الصين تجني ثمار الحرب وتحقق مكاسب

18 مارس 2026   |  آخر تحديث: 00:21 (توقيت القدس)
سيارات بي واي دي الكهربائية الصينية، برلين في 23 مايو 2025 (Getty)
+ الخط -
اظهر الملخص
- استراتيجية الطاقة الكهربائية في الصين: تعتمد الصين على الكهرباء لتقليل تأثير صدمات النفط، حيث يشكل استهلاك الطاقة الكهربائية أكثر من 30% من إجمالي استهلاك الطاقة، مما يقلل حساسيتها لتقلبات أسعار النفط. التحول نحو السيارات الكهربائية يقلل الطلب على النفط، مع توقعات بوصول الطلب إلى ذروته بحلول 2027.

- الصين كمركز عالمي للبدائل الطاقية: تسيطر الصين على 80% من تصنيع الألواح الشمسية وتوربينات الرياح والبطاريات، مما يعزز مكانتها في السوق العالمية للطاقة النظيفة.

- قدرات الصين على امتصاص الصدمات الاقتصادية: تمتلك الصين مخزونات نفطية ضخمة تقدر بـ1.4 مليار برميل، مما يوفر مرونة في مواجهة الاضطرابات. تلعب دوراً مهماً في المفاوضات الدولية بفضل قطاع الطاقة النظيفة.

بينما تنشغل الدول الغربية بتداعيات الحرب في المنطقة على اقتصاداتها واستنزاف مواردها العسكرية والدبلوماسية، وتكافح إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب لاحتواء التضخم الناتج عن وصول أسعار الوقود إلى 3.72 دولارات للغالون، تتجه الأنظار إلى الصين بوصفها أحد أبرز المستفيدين المحتملين من هذه الفوضى الجيوسياسية. وبحسب تحليل لمدير مركز سياسة الطاقة العالمية بجامعة كولومبيا، جيسون بوردوف، والباحثة المتخصصة في أسواق الطاقة الصينية، إيريكا داونز، فإن الحرب قد تعزز موقع الصين بدلاً من إضعافه، رغم اعتمادها الكبير على واردات الطاقة، إذ يمر نحو نصف وارداتها النفطية وثلث وارداتها من الغاز الطبيعي المسال عبر مضيق هرمز. ويرى الباحثان أن الأزمات غالباً ما تعيد تشكيل الجغرافية السياسية للطاقة بطرق غير متوقعة، وهذه الأزمة قد تكون مثالاً واضحاً على ذلك، وفق "فورين بوليسي". 

تشير المعطيات إلى أن المكسب الجوهري الأول للصين يتمثل في نجاح استراتيجيتها طويلة الأمد القائمة على الكهرباء كدرع واق ضد صدمات النفط. ففي الوقت الذي يظل فيه المستهلك الأميركي رهينة لتقلبات الأسعار العالمية، بات أكثر من 30% من استهلاك الطاقة النهائي في الصين قائما على الكهرباء المولدة محلياً، ما يقلل من حساسيتها لاضطرابات أسواق الخام، بحسب بيانات وكالة الطاقة الدولية.  كما تجاوزت حصة السيارات الكهربائية نصف إجمالي المبيعات المحلية. وأسهم هذا التحول في تجنب نمو الطلب على النفط بنحو 1.2 مليون برميل يومياً منذ عام 2019، مع توقعات ببلوغ الطلب ذروته بحلول عام 2027، وهو ما يعكس تحولا هيكليا يقلل من حساسية الاقتصاد الصيني للصدمات النفطية.

وفي المقابل، أوجدت الأزمة الحالية فرصة استراتيجية ثانية للصين عبر ترسيخ موقعها كمركز عالمي للبدائل الطاقية. فقد أدى استهداف منشآت النفط والغاز في منطقة الخليج وتعطل الإمدادات إلى تقويض الثقة في موثوقية الوقود الأحفوري، ما دفع الدول المستوردة، خصوصا في أوروبا، إلى تسريع التحول نحو الكهرباء. وفي هذا السياق، تبرز الصين بوصفها المستفيد الأكبر، إذ تسيطر على نحو 80% من قدرات تصنيع الألواح الشمسية وتوربينات الرياح والبطاريات عالمياً، إضافة إلى دورها المحوري في معالجة المعادن الحيوية المستخدمة في هذه الصناعات، ما يجعل أي انتقال عالمي نحو الطاقة النظيفة مرتبطا مباشرة بسلاسل التوريد الصينية. 

طهران كثّفت استهداف موانئ الخليج ومضيق هرمز، 1 مارس 2026 (فاضل سنا/فرانس برس)
اقتصاد دولي
التحديثات الحية

في موازاة ذلك، عززت بكين من قدراتها على امتصاص الصدمات، عبر مخزونات نفطية ضخمة تقدر بنحو 1.4 مليار برميل توفر تغطية تمتد إلى 120 يوما من الواردات، ما يمنحها قدرة أكبر على مناورة واسع في مواجهة أي اضطرابات مفاجئة، مقارنة بالولايات المتحدة التي شهد احتياطيها الاستراتيجي تراجعاً ملحوظاً خلال السنوات الأخيرة، بحسب شركة كايروس لتحليل بيانات الطاقة. كما تدخل الصين أي مفاوضات دولية مدعومة بقطاع طاقة نظيفة يشكل نحو 11% من ناتجها المحلي، ما يقلل من فعالية أدوات الضغط التقليدية القائمة على النفط.

وفي الوقت الذي تجني فيه الصين ثمار الحرب طاقياً، يتحرك رأس المال الصيني الخاص لاختراق الجدران الحمائية الأميركية. فوفقاً لمحللين استراتيجيين، لا يمكن لشعار "صُنع في أميركا" أن يتحقق فعلياً دون قبول المعرفة الفنية (Know-how) الصينية. وإلى جانب المكاسب التي تحققها الصين في قطاع الطاقة، يتجه رأس المال الصيني الخاص إلى لعب دور متزايد في معادلة إعادة التصنيع الأميركية، في ظل التوجه الذي تتبناه إدارة ترامب تحت شعار "صنع في أميركا". 

وبينما تجني الصين ثمار الحرب في مجال الطاقة، يتحرك رأس المال الصيني الخاص لاختراق الجدران الحمائية الأميركية. فوفقاً لمحللين استراتيجيين، لا يمكن لشعار "صُنع في أميركا" أن يتحقق فعلياً دون الاستفادة من الخبرة الصناعية والتكنولوجية الصينية، خاصة في القطاعات المتقدمة التي تمتلك فيها بكين تفوقا واضحا، مثل البطاريات والمركبات الكهربائية وسلاسل التوريد الصناعية. وبينما تحاول واشنطن حث بكين على شراء الطاقة الأميركية لتقليل العجز، ترفض في المقابل استثمارات صينية في قطاعات غير حساسة، وهو ما يعتبره الخبراء "تناقضا يعيق إعادة التصنيع في أميركا". 

ويمثل نموذج فورد-كات (نموذج التعاون بين شركة فورد الأميركية وكاتل الصينية) المخرج الوحيد لواشنطن للحفاظ على تنافسيتها، بحسب الخبراء. ويعتبر هذا النموذج، بحسب خبراء الصناعة، أحد المسارات القليلة القابلة للتطبيق للحفاظ على تنافسية الصناعة الأميركية، إذ إن استبعاد المعرفة الصناعية الصينية في قطاعات استراتيجية لا يلغي الحاجة إليها، بل يؤدي إلى ارتفاع التكاليف، وإبطاء وتيرة التوسع، وتقليص جاذبية الاستثمار في هذه الصناعات، ويبطئ نمو الاقتصاد الأميركي.