السعودية تنوع اقتصادها عبر استثمارات الذكاء الاصطناعي
استمع إلى الملخص
- تتسابق الشركات العالمية للاستثمار في مراكز البيانات بالسعودية، مثل أمازون وأوراكل ومايكروسوفت، مستفيدة من الطاقة الرخيصة، وتواجه المملكة تحديات في نقص الكفاءات المحلية، مما يدفعها لاستيراد المواهب وتدريب مليون سعودي.
- يشهد الاقتصاد السعودي تحولاً نوعياً، حيث أصبحت البيانات والذكاء الاصطناعي موارد استراتيجية، وتسعى المملكة لبناء منظومة متكاملة لتحسين كفاءة القطاعات الحكومية والخدمية، مما يعزز جودة الحياة عبر خدمات عامة أكثر كفاءة.
تتجه السعودية بخطى متسارعة نحو تحويل البيانات والذكاء الاصطناعي من مجرد استثمارات ضخمة إلى ثروة اقتصادية حقيقية تمس حياة المواطنين، في ظل طموحات "رؤية 2030" بتنويع الاقتصاد بعيداً عن الاعتماد على النفط.
وبينما ضخت المملكة أكثر من 40 مليار دولار في مشاريع الذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات، تبقى التساؤلات قائمة عن مدى قدرة هذه الاستثمارات على خلق فرص عمل نوعية وتحسين مستوى معيشة السكان، وليس تعزيز البنية التحتية التقنية فقط.
وتشير التقديرات إلى أن الذكاء الاصطناعي قد يضيف نحو 135 مليار دولار إلى الناتج المحلي الإجمالي السعودي بحلول عام 2030، أي ما يعادل 12.4% من الاقتصاد، وفق تحليل أجرته "بي دبليو سي"، وهي شركة استشارات عالمية متخصصة في الخدمات المهنية والمحاسبة.
لكن الأثر الأعمق سيتجسد في التحول النوعي لسوق العمل، حيث تشير بيانات هيئة البيانات والذكاء الاصطناعي السعودية (سدايا) إلى أن القطاع الرقمي قد ساهم بالفعل بزيادة 1.4% في الناتج المحلي، مع خلق أكثر من 381 ألف وظيفة نوعية في قطاع التقنية وارتفاع مشاركة المرأة من 7% عام 2018 إلى 35% حالياً، متجاوزة متوسطات مجموعة العشرين والاتحاد الأوروبي، حسبما أورد تقرير نشرته وزارة الاتصالات وتقنية المعلومات السعودية، المعنية بإدارة قطاع الاتصالات والتحول الرقمي وتطويره.
وعلى صعيد مراكز البيانات، تتسابق الشركات العالمية لضخ المليارات في المملكة، مستفيدة من الطاقة الرخيصة والأراضي الشاسعة، إذ أعلنت شركة أمازون ويب سيرفيسز عن شراكة بقيمة 5 مليارات دولار لبناء بنية تحتية للذكاء الاصطناعي، بينما تخطط "أوراكل" و"مايكروسوفت" لاستثمارات تتجاوز 15 مليار دولار مجتمعة، حسب تقرير نشره موقع شبكة سي إن بي سي (CNBC).
لكن السؤال المحوري: هل ستترجم هذه الاستثمارات إلى تحسين ملموس في حياة المواطنين؟ تشير دراسة أجرتها "أكسس بارتنرشيب" (Access Partnership)، وهي شركة استشارية دولية متخصصة في السياسات الرقمية والتقنية، إلى أن الذكاء الاصطناعي التوليدي يمكن أن يطلق طاقة إنتاجية تعادل 133.6 مليار دولار في القطاع الخاص السعودي، أي ما يوازي حجم قطاع التصنيع بأكمله.
وقد بدأت التطبيقات العملية لهذا الأثر تظهر بالفعل في القطاع الصحي، حيث قدرت "ماكنزي آند كومباني"، وهي شركة استشارات إدارية أميركية متخصصة في الاستراتيجيات التجارية، أن الذكاء الاصطناعي يضيف ما بين 15 إلى 27 مليار دولار لقطاع الصحة السعودي بحلول 2030.
