيراً في الحرب التجارية بين أكبر اقتصادين في العالم.
يستهدف الرد الانتقامي الصيني بعضاً من أهم صادرات الولايات المتحدة إلى الصين، بما في ذلك فول الصويا واللحوم والحبوب، ما يهدد باضطراب جزء رئيسي من التجارة بين قوتين زراعيتين كبيرتين. ويبدو أن رد الصين جاء مفاجئاً لترامب نفسه، الذي قال قبيل فرضه الرسوم الجمركية الإضافية إنه لا يتوقع أن "تنتقم بكين كثيراً"، لكن بعد ساعات فقط، أعلن مجلس الدولة الصيني، وهو ما يعادل مجلس الوزراء، أنه سيفرض رسوماً إضافية بنسبة 10% على شحنات فول الصويا الأميركية اعتباراً من 10 مارس/آذار الجاري. كما ستُطبق رسوم جمركية إضافية قدرها 10% على الذرة الرفيعة ولحوم الخنزير ولحوم الأبقار، بينما سترتفع الرسوم بنسبة 15% على واردات الدواجن والقمح والذرة والقطن من الولايات المتحدة، وذلك بحسب بيان نشرته وزارة المالية الصينية على موقعها الإلكتروني.
وحذرت الصين سابقاً، عبر صحيفة "غلوبال تايمز" المملوكة للدولة، من أن المنتجات الزراعية ستقع في مرمى نيرانها عند ردها على سياسات ترامب. ويأتي الانتقام الصيني من رسوم ترامب في وقت حساس، إذ يستعد العديد من المزارعين الأميركيين لبدء موسم الزراعة الجديد خلال الأسابيع القليلة المقبلة. وتُعد الصين أكبر مستورد لفول الصويا عالمياً، حيث يُستخدم في إنتاج زيت الطهي وأعلاف لتغذية قطيعها الكبير من الخنازير.
وانخفضت العقود الآجلة لفول الصويا، والتي تعد بالغة الأهمية بالنظر إلى حجم الواردات الصينية، بنحو 0.3%، خلال تداولات أمس، بعد أن لامست أدنى مستوياتها خلال ما يقرب من شهرين. كما تراجعت العقود الآجلة للقطن في نيويورك إلى أدنى مستوى لها في أكثر من أربعة أعوام.
وقال هانفر لي، كبير المحللين لدى شركة "شنغهاي جيه سي إنتليجنس" وهي شركة استشارات للسلع الأساسية يقع مقرها في الصين، وفق تقرير لوكالة بلومبيرغ الأميركية، أمس، إن "الصين ستتمكن من إعادة تحقيق التوازن بين العرض والطلب، على سبيل المثال، من خلال زيادة وارداتها من فول الصويا من أميركا الجنوبية أو عبر الإفراج عن المخزونات الاحتياطية". وأضاف أن "الصين كانت تستعد لهذا السيناريو منذ فترة طويلة، وهي جاهزة لمواجهته".
ومنذ آخر حرب تجارية مع الولايات المتحدة، سعى أكبر اقتصاد في آسيا إلى تنويع مصادر إمداداته. وكانت الأسواق الزراعية في مرمى نيران الحرب التجارية بين الصين والولايات المتحدة خلال ولاية ترامب الأولى (2017 ـ 2021)، ما أدى إلى تراجع مبيعات فول الصويا الأميركية بنحو 80% على مدى عامين. ومنذ ذلك الحين، اتخذت الصين خطوات لتعزيز وارداتها من دول أخرى مثل البرازيل.
وأعلنت وزيرة الزراعة الأميركية بروك رولينز في وقت سابق من الأسبوع الجاري أن المزارعين الأميركيين سيبدأون قريباً في تلقي الدفعة الأولى من حزمة دعم بقيمة 30 مليار دولار، التي أقرها الكونغرس لمواجهة الخسائر التي تشهدها الأسواق. وخلال حرب ترامب التجارية مع الصين والاتحاد الأوروبي في عام 2018، خسرت الولايات المتحدة 27 مليار دولار من الصادرات الزراعية، واضطرت كذلك إلى دعم المزارعين بعشرات مليارات الدولارات.
وقال المتحدث باسم وزارة الخارجية الصينية لين جيان، أمس، إنه إذا أصرت واشنطن على بدء حرب رسوم جمركية أو حرب تجارية أو أي نوع من الحروب، فإن الصين ستقاتل حتى النهاية. ووصفت وزارة التجارة الصينية في وقت سابق رسوم ترامب بأنها انتهاك لقواعد التجارة الدولية ومثال على "الأحادية والبلطجة" الأميركية.
وتعد الصين أكبر سوق للمنتجات الزراعية الأميركية، حيث تمثل 17% من إجمالي الصادرات الزراعية الأميركية في عام 2023، وفقاً لبيانات وزارة الزراعة الأميركية. وفي العام الماضي، استوردت الصين ما يقرب من 20 مليار دولار من فول الصويا والذرة والقطن ومنتجات زراعية أميركية أخرى ستخضع للرسوم الجمركية الجديدة، وفقاً لبيانات وزارة الزراعة الأميركية. وتمثل هذه المنتجات حوالي 80% من إجمالي الصادرات الزراعية الأميركية إلى الصين.
