السودان: الرسوم تخنق تجار الخرطوم.. وقفزة قياسية لأسعار السلع
استمع إلى الملخص
- فرضت حكومة الخرطوم رسوماً كبيرة على التجار، مما أثار جدلاً واسعاً، بينما تسعى الولاية لتوفير الخدمات الأساسية رغم فقدان الموارد، وقررت إعفاء بعض التجار من الرسوم لدعمهم.
- عودة بعض المصانع للعمل تواجه عقبات بسبب ارتفاع أسعار الإنتاج والرسوم، ويعاني المواطنون من ارتفاع تكاليف المعيشة وغياب الخدمات الأساسية، مطالبين بخطة لإنعاش القطاعات المختلفة.
لا تزال الأزمة الاقتصادية والمعيشية مستمرة في التفاقم في الخرطوم رغم الجهود المبذولة من قبل الأجهزة المختصة لإعادة بناء وإعمار ما دمرته الحرب، ومع استمرار عودة المواطنين من مناطق النزوح واللجوء إلا أن الأوضاع المعيشية تبدو غير ملائمة لاستقبال المزيد، في ظل الرسوم التي تفرضها ولاية الخرطوم على الأسواق والمؤسسات التجارية الأخرى وتدهور قيمة الجنيه السوداني، الأمر الذي أدى إلى زيادات كبيرة في أسعار السلع والخدمات، ما يعكس عمق الأزمة التي تواجه المواطنين.
ومع تسارع وتيرة توفير الخدمات الأساسية من كهرباء ومياه وإعمار طرق وإعادة تأهيل مستشفيات ومراكز صحية إلا أن الأوضاع المعيشية تتفاقم يوماً بعد يوم، حيث يشتكي بعض التجار من الرسوم التي تفرضها ولاية الخرطوم على بعض المؤسسات الخدمية والتجار، ما فاقم من أوضاع المواطنين، في وقت يشتكي كثير من المواطنين من انعدام فرص العمل وممانعة كثير من المؤسسات العودة إلى الخرطوم نتيجة للرسوم الكبيرة التي تفرضها الخرطوم على بعضها.
رسوم خانقة
وفرضت حكومة الخرطوم، عبر جهاز تطوير وتحصيل الموارد الموحد، رسوماً مالية على أصحاب المحلات التجارية بلغت 3 ملايين و600 ألف جنيه سوداني (نحو 6 آلاف دولار أميركي بحسب سعر الصرف الرسمي) تحت بند "خدمات وعوائد" مع مهلة لا تتجاوز 72 ساعة للسداد، وإلا سيتم تحويلهم إلى النيابة، ما أثار جدلاً واسعاً في الأوساط التجارية بالعاصمة، حيث قال التجار إن القرار يتناقض مع قرارات سابقة عن إعفاءات تشجيعية للتجار العائدين ضمن خطة لإنعاش الحركة التجارية، واعتبروا القرار مجحفاً وغير مبرر، في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة، مطالبين الحكومة بمنحهم فرصة لإعادة بناء نشاطهم التجاري، وتقسيط الرسوم بدلاً من إلزامهم بالدفع الفوري.
إلا أن ولاية الخرطوم في بيان توضيحي قالت إنها ظلت طوال فترة الحرب تجتهد في توفير الخدمات رغم فقدانها مواردها المالية بسبب الحرب، ومع ذلك فإن كل المال الذي يتوفر لها تقوم بتوظيفه لإصلاح مرافق المياه والصحة ومساعدة قطاع الكهرباء في أعمال الصيانة واستعادة الخدمات. وأضافت أنها ظلت تدعم المؤسسات والأفراد الذين استأنفوا نشاطهم، ولمزيد من الدعم والتشجيع قررت إعفاء التجار من الرسوم في المحليات التي طُهرت من التمرد، وهي (أم درمان – الخرطوم – بحري – شرق النيل – جبل أولياء – أمبدة) رغم الصرف الكبير على نقل الأنقاض ومخلفات الحرب والنفايات، ما عدا إلزام العاملين في قطاع الأطعمة والمشروبات باستخراج الكروت الصحية لضمان سلامة مقدمي هذه الخدمة، وقالت أي جهة شعرت بأن المحلية طالبتها برسوم جزافية بطرق أبواب أجهزة الولاية المشرعة لتلقي الشكاوى.