ومع ذلك، يحذر خبراء من تحديات نقص الكفاءات المحلية، حيث تعتمد المملكة كثيراً على استيراد المواهب، رغم خطط تدريب مليون سعودي على مهارات الذكاء الاصطناعي بحلول 2030، وفقاً لما أورده تقرير نشرته "أكسس بارتنرشيب"، وهي شركة استشارية دولية متخصصة في السياسات الرقمية والتقنية.
البنية التحتية الرقمية
يؤكد عميد كلية إدارة الأعمال بالجامعة الأميركية للتكنولوجيا، بيار الخوري، لـ"العربي الجديد"، أن أي تحليل متكامل لأثر تقنيات البيانات والذكاء الاصطناعي على الاقتصاد السعودي يبدأ من إدراك جوهري مفاده أن تحويل هذه التقنيات إلى ثروة اقتصادية حقيقية يعتمد على ربط البنية التحتية الرقمية بمسارات قيمة قابلة للقياس، وتمكين قطاع الأعمال والمؤسسات العامة من الوصول إلى بيانات نظيفة، وأدوات تحليل متقدمة، وأسواق فعلية لمنتجات وخدمات قائمة على الذكاء الاصطناعي.
ويوضح الخوري أن الآليات الفاعلة لتحقيق ذلك تشمل بناء منصات بيانات وطنية تربط قواعد بيانات القطاعين، العام والخاص، مع ضمان الحوكمة والسرية، وتطوير مكدسات تقنية سحابية محلية وقدرات حوسبة عالية الأداء لاستضافة نماذج الذكاء الاصطناعي، إلى جانب برامج تمويل تحفيزية للمشاريع التي تحول نماذج تحليل البيانات إلى منتجات قابلة للتسويق أو حلول تشغيلية ترفع الكفاءة وتخفض التكلفة.
يرى الخوري أن شبكات التعاون بين الجامعات والمسرعات ومراكز الابتكار تمثل جسوراً حيوية لنقل التقنيات إلى المشاريع الناشئة وتسريع اعتمادها، وعندما تصمم السياسات لخفض تكلفة الدخول وتوفير نماذج جاهزة للتطبيق يصبح بإمكان المؤسسات الصغيرة إنتاج حلول مبتكرة تعزز المنافسة المحلية وتُولّد صادرات رقمية.
ويضيف الخبير الاقتصادي أن وجود جهة مركزية تنسق المعايير وتمكن من الوصول إلى بيانات موثوقة يزيل عوائق كبرى أمام الابتكار ويعزز ثقة المستثمرين. كذلك فإن الاستثمار في بنية تحتية وطنية لمراكز البيانات مرتبطة بسوق الطاقة وإمدادات الشبكة يضمن تشغيلاً مستداماً لأنظمة الذكاء الاصطناعي التي تستهلك طاقةً كبيرة.
وهنا يلفت الخوري إلى أن إنشاء كيانات بقيادة الصناديق السيادية، وتوقيع شراكات مع كبار مزودي التكنولوجيا، ساهم في إرسال إشارة قوية للسوق جذبت رأس المال الخاص وعجلت بتأسيس منظومة ابتكار محلية، وفق ما ورد في تقرير البنك الدولي "تقدير الآثار الاقتصادية للذكاء الاصطناعي في المملكة".
3 تأثيرات على السعوديين
أما على صعيد المواطن السعودي، فيتجلى الأثر في ثلاثة أبعاد، حسب تحليل الخوري، تتمثل في: الحياة اليومية، وفرص العمل، وتوزيع الدخل، موضحاً أن اعتماد الذكاء الاصطناعي في تحسين الخدمات العام، كالنقل والطاقة والصحة والتعليم، يرفع جودة الحياة عبر تقليل أوقات الانتظار وتحسين الدقة التشخيصية وتخصيص التعليم وفق احتياجات المتعلم.