وتجددت الحرب التجارية بين الولايات المتحد والصين في الأسابيع الأولى من عودة ترامب إلى البيت الأبيض وتصاعدت بسرعة، وشملت الصين وكذلك شركاء الولايات المتحدة التجاريين. وفي أوائل فبراير/شباط الماضي، فرض ترامب رسوماً إضافية بنسبة 10% على السلع الصينية رداً على ما قال إنه فشل الصين في وقف تدفقات مخدر "الفنتانيل" إلى الولايات المتحدة. وردت الصين بفرض رسوم جمركية بنسبة 15% على واردات الفحم والغاز الطبيعي المسال من الولايات المتحدة، فضلاً عن رسوم جمركية بنسبة 10% على المعدات الزراعية والنفط الخام، وفرض قيود على صادرات المعادن المستخدمة في تصنيع المنتجات عالية التقنية، وتحقيق في مكافحة الاحتكار مع غوغل، وإدراج شركتين أميركيتين أخريين في القائمة السوداء.
لكن ترامب عاد وفرض رسوماً إضافية أخرى بنسبة 10%، أمس، لترد الصين باستهداف السلع الزراعية الأميركية، كما وضعت 15 شركة أميركية، بما في ذلك "Leidos" المتخصصة في الدفاع والطيران وتكنولوجيا المعلومات "General Dynamics Land Systems" العاملة في تصميم وهندسة وإنتاج وصيانة المعدات العسكرية المجنزرة، على قائمة تمنعها من استيراد السلع التي يمكن استخدامها لأغراض عسكرية، ومنعت 10 شركات أخرى من التجارة مع الصين أو الاستثمار فيها.
وتنذر الولاية الثانية لترامب بحرب تجارية شرسة مع الصين، إذ شهدت ولايته الأولى رفع الرسوم الجمركية بنسبة 19% في المتوسط، وفقا لمعهد بيترسون للاقتصاد الدولي، وهو مركز أبحاث، بينما الآن، بعد أقل من شهرين من ولايته الجديدة، ضاعف هذا الرقم أكثر من الضعف، مضيفا رسوماً جمركية بنسبة 20% على جميع الواردات من الصين. وتطاول هذه الرسوم منتجات مثل الهواتف الذكية وأجهزة الكمبيوتر والألعاب، التي استبعدها ترامب من الرسوم الجمركية الإضافية في ولايته الأولى من أجل حماية المستهلكين من ارتفاع الأسعار.
ويؤكد المحللون أن رسوم ترامب ورد فعل بكين تزيد من احتمال تورط البلدين في دورة من الرسوم الجمركية الانتقامية. وقال تشو فنغ، مدير معهد الدراسات الدولية في جامعة نانجينغ بمقاطعة جيانغسو جنوب شرقي الصين لصحيفة واشنطن بوست: "ترامب يلوح بعصاه الجمركية بقوة أكبر وأقوى". وأضاف أن "الحرب التجارية تشكل اضطراباً كبيراً وضربة للعلاقات الاقتصادية والتجارية الطبيعية بين الصين والولايات المتحدة، ومن المؤكد أنها ستجلب ضغوطاً جديدة ومهمة على اقتصاد الصين وتنميتها".
وبينما أجرى زعماء كندا والمكسيك محادثات مع الرئيس الأميركي لمحاولة التوصل إلى اتفاقيات تحول دون الخوض في حرب رسوم جمركية في فبراير/شباط الماضي، لم يكن لدى شي وترامب مثل هذه المحادثة. أجرى كبار المسؤولين بمن فيهم وزير الخزانة سكوت بيسنت ووزير الخارجية ماركو روبيو مكالمات مع نظرائهم الصينيين، لكن ترامب أشار في وقت سابق من هذا الشهر إلى أنه ليس في عجلة من أمره للتحدث إلى شي.
وخلال فترة ولايته الأولى، فرض ترامب رسوماً جمركية على المنتجات الصينية لمحاولة تقليل الفائض التجاري للصين مع الولايات المتحدة، مما أدى إلى حرب تجارية متبادلة استمرت عامين. وفي صفقة تم التوصل إليها في عام 2020، تعهدت الصين بشراء 200 مليار دولار إضافية من السلع الأميركية على مدى عامين لكنها فشلت في النهاية في الوفاء بتعهدها. وقد أكدت وسائل الإعلام الصينية والمعلقون أن بكين تستعد لحرب تجارية ثانية من خلال التركيز على أسواق التصدير الجديدة وإطلاق تدابير التحفيز في الداخل.
وقد سعت الصين إلى الحد من اعتمادها على الولايات المتحدة من خلال شراء المزيد من المنتجات الزراعية من دول أخرى. وقال تشاو مينغهاو، نائب مدير مركز الدراسات الأميركية في جامعة فودان في شنغهاي لواشنطن بوست: "الشغل الشاغل للصين الآن هو تحسين وضعها في الداخل، عبر بناء الخنادق والحصون، وانتظار الولايات المتحدة لتقديم عرض قبل أن تأتي معركة صعبة".
وبينما جاءت الرسوم الجمركية التي فرضها ترامب في ولايته الأولى على خلفية النمو الاقتصادي القوي، والذي دعمته جزئيا التخفيضات الضريبية التي وقع عليها لتصبح قانوناً، تأتي الرسوم الجديدة على النقيض من ذلك، حيث تظهر المؤشرات ضعفاً اقتصادياً في الأسابيع الأخيرة. وتكشف الاستطلاعات أن المستهلكين قلقون بشأن عودة التضخم بسبب الرسوم الجمركية. وقد تعمل حالة عدم اليقين أيضا على تثبيط عزيمة الشركات عن الاستثمار. ومع تزايد الضغوط على المالية العامة، أصبح نطاق خفض ضريبي كبير آخر محدوداً. وهذا يترك الاقتصاد الأميركي مع عدد أقل من ممتصات الصدمات، وهو على وشك مواجهة صدمة كبيرة إلى حد كبير، وفق تحليل لمجلة إيكونوميست البريطانية.