الصين تدشن خطاً قطبياً نحو أوروبا يتجنب قناة السويس والبحر الأحمر

16 اغسطس 2026   |  آخر تحديث: 22:24 (توقيت القدس)
تراهن بكين على المسار القطبي لتنويع طرق تجارتها، النرويج في 17 يوليو 2026 (Getty)

غادرت سفينة الحاويات "برج دبي" ميناء "نينغبو - تشوشان" شرقي الصين، مساء أمس السبت، متجهة إلى أوروبا عبر الدائرة القطبية الشمالية، في أول رحلة ضمن خدمة منتظمة تتيح للسفن الصينية تجنب قناة السويس والبحر الأحمر، وفقاً لوكالة أنباء "شينخوا" الصينية.

ونقلت الوكالة عن الرئيس التنفيذي للشركة الصينية المتخصصة في الشحن البحري والمشغلة للخط "سي ليجند" فانغ يي قوله إن "السفينة ستتوقف بعد مغادرتها الصين في ميناء فيليكسستو البريطاني، ثم روتردام الهولندي وهامبورغ الألماني وغدينيا البولندي".

وأضاف فانغ يي أن "السفينة تحمل خزانات لتخزين الطاقة وبطاريات ومكونات للطاقة الشمسية وقطع غيار لمركبات الطاقة الجديدة، إلى جانب بضائع مرتفعة القيمة وحساسة لعامل الوقت". وأوضح أن "معظم الشحنات جاءت من نينغبو ويوو ومدن أخرى في منطقة دلتا نهر يانغتسي، لتلبية طلبات التصدير إلى السوق الأوروبية خلال موسم الذروة".

وكان مقرراً أن تنطلق الرحلة الأولى الأربعاء الماضي، لكن الشركة عدلت موعد مغادرة السفينة بسبب الأحوال الجوية، لتبحر فعلياً مساء أمس السبت.

وتعتزم الشركة الصينية المتخصصة في الشحن البحري "سي ليجند" تشغيل هذا الخط أسبوعياً حتى مطلع أكتوبر/تشرين الأول، ضمن ثماني رحلات مقررة باستخدام سبع إلى ثماني سفن مؤهلة للإبحار في المناطق الجليدية.

وكانت الشركة قد نفذت رحلة تجريبية عبر المسار نفسه في سبتمبر/أيلول 2025، عندما أبحرت سفينة "جسر إسطنبول" من "نينغبو" إلى "فيليكسستو" ووصلت إلى بريطانيا خلال نحو 20 يوماً. ويمثل إطلاق الرحلات الأسبوعية انتقالاً من الرحلات المنفردة إلى خدمة موسمية مجدولة.

طريق يختصر الرحلة إلى النصف

يُعرف المسار باسم "طريق الحرير الجليدي"، وهو ممر بحري يربط شرق آسيا بشمال أوروبا عبر مضيق "بيرينغ" والمحيط المتجمد، ثم يمتد بمحاذاة الساحل الشمالي لروسيا وصولاً إلى المحيط الأطلسي.

ويختصر الطريق مدة الرحلة بين "نينغبو" و"فيليكسستو" إلى نحو 20 يوماً، مقابل قرابة 40 يوماً عبر المسارات الجنوبية. وكانت الرحلة التجريبية التي أجرتها الشركة عام 2025 قد قطعت المسافة خلال نحو 18 إلى 20 يوماً.

ويساعد اختصار المسافة على خفض استهلاك الوقود وتكاليف تشغيل السفن وتسريع وصول البضائع إلى أوروبا، خصوصاً المنتجات مرتفعة القيمة التي تحتاج إلى نقل أسرع من الشحن البحري التقليدي، من دون تحمل التكلفة العالية للنقل الجوي.

تجاوز السويس وباب المندب وملقا

تكمن الأهمية الاستراتيجية للطريق في تمكين السفن المنطلقة من الصين نحو شمال أوروبا من تجنب مضيق ملقا والمحيط الهندي وباب المندب والبحر الأحمر وقناة السويس.

كما يسمح المسار بتفادي الدوران حول رأس الرجاء الصالح، وهو الطريق الأطول الذي لجأت إليه شركات شحن عديدة عقب اضطراب الملاحة في البحر الأحمر، وما صاحبه من ارتفاع تكاليف الوقود والتأمين وإطالة زمن الرحلات.

وتراهن بكين على المسار القطبي لتنويع طرق تجارتها وتقليل اعتمادها على الممرات البحرية المعرضة للصراعات والاختناقات الجيوسياسية. ويمنح الطريق شركات الشحن خياراً إضافياً خلال فترات تعطل الملاحة أو ارتفاع تكاليف المرور عبر الطرق الجنوبية.

طريق موسمي تديره روسيا

يستفيد الخط من انحسار الجليد خلال أواخر الصيف، ما يسمح لبعض السفن بالعبور من دون مرافقة مستمرة من كاسحات الجليد. وتتركز نافذة الملاحة المناسبة بين يوليو/تموز وأكتوبر/تشرين الأول، قبل أن يؤدي اتساع الجليد الشتوي إلى إغلاق الطريق أمام الرحلات التجارية المنتظمة.

وينقسم الطريق البحري الشمالي إلى 28 قطاعاً، تخضع لشروط مختلفة بحسب كثافة الجليد وحالة الطقس. وتتولى الإدارة الروسية للطريق إصدار تصاريح العبور وتحديد متطلبات الملاحة، بينما تدير مؤسسة الطاقة النووية الحكومية الروسية "روساتوم" البنية التحتية للمسار منذ عام 2018.

وقد تحتاج السفن إلى مرافقة كاسحات الجليد عند تغير الأحوال الجوية أو عودة الجليد إلى بعض أجزاء الطريق، ما يرفع تكاليف التأمين والتشغيل ويجعل انتظام الرحلات مرتبطاً بالظروف الطبيعية.

نشاط متزايد ومخاوف بيئية

وأظهرت بيانات نشرها "مركز الشمال للخدمات اللوجستية" في ديسمبر/كانون الأول الماضي ارتفاع عدد رحلات عبور سفن الحاويات عبر الطريق البحري الشمالي من 11 رحلة عام 2024 إلى 15 رحلة عام 2025، بزيادة 36%. كما ارتفعت رحلات سفن البضائع السائبة من 15 إلى 23 رحلة.

وأظهرت دراسة لباحثين من جامعة ساوثهامبتون بالتعاون مع المركز الوطني البريطاني لعلوم المحيطات، في 21 يوليو/تموز الماضي، أن مساحة الجليد البحري في القطب الشمالي خلال ذروة الشتاء انخفضت 5.8% بين عامي 2024 و2025، في أكبر تراجع سنوي منذ بدء سجلات الأقمار الاصطناعية عام 1978.