الصين تقلب المعادلة... كيف هزمت بكين واشنطن في الحرب التجارية؟

04 نوفمبر 2025   |  آخر تحديث: 14:21 (توقيت القدس)
ترامب خلال لقائه شي في بوسان بكوريا الجنوبية، 30 أكتوبر 2025 (Getty)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- منذ بداية الحرب التجارية مع الولايات المتحدة، أصبحت الصين قوة اقتصادية مؤثرة من خلال سيطرتها على المواد الخام الأساسية للصناعات التكنولوجية والعسكرية، مما جعلها لاعباً محورياً في سلاسل الإمداد العالمية.

- رغم العقوبات الأميركية، استمرت الصين في تعزيز موقعها كمورد لا غنى عنه، حيث تسيطر على نسبة كبيرة من معالجة عناصر الأرض النادرة، مما يمنحها القدرة على التأثير في الأسواق والصناعات الحساسة.

- في اجتماع بوسان، توصلت الصين والولايات المتحدة إلى اتفاق تجاري، حيث وافقت الصين على تعليق القيود التصديرية مقابل خفض جزئي في الرسوم الجمركية، مما عزز نفوذها دون تقديم تنازلات جوهرية.

تحولت الحرب التجارية بين الصين والولايات المتحدة، التي بدأت عام 2018 بخلاف على الرسوم الجمركية، إلى سباق نفوذ اقتصادي واسع تقوده بكين على موارد الصناعة الحديثة. فخلال سبع سنوات من التصعيد، أثبتت الصين، بحسب "بلومبيرغ" أنها الطرف القادر على إعادة تعريف أدوات القوة التجارية، من خلال السيطرة على المواد الخام التي يقوم عليها الاقتصاد الرقمي العالمي، وفي مقدمتها عناصر الأرض النادرة والمعادن الحيوية التي تعد أساس الصناعات التكنولوجية والعسكرية. وقالت "فورين بوليسي" إن النظام الاقتصادي في بكين يدرك أن التجارة ليست مجرد تبادل سلعي، بل أداة استراتيجية لإدارة القوة والتأثير، ولذلك واصلت الصين بناء منظومة اقتصادية متكاملة تسمح لها بالتحكم في إيقاع الأسواق العالمية دون الحاجة إلى مواجهة مباشرة.

وتظهر بيانات وزارة التجارة الأميركية أن حجم التبادل التجاري بين البلدين بلغ نحو 660 مليار دولار عام 2024، ما يعكس استمرار اعتماد واشنطن على الواردات الصينية لتشغيل قطاعاتها الصناعية الحساسة، من الشرائح الإلكترونية إلى البطاريات الكهربائية. غير أن بكين، وفقاً لـ"بلومبيرغ"، حولت هذا الاعتماد إلى نفوذ صامت، لكنه فعال، مكنها من الحفاظ على موقعها مورداً لا يمكن الاستغناء عنه في الصناعات العالمية الحيوية، رغم العقوبات والرسوم التي فرضتها واشنطن.

بكين تمسك بمفتاح الصناعة العالمية

وباتت الصين لاعباً محورياً في سلاسل الإمداد الصناعية العالمية بفضل سيطرتها شبه الكاملة على معالجة عناصر الأرض النادرة. فبحسب تحليل صادر عن مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية (CSIS)، تصل نسبة معالجة هذه المعادن داخل الصين إلى نحو 90 في المائة من المعالجة العالمية، ما يمنح بكين قدرة فائقة على التأثير في الأسواق والصناعات الحساسة دون اللجوء إلى مواجهات تجارية مباشرة.
واستخدمت الصين هذه الموارد أداةَ ضغط منذ وقت مبكر، بحسب مركز الدراسات الاقتصادية الأوروبي (CEPR)، فقد قيدت الصادرات في أزمات مع اليابان عام 2010 ومع الولايات المتحدة عام 2019، وفي أكتوبر/ تشرين الأول 2025، أعلنت وزارة التجارة الصينية توسيع القيود على تصدير المعادن النادرة لتشمل الغاليوم والجرمانيوم والجرافيت، وقال معهد "ميركس" للأبحاث في تقرير له إن هذه الإجراءات الصينية ليست مؤقتة، بل جزء من سياسة طويلة الأمد تهدف إلى إخضاع تدفقات المواد الحيوية للرقابة الوطنية ضمن مفهوم الأمن الصناعي الصيني.

