الصين "أوبك الجديدة": هيمنة على سوق النفط عبر ثلاثة مفاتيح
- استراتيجيات الصين في إدارة النفط: تعتمد الصين على إدارة المخزونات، تقييد صادرات المنتجات النفطية، وخفض الطلب المحلي، حيث اشترت كميات كبيرة بأسعار منخفضة قبل الأزمة وسحبت من مخزوناتها خلال الأزمة.
- مرونة الاقتصاد الصيني في مواجهة أزمة النفط: رغم التقشف، صمد الاقتصاد بفضل الاستثمار في الطاقة المتجددة والنقل الأخضر، مما وفر مرونة في منظومة الطاقة، مع وجود مساحة للمناورة باستخدام الاحتياطيات الاستراتيجية.
لم تعد السيطرة على سوق النفط العالمي حكراً على الدول المنتجة. فبينما اعتادت منظمة البلدان المصدرة للبترول (أوبك) وحلفاؤها التأثير في الأسعار عبر خفض الإنتاج أو زيادته، أظهرت حرب إيران أن الصين التي تُعد أكبر مستورد للخام في العالم باتت تملك سلاحاً مختلفاً: القدرة على تحريك الأسعار عبر التحكم في الطلب والمخزونات والتكرير.
ربما تكون حرب إيران قد أحدثت أكبر صدمة في تاريخ إمدادات النفط، بعدما أدى إغلاق مضيق هرمز إلى احتجاز نحو 14 مليون برميل يومياً من الخام داخل الخليج، لكن أسعار النفط لم تصل إلى مستوى 150 دولاراً للبرميل الذي توقعه كثير من المحللين عند اندلاع الصراع. ووفقاً لتقرير أوردته مجلة "ذي إيكونوميست" الأحد، ساهمت عدة عوامل في تفادي السيناريو الأسوأ، من بينها ضخ نحو خمسة ملايين برميل يومياً عبر خطوط أنابيب تتجاوز مضيق هرمز من جانب الإمارات والسعودية، إضافة إلى الإفراج عن نحو مليوني برميل يومياً من المخزونات الطارئة في الولايات المتحدة واليابان، فضلاً عن إجراءات لترشيد الاستهلاك في بعض الدول.
لكن عاملاً آخر، وربما الأكثر أهمية، جاء من بكين. فبين فبراير/شباط ويونيو/حزيران، خفضت الصين وارداتها من النفط الخام بمقدار النصف تقريباً، أي بنحو 5.5 ملايين برميل يومياً، وهو ما يرى خبراء أنه ساهم في خفض سعر خام برنت، المعيار العالمي، بنحو 30 دولاراً أو أكثر للبرميل. وللمقارنة، فإن هذا الانخفاض يزيد عن نصف التراجع العالمي في الطلب على النفط خلال إغلاقات جائحة كوفيد-19، عندما انهار الاستهلاك العالمي بنحو تسعة ملايين برميل يومياً. لكن المفارقة أن الصين لم تكن تعاني هذه المرة ركوداً اقتصادياً يفسر هذا التراجع الكبير في مشترياتها.
وهنا تكمن قوة الصين الجديدة. فقد بات بإمكان أكبر مستورد للنفط في العالم تشغيل الطلب على الخام وإطفاءه بكلفة اقتصادية تبدو محدودة نسبياً، ما يمنحها قدرة على التأثير في الأسعار شبيهة، من زاوية معاكسة، بتلك التي تمتلكها أوبك بفضل سيطرتها على نحو نصف الإنتاج العالمي. ويقول أحد كبار مسؤولي تجارة النفط إن "الصين هي أوبك الجديدة". وبحسب المجلة، تملك بكين ثلاثة مفاتيح رئيسية لتحريك سوق النفط العالمي: إدارة المخزونات النفطية، وتقييد صادرات المنتجات النفطية، وخفض الطلب المحلي على الخام والوقود.