وفي الوقت نفسه تخلق الأتمتة والتحليلات الذكية وظائف جديدة في مجالات مثل هندسة البيانات وأمن الفضاء الرقمي، وتطوير النماذج، بينما تعيد تشكيل الطلب على بعض الوظائف التقليدية، وبناءً على ذلك يتشكل سوق عمل مزدوج يتطلب من المواطنين اكتساب مهارات رقمية متوسطة ومتقدمة للاستفادة من الفرص الجديدة، بحسب الخوري.
غير أن الخوري ينبه إلى أن هذه الفوائد لن تكون متجانسة عبر جميع الشرائح، فالسكان في المناطق الحضرية، ذات الوصول الجيد إلى التعليم والبنية التحتية الرقمية، سيستفيدون بسرعة، بينما قد تبقي الفجوات الرقمية والأمية التقنية فئات ريفية أو مهمّشة خارج دائرة المنفعة.
تحول نوعي ببنية الإنتاجية
في السياق، يشير الأكاديمي والخبير في تقنية الذكاء الاصطناعي، وليد كرم، لـ "العربي الجديد"، إلى أن الاقتصاد السعودي يشهد تحولاً نوعياً في بنيته الإنتاجية، إذ لم يعد النفط وحده مصدراً للثروة، بل تحولت البيانات والذكاء الاصطناعي إلى مورد استراتيجي رئيسي في سياق الانتقال نحو اقتصاد المعرفة، موضحاً أن هذا التحول لا يرتكز فقط على الاستثمارات الكبرى للشركات التقنية العالمية أو الصناديق السيادية، بل يمتد ليشمل بناء منظومة محلية متكاملة تشمل البنية التحتية الرقمية والكوادر البشرية وريادة الأعمال والخدمات الذكية، ما يجعل البيانات ثروة وطنية قابلة للتوزيع على مختلف القطاعات والمستويات.
ويشير كرم إلى أن مساهمة الذكاء الاصطناعي في الناتج المحلي الإجمالي للمملكة قد تصل إلى 135 مليار دولار بحلول عام 2030، أي ما يعادل نحو 12% من الناتج، وهو رقم يعكس نمواً اقتصادياً شاملاً، وليس مقتصراً على قطاعات معينة، كما يبرز الأثر المباشر لهذا التحول في تحسين كفاءة القطاعات الحكومية والخدمية، كما في منصة استشراف، حيث يسهم الذكاء الاصطناعي في توفير مليارات الريالات وتحسين تجربة المتعاملين مع القطاع العام، سواء من الأفراد أو الشركات.
ويوضح كرم أن الدولة السعودية تتعامل مع البيانات باعتبارها مورداً وطنياً استراتيجياً لا يقل أهمية عن النفط، وهو ما يتجلى في تأسيس كيانات سيادية مثل "هيوماين" (Humain) المملوكة لصندوق الاستثمارات العامة، والتي تُعنى بتوجيه هذا القطاع لخدمة الأهداف الوطنية العليا، مشيراً إلى أن هذه الاستثمارات الضخمة تعكس قناعة القيادة السعودية بأن الذكاء الاصطناعي يعد المحفز الأسرع لتحقيق أهداف رؤية 2030.
ويخلص كرم إلى أن المواطن السعودي سيشعر بالأثر الملموس في تحسين جودة الخدمات العامة، من خلال الرعاية الصحية الذكية، والتعليم المُخصّص، وتطبيقات المدن الذكية التي تجعل التنقل والحياة اليومية أكثر كفاءة وسلاسة، مؤكداً أن التحول إلى اقتصاد معرفي قائم على الذكاء الاصطناعي لا يعد "رفاهية تقنية"، بل استراتيجية وطنية شاملة تعيد تعريف مصادر الثروة وتوطد مكانة السعودية مركزاً إقليمياً وعالمياً للابتكار والتنمية المستدامة.