عقبة أمام المصانع والمستشفيات
وشهدت الفترة الماضية عودة بعض المصانع والشركات إلى دائرة العمل بولاية الخرطوم، إلا أن ارتفاع أسعار مدخلات الإنتاج بات يشكل عقبة أمام استمرار عملها نتيجة للتكلفة الكبيرة التي تنعكس سلباً على القوة الشرائية ما جعلها غير قادرة على الاستمرار. ويقول أحد مسؤولي مصانع عادت إلى العمل بولاية الخرطوم لـ"العربي الجديد": "التكلفة كبيرة، كما أن أجهزة ولاية الخرطوم فرضت رسوماً كبيرة لإعادة تشغيل المصنع"، وأضاف أن هذا أثر بصورة كبيرة على عملية الإنتاج بالإضافة إلى عدم توفر الخدمات الأساسية مثل الكهرباء والمياه، وكل ذلك يشكل عقبة أمام الاستمرار. وقال: "حينما قررنا العودة إلى العمل اعتقدنا بإعفاء من الرسوم وتوفير بعض الخدمات إلا أننا فوجئنا برسوم كبيرة رغم الدمار الذي خلفته الحرب للمصانع"، وأضاف أن هذا بالطبع انعكس بصورة سالبة لعدم عودة الكثيرين إلى حين تعديل في قرارات الولاية.
ومن جانبه، قال أحد الشركاء في مستشفى خاص يعتزم العودة إلى الخدمة بمدينة أم درمان إن ولاية الخرطوم طالبت الإدارة بمبلغ كبير يفوق قدرة المستشفى لعودته إلى العمل مجدداً في ظل الظروف الراهنة بعد أن شهد المشفى دماراً كبيراً. وأضاف: "استطعنا إعادة تأهيل بعض الأجزاء في المستشفى، ولكن إلى الآن لم نصل إلى تفاهمات مع الولاية التي طالبت بدفع المبلغ كاملاً لمزاولة المستشفى عمله بمدينة أم درمان".
موجة غلاء
مواطنون عادوا إلى الخرطوم بعد فقدانهم ممتلكاتهم وأعمالهم فوجئوا بالأسعار المتغيرة بصورة كبيرة، وقال المواطن إسماعيل إسحاق لـ "العربي الجديد": "رغم الدمار لا توجد خطة واضحة من ولاية الخرطوم نحو المواطن، وليس هنالك دعم يمكن أن يدفع المواطنين إلى العودة إلى الخرطوم، حتى المخابز تعمل وفق مجهودات خاصة بلا دعم إلى أن وصل سعر الرغيفة الواحدة 200 جنيه دون تدخلات". وأضاف أن "تعرفة المواصلات تصل إلى 3 آلاف جنيه في ظل غياب الخدمات الأساسية مثل الكهرباء والمياه، كما أن بُعد مسافات المراكز الصحية والمستشفيات والأسواق يشكل عقبة أمام المواطنين في البقاء"، مطالباً بخطّة سريعة لإنعاش القطاعات المختلفة وتسهيل الأمور للمواطنين بأن تكون الخدمات في متناولهم، "مع العلم أن العطالة منتشرة في الخرطوم".
وفي الأثناء، تغيرت أسعار السلع بأسواق الخرطوم ارتفاعاً خلال الأيام الماضية، وعزا التجار ذلك إلى الارتفاع المتسارع للعملات الأجنبية إضافة إلى الرسوم التي تفرض على التجار وحركة المنتجات من مناطق الإنتاج إلى الاستهلاك ما ضاعف من قيمة البضائع، ورغم وفرة المنتجات والسلع الاستهلاكية إلا أن غلاء الأسعار شكل ركودا في الأسواق. ووفقاً للتجار فإن أسعار اللحوم بلغت 20 ألف جنيه للكيلوغرام، والعدس 4 آلاف، والفاصوليا 6 آلاف، والأرز 3 آلاف، ولتر الزيت 8 آلاف، وكيلو السكر 4 آلاف جنيه، واللبن 25 ألف جنيه للكيلوغرام، والدقيق 3 آلاف، والجبنة 20 ألفاً، وطبق البيض 25 ألف جنيه.
وأوضح التاجر محمد الرضي بسوق بأم درمان أن هناك ارتفاعاً واضحاً في أسعار السلع الاستهلاكية خلال الأيام الأخيرة، حيث ارتفع سعر جوال السكر زنة 50 كيلوغراماً من 135 ألف جنيه إلى 145 ألف جنيه، مؤكداً أن سبب ارتفاع أسعار السكر يعود إلى نقص الإمدادات، مع وجود زيادات مماثلة في أسعار المواد الغذائية، إذ ارتفع سعر الدقيق زنة 25 كيلوغراماً من 30 ألف جنيه إلى 40 ألف جنيه. وأشار إلى أن أسعار العدس والأرز زنة 20 كيلوغراماً ارتفعت إلى 55 ألف جنيه، بعد أن كانت 45 ألف جنيه، فيما بلغ سعر "كرتونة" الشعيرية والمكرونة 18 ألف جنيه. ولفت إلى أن أسعار البصل تشهد استقراراً في الأسواق، حيث يبلغ سعر الجوال 90 ألف جنيه، بينما ارتفع سعر جوال الفول السوداني إلى 120 ألف جنيه مقارنة بـ105 آلاف جنيه في السابق.