المفتاح الأول: مخزونات النفط
في الأشهر الـ12 التي سبقت أوائل عام 2026، ومع تراجع أسعار الخام تحت ضغط ما وصف بـ"التخمة الفائقة" في المعروض، اشترت الصين نحو 200 مليون برميل بأسعار منخفضة، مضيفة إياها إلى احتياطيات كانت تقدر بنحو مليار برميل. ويعتقد متعاملون أن عمليات الشراء الصينية ساهمت في رفع السعر العالمي للبرميل بما يراوح بين 10 و20 دولاراً قبل اندلاع حرب إيران. وفي فبراير/شباط، استوردت الصين نحو 11.6 مليون برميل يومياً، لكن ما يصل إلى مليون برميل يومياً من هذه الكمية ربما كان مخصصاً لزيادة المخزونات، وهو ما أتاح لبكين لاحقاً التوقف عن هذه المشتريات عندما بدأت الأزمة.
وبعد وصول آخر الشحنات الخليجية المتعاقد عليها قبل الحرب في أواخر إبريل/نيسان، بدأت الصين في سحب النفط من مخزوناتها الضخمة. وبحلول يوليو/تموز، كانت مخزونات الخام قد انخفضت بنحو 70 مليون برميل، وفق شركة فورتيكسا (Vortexa) المتخصصة في بيانات الطاقة، من دون احتساب السحوبات من المخزونات العائمة والمنشآت السرية. ومع احتساب تلك المصادر، تكون الصين قد سحبت نحو 150 مليون برميل خلال ثلاثة أشهر، أي ما يعادل نحو 1.5 مليون برميل يومياً.
وعند إضافة مليون برميل يومياً لم تعد الصين بحاجة إلى شرائها بغرض التخزين، وأصبح تأثير إدارة المخزونات مسؤولاً عن نحو 2.5 مليون برميل يومياً من أصل الانخفاض البالغ 5.5 ملايين برميل يومياً في واردات الخام. وترى فورتيكسا أن بكين قادرة على مواصلة السحب من مخزوناتها لنحو أربعة أشهر أخرى قبل أن تبدأ مستويات الاحتياطي بإثارة قلق السلطات.
المفتاح الثاني: تقييد صادرات الوقود من الصين
الصين هي ثاني أكبر دولة في العالم من حيث طاقة تكرير النفط، وكانت قبل الحرب مورداً رئيسياً للوقود إلى جيرانها في آسيا. لكن الحكومة الصينية أمرت في مارس/آذار المصافي بوقف توقيع عقود تصدير جديدة وإلغاء أو تعديل العديد من العقود القائمة. ونتيجة لذلك، تراجعت صادرات المنتجات النفطية الصينية بنحو النصف بين فبراير/شباط وإبريل/نيسان، إلى نحو 430 ألف برميل يومياً، بينها نحو 180 ألف برميل يومياً من وقود الطائرات عالي التكرير.
وأدى هذا الانخفاض إلى توفير ما يراوح بين 1.2 و1.8 مليون برميل يومياً من الخام كانت المصافي ستحتاج إليها لإنتاج الوقود المخصص للأسواق الخارجية. كما سمح تقييد الصادرات للصين باستخدام مزيد من إنتاج المصافي محلياً، وإعادة توجيه جزء من الخام نحو منتجات تحتاجها السوق الداخلية، مثل النافثا والغاز البترولي المسال (LPG) وزيت الوقود. وقد يعني ذلك انخفاض هوامش أرباح المصافي، لأن مبيعات التصدير تكون عادة أكثر ربحية من المبيعات المحلية، لكن الشركات الحكومية تستطيع تحمل هذه الكلفة في سبيل تأمين الطاقة للسوق الصينية.
المفتاح الثالث: خفض الطلب المحلي
لكن إدارة المخزونات وتقييد الصادرات لا يكفيان وحدهما لتفسير الانخفاض الهائل في واردات الصين. لذلك لجأت بكين إلى الأداة الثالثة: تقليص الاستهلاك المحلي من النفط والوقود. ففي يونيو/حزيران، عالجت المصافي الصينية نحو 2.7 مليون برميل يومياً أقل من مستواها في الشهر نفسه من العام السابق. وانخفض إنتاج البنزين بنسبة 14%، بينما تراجع إنتاج الديزل ووقود الطائرات بنسبة 21% لكل منهما. ويظهر الانخفاض بصورة أوضح في قطاع النقل. فمع السماح بارتفاع أسعار الوقود، بدأ عدد متزايد من سكان المدن الصينية يقللون استخدام سياراتهم في التنقل اليومي، ويتجهون إلى مترو الأنفاق والدراجات وسيارات الأجرة، التي يعمل عدد كبير منها بالطاقة الكهربائية.