ووفقاً لبيانات هيئة المسح الجيولوجي الأميركية (USGS) لعام 2025، أنتجت الصين نحو 220 ألف طن من عناصر الأرض النادرة، أي ما يعادل 70 في المئة من الإنتاج العالمي البالغ قرابة 310 آلاف طن. كذلك تستحوذ على أكثر من 85 في المئة من طاقة التكرير والمعالجة حول العالم، وهي المرحلة الأكثر حساسية في سلاسل القيمة الصناعية. أما من حيث الاحتياطيات، فتقدر وزارة الموارد الطبيعية الصينية أن البلاد تمتلك 44 مليون طن من الاحتياطي القابل للاستخراج، وهو ما يضعها في المرتبة الأولى عالمياً أمام فيتنام وروسيا. وفي المقابل، تظهر بيانات وزارة الطاقة الأميركية أن الولايات المتحدة لا تمتلك سوى منشأة تكرير واحدة عاملة في كاليفورنيا (منجم ماونتن باس)، بطاقة لا تتجاوز 15 ألف طن سنوياً، ما يجعلها تعتمد بشكل شبه كامل على الخام أو المواد الوسيطة القادمة من الصين.

وتشير تقديرات منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD) إلى أن 20 صناعة استراتيجية أميركية (من أشباه الموصلات إلى المركبات الكهربائية) تعتمد بنسبة تراوح بين 60 و90 في المائة على الإمدادات الصينية المباشرة أو غير المباشرة. وهذه الأرقام، بحسب تقرير وكالة الطاقة الدولية (IEA) الصادر في يوليو/ تموز 2025، تعني أن أي اضطراب في الإمدادات الصينية قد يرفع الأسعار العالمية للمعادن الحيوية بنسبة تتجاوز 35 في المئة خلال ستة أشهر، ويؤثر مباشرةً بإنتاج البطاريات ومحركات الطائرات والصناعات الدفاعية في الغرب.

اتفاق بوسان

وفي نهاية أكتوبر/ تشرين الأول الماضي، اجتمع الرئيس الأميركي دونالد ترامب ونظيره الصيني شي جين بينغ في مدينة بوسان الكورية الجنوبية، في خطوة عبّرت عنها واشنطن بأنها محاولة لكبح النفوذ الصيني. غير أن النتائج العملية لهذا اللقاء أظهرت تحولاً في ميزان القوى، وخرجت الصين من الطاولة التفاوضية من دون تنازلات جوهرية، بل من موقع قوة، مستفيدة من أوراق تحكمها في إمدادات الموارد الحيوية، بحسب وسائل إعلام أميركية. وبعد يومين من المحادثات، أصدر البيت الأبيض في الأول من نوفمبر الجاري "ورقة حقائق" رسمية أعلنت التوصل إلى اتفاق تجاري واقتصادي شامل. نصت الوثيقة على التزامات صينية بتعليق تنفيذ القيود التصديرية الموسعة على المعادن النادرة، وإصدار تراخيص عامة لتوريد مواد حيوية إلى المستخدمين الأميركيين والغربيين، مقابل خفض جزئي في الرسوم الجمركية الأميركية وتأجيل العقوبات المفروضة بموجب المادة 301 حتى نوفمبر/ تشرين الثاني 2026.

