السعودية تعيد ترتيب أولويات مشاريع "رؤية 2030" ضمن مراجعة شاملة للإنفاق

03 ديسمبر 2025   |  آخر تحديث: 16:21 (توقيت القدس)
في الرياض، 3 أغسطس 2025 (زي جي/Getty)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- أكد وزير المالية السعودي، محمد الجدعان، استعداد المملكة لإلغاء أو تعديل بعض مشاريع "رؤية 2030" ضمن مراجعة شاملة لخطة التحول الاقتصادي، بهدف رفع كفاءة الإنفاق في ظل التحديات المالية الناتجة عن انخفاض أسعار النفط والعجز المالي.

- تُظهر ميزانية السعودية لعام 2026 تحولاً نحو تعزيز الكفاءة والانضباط المالي، مع التركيز على المشاريع ذات العوائد الاقتصادية المباشرة، مثل "نيوم" و"ذا لاين"، لمواجهة التحديات التقنية والتمويلية.

- تعكس تصريحات الجدعان توجهاً نحو الواقعية المالية، مما يعزز ثقة المستثمرين الدوليين في قدرة السعودية على تحقيق "رؤية 2030" عبر إدارة رشيدة توازن بين الطموح والجدوى.

أكد وزير المالية السعودي، محمد الجدعان، أن المملكة منفتحة على إلغاء بعض المشاريع المدرجة ضمن برنامج "رؤية 2030"، في تصريحات تُعد من الأقوى حتى الآن بشأن استعداد الحكومة للتراجع عن بعض المشاريع المكلفة. وقال الجدعان في إيجاز صحافي عقده في الرياض: "ليس لدينا أي غرور؛ لا غرور إطلاقاً. إذا أعلنا عن شيء واحتجنا إلى تعديله، أو تسريعه وجعله أولوية أكثر من غيره، أو تأجيله أو إلغائه، فسنفعل ذلك من دون تردد".

وأوضح الوزير أن هذه المقاربة تأتي في إطار مراجعة شاملة لخطة التحول الاقتصادي الضخمة التي يقودها ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، وتشمل عشرات المشاريع، من منحدرات التزلج