وخلال عطلة وطنية استمرت أسبوعاً في مايو/أيار، ارتفع شحن السيارات الكهربائية على الطرق السريعة بنحو 55% مقارنة بالعام السابق. كما ازدادت أهمية القطارات على حساب الطيران الداخلي، الذي شهد خفضاً في عدد الرحلات، فيما أرجأت السلطات المحلية بعض مشاريع البنية التحتية، ما ساهم في خفض استهلاك الديزل. ويقدر محلل لدى وكالة الطاقة الدولية أن الصين استهلكت خلال أول شهرين من الحرب كمية من البنزين والكيروسين تقل بنحو 10% عن الفترة نفسها من العام السابق.
ولم تكن صناعة البتروكيماويات بمنأى عن هذه التحولات. فالصين، التي تمتلك أكبر صناعة بتروكيماويات في العالم، اعتادت تحويل ملايين البراميل يومياً من النافثا والغاز البترولي المسال، وكثير منها يأتي من الخليج، إلى بوليمرات تدخل في تصنيع البلاستيك والمطاط الصناعي والنايلون والبوليستر. لكن مع تراجع إمدادات المواد الأولية الخليجية وصدور توجيهات حكومية بإعطاء الأولوية لإنتاج الوقود، لجأت الشركات إلى الفحم والإيثان، وهو منتج ثانوي غازي لعمليات تكرير النفط، لإنتاج بعض البوليمرات.
اقتصاد الصين يصمد أمام أزمة النفط
المفارقة أن الاقتصاد الصيني استطاع حتى الآن تحمل هذا التقشف النفطي دون اضطرابات كبيرة. فقد ساهمت سنوات من الاستثمار الحكومي في الطاقة المتجددة والنقل الأخضر في جعل منظومة الطاقة الصينية أكثر مرونة، بينما خلفت المنافسة الشديدة والطاقة الإنتاجية الفائضة في قطاعات مثل البتروكيماويات مخزونات كبيرة غير مباعة من البوليمرات والمنتجات التي تدخل فيها. وتساعد هذه الهوامش الوقائية في تفسير عدم حدوث قفزة كبيرة في أسعار المنتجين أو المستهلكين.
ونما الاقتصاد الصيني بنسبة 4.3% في الربع الثاني، وهي أبطأ وتيرة منذ أواخر عام 2022، لكن هذا التباطؤ يرتبط بصورة أكبر بضعف الاستثمار وتداعيات أزمة العقارات، وليس بنقص النفط. كما لا تزال لدى بكين مساحة إضافية للمناورة، إذ يمكنها اللجوء إلى احتياطياتها الاستراتيجية من النفط، التي لم تستنزفها حتى الآن بصورة كبيرة.
لكن هل تستطيع الصين أن تصبح أوبك فعلاً؟
رغم القوة التي أظهرتها بكين، فإن المقارنة مع أوبك لها حدود واضحة، بحسب "ذي إيكونوميست". فمخزونات الصين من الخام والوقود والبوليمرات، رغم ضخامتها، ليست بلا نهاية. ولا يمكنها مواصلة خفض وارداتها بمقدار 5.5 ملايين برميل يومياً إلى أجل غير مسمى. في المقابل، تستطيع أوبك، من حيث المبدأ، إبقاء إنتاجها منخفضاً لسنوات طالما توافرت لديها القدرة الإنتاجية والاحتياطيات اللازمة.
لكن حرب إيران أظهرت أن الصين تستطيع، في خضم أزمة كبرى، استخدام مزيج من المخزونات والتكرير والطلب المحلي لتغيير معادلة سوق النفط العالمي، وربما تثبيت الأسعار على مدى أشهر. وهذا يمنح بكين نوعاً جديداً من القوة النفطية عبر قوة لا تعتمد على امتلاك آبار النفط، بل على امتلاك أكبر سوق للطلب تقريباً، وأضخم منظومة تكرير، ومخزونات هائلة، وقدرة الدولة على توجيه الاستهلاك والتجارة في وقت واحد.