الصين تتمسك بنموذجها الاقتصادي قبيل محادثات... حرب تجارية في الأفق؟

02 اغسطس 2026   |  آخر تحديث: 22:36 (توقيت القدس)
فائض الصين التجاري يشعل خلافها مع أميركا وأوروبا (العربي الجديد)
+ الخط -
اظهر الملخص
- النموذج الاقتصادي الصيني وموقف الغرب: تدافع الصين عن نموذجها الاقتصادي الذي يركز على توجيه الاستثمارات نحو الصناعات المتقدمة، بينما تواجه ضغوطًا غربية لتحفيز الاستهلاك المحلي وتقليص دعم المنتجين، مما يعتبره الغرب سياسات تجارية حمائية.

- المفاوضات التجارية والتوترات الدولية: تستعد الصين لمحادثات تجارية مع الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، وسط مخاوف من تجاوز الفائض التجاري الصيني تريليون دولار، مستفيدة من هيمنتها على إنتاج العناصر الأرضية النادرة.

- التحديات الداخلية والضغوط الخارجية: تواجه الصين تحديات مثل ضعف الاستهلاك وفائض الطاقة الإنتاجية، بينما تحاول إدارة التوترات مع الغرب دون تقديم تنازلات كبيرة، مستفيدة من تجربتها مع الرسوم الأميركية.

تدافع الصين بقوة عن نموذجها الاقتصادي القائم على توجيه الاستثمارات نحو الصناعات المتقدمة، في مواجهة ضغوط غربية تطالبها بتحفيز الاستهلاك المحلي وتقليص دعم المنتجين. ويرى محللون أن تشدد بكين يعكس ثقة متزايدة قبيل محادثات تجارية مرتقبة مع الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي. ويخطط الرئيس الصيني شي جين بينغ ونظيره الأميركي دونالد ترامب لعقد مزيد من اللقاءات المباشرة خلال العام الجاري، فيما حددت بروكسل مهلة تنتهي في أكتوبر/تشرين الأول أمام بكين لمعالجة الخلافات التجارية، وسط مخاوف من تجاوز الفائض التجاري الصيني تريليون دولار.

وتصف دول غربية السياسات الصينية بأنها تجارية حمائية تتعارض مع قواعد التجارة العالمية، وترى أن منح المنتجين أولوية على الأسر يؤدي إلى تدفق سلع منخفضة الأسعار إلى الأسواق الخارجية، ويضغط على الصناعات المحلية في الاقتصادات التي تسعى إلى تحقيق نمو أكثر توازنا.

استمرار النموذج الاقتصادي

أظهر اجتماع لكبار قادة الحزب الشيوعي الصيني، الخميس الماضي، تمسك بكين بالتوجهات الاقتصادية الحالية، إذ دعا إلى تقديم دعم محدد وموجه، دون إقرار حوافز استهلاكية واسعة أو تغييرات هيكلية من النوع الذي تطالب به الدول الشريكة وعدد من الاقتصاديين.

وقبل الاجتماع بأيام، أصدرت وزارة التجارة الصينية ورقة بشأن ما وصفته بمزاعم فائض القدرة الصناعية، واتهمت الدول الغربية باتباع سياسات حمائية، معتبرة أن الاتهامات الموجهة إلى نموذجها الاقتصادي تستند إلى عيوب منطقية ودوافع غير معلنة. وقال كبير الاقتصاديين في وحدة المعلومات التابعة لمجلة "الإيكونوميست" البريطانية شو تيانتشن، إن "هذه الرسائل لا تعني بالضرورة أن الصين ترفض تغيير مسارها، لكنها تهدف إلى توضيح خلفية سياساتها ورسم خطوط حمراء قبل المفاوضات". وأضاف أن "ورقة وزارة التجارة أكدت رفض الصين اتخاذ إجراءات تمييزية ضد شركاتها ومنتجاتها".

فرصة صينية أم صدمة جديدة؟

تقول بكين إن نموذجها الاقتصادي يلائم احتياجات دولة لم تستكمل بعد اللحاق بالاقتصادات المتقدمة، وإن منتجاتها لم تعد أقل سعرا فقط، وإنما أصبحت أعلى جودة، فيما تستطيع استثماراتها في التكنولوجيا والعلوم إفادة الاقتصاد العالمي.