لكن ما قدمته واشنطن بوصفه "اختراقاً تفاوضياً كبيراً"، قرأته الصحافة الأميركية من زاوية مختلفة. فقد وصفت "بلومبيرغ" الاتفاق بأنه "انتصار صيني في الحرب التجارية دون قتال"، موضحة أن بكين لم تقدم تنازلات جوهرية، بل اشترت الوقت لتركيز جهودها على أهداف استراتيجية أهم، مثل تايوان والتفوق التكنولوجي. واعتبرت أن الولايات المتحدة امتلكت الأضواء، لكن الصين سرقت المشهد، في إشارة إلى براعة بكين في تحويل مواردها من أداة دفاع إلى سلاح اقتصادي هادئ أعاد صياغة ميدان الحرب التجارية لمصلحتها. أما "فورين بوليسي"، فقد أشارت إلى أن "بكين خرجت من المفاوضات وهي أكثر ثقة بنفسها، بعدما أدركت واشنطن أن الضغط الجمركي لم يعد مجدياً في مواجهة دولة تتحكم في شرايين الصناعة الحديثة". وأضافت أن الاتفاق "أنهى مرحلة الرسوم وبدأ مرحلة الموارد"، في إشارة إلى تحول أدوات الصراع من السياسات المالية إلى السيطرة على المواد الأولية الحيوية. وبذلك، مثل اتفاق بوسان ليس نهاية الحرب التجارية، بل بداية نظام تفاوضي جديد تفرض فيه الصين الإيقاع الاقتصادي العالمي من موقع المورد الذي لا يمكن الاستغناء عنه، فيما اكتفت واشنطن بتهدئة مؤقتة لتجنب اضطراب أسواقها الصناعية في عام انتخابي حساس.

المكاسب الصينية 

وبحسب بيانات وزارة التجارة الصينية الصادرة في 3 نوفمبر/ تشرين الثاني الجاري، لا يشمل قرار تعليق القيود التصديرية التخلي عن الرقابة على المواد الحيوية، بل يهدف إلى ضمان استقرار الأسواق الدولية مع الحفاظ على مصالح الصين الصناعية. وهو ما يعني أن بكين احتفظت بالصلاحيات القانونية لإعادة تفعيل القيود في أي وقت، وأن عنصر المفاجأة الاستراتيجي ظل بيدها. وفي الوقت ذاته، أظهرت بيانات الجمارك الصينية لشهر نوفمبر الجاري ارتفاع صادرات المعادن النادرة بنسبة 6.8 في المائة مقارنة بالشهر السابق، ما يشير إلى عودة النشاط التجاري إلى وتيرته المعتادة بعد فترة التوتر، من دون تأثير يذكر على إيرادات القطاع. وبحسب رويترز، فقد ساهم هذا الاستقرار في تهدئة الأسواق الصناعية في اليابان وكوريا الجنوبية، اللتين تعتمد صناعاتهما التكنولوجية على الإمدادات الصينية من العناصر المغناطيسية.

أما على صعيد السوق الأميركية، فقد انعكس الاتفاق في صورة مؤقتة من الهدوء، إذ أظهرت بيانات مكتب التحليل الاقتصادي الأميركي (BEA) أن العجز التجاري مع الصين لم يتقلص في الربع الأخير من 2025، بل استقر عند مستوى 83 مليار دولار، ما يشير إلى أن التغييرات المعلنة لم تحدث تحولاً هيكلياً في التوازن التجاري بين البلدين. ويرى محللون أن أكبر مكسب لبكين لم يكن اقتصادياً مباشراً، بل سياسياً، إذ أثبتت أنها قادرة على انتزاع تنازلات من الولايات المتحدة عبر إدارة الأزمة لا عبر الصدام، وأنها باتت تتحكم في إيقاع الأسواق العالمية من موقع المورد الحاكم، بينما تحولت واشنطن إلى المتلقي الذي يسعى لضمان الاستقرار. وبهذا، عززت الصين صورتها قوةً قادرةً على تحقيق المكاسب دون مواجهة عسكرية أو مالية مباشرة، مستخدمة مزيجاً من الانضباط الصناعي والسياسات المرحلية، وهو ما وصفته بلومبيرغ إيكونوميكس بأنه "استراتيجية صبر استراتيجي" أعادت توجيه مسار الحرب التجارية لمصلحتها على المدى الطويل.

المساهمون