ورفض رئيس مجلس الدولة الصيني لي تشيانغ التحذيرات من وقوع ما يُعرف بـ "صدمة الصين 2.0"، التي تشير إلى احتمال إزاحة الشركات الصينية منافسيها الغربيين من قطاعات التصنيع المتقدم، وقدم بدلا منها مفهوم "فرصة الصين 2.0" للاقتصاد العالمي. لكن أستاذ السياسة التجارية في جامعة كورنيل والمدير السابق لإدارة الصين في صندوق النقد الدولي، إسوار براساد، رأى أن هذا الخطاب لا يلقى قبولا لدى الدول المتأثرة بالصادرات الصينية. وقال إن "اعتماد الصين الكبير على التصدير لدعم نموها، في ظل ضعف الطلب المحلي، يجعل من الصعب تقديم صادراتها بوصفها مكسبا للمستهلكين في مختلف أنحاء العالم".

وكانت واشنطن قد حاولت زيادة الضغط على بكين من خلال رسوم جمركية تجاوزت 100% خلال العام الماضي، إلا أن الصين استعادت جزءا من موقعها التفاوضي مستفيدة من هيمنتها على إنتاج العناصر الأرضية النادرة الضرورية لقطاعات صناعية عالمية عديدة.

وفي أوروبا، يعمل الاتحاد الأوروبي على تطوير سياساته الصناعية وتوجيه المشتريات المحلية لحماية سوقه، بعدما بلغ متوسط عجزه التجاري مع الصين نحو مليار دولار يوميا خلال العام الماضي. كما انتقد المستشار الألماني فريدريش ميرز بكين بسبب إبقاء عملتها دون قيمتها الحقيقية.

وقالت كبيرة اقتصاديي منطقة آسيا والمحيط الهادئ لدى المجموعة المصرفية الفرنسية "ناتيكسيس"، أليسيا غارسيا هيريرو، إن "تجربة الرسوم الأميركية وفرت للصين نموذجا لإدارة التوترات تستخدمه حاليا مع أوروبا، يقوم على كسب الوقت وتخفيف الخلافات دون تقديم تنازلات كبيرة".

اختلالات داخلية وضغوط خارجية

خفضت بكين وتيرة الاستثمار خلال العام الجاري، خصوصا عبر تشديد الرقابة على إنفاق الحكومات المحلية، الذي يرى اقتصاديون أنه ساهم في تكوين طاقات إنتاجية فائضة في التصنيع والبنية التحتية. واعترف مسؤولون صينيون بوجود تناقض بين العرض والطلب، وتعهدوا بإنهاء حروب الأسعار الانكماشية بين المنتجين المتنافسين على الحصص السوقية على حساب الأرباح. كما أكدوا ضرورة تعزيز طلب المستهلكين، من دون إعلان خطة واسعة للإصلاح الهيكلي.

وقدرت منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية أن الدعم الحكومي يفسر مكاسب الحصة السوقية لدى نحو 60% من الشركات الصينية. وخلصت دراسة لمصرف إيطاليا إلى أن عوامل داخلية، من بينها ضعف الاستهلاك وفائض الطاقة الإنتاجية، أسهمت بنحو 75% من نمو الصادرات الصينية. وأشار تقرير لمعهد الأبحاث العالمي "ماكينزي" إلى أن الصين تضيف سنويا أصولا إنتاجية تعادل ثلاثة أمثال ما تضيفه أوروبا والولايات المتحدة مجتمعتين، في حين تقل عوائد رأس المال لديها بنحو 40%.

وقال المؤسس المشارك للمؤسسة الأميركية للأبحاث الاقتصادية "روديوم"، دانيال روزن إن دفاع الصين عن نموذجها أصبح أكثر انتظاما ورسمية، بالتزامن مع تزايد الأدلة على انتقال آثار مشكلاتها الاقتصادية الداخلية إلى بقية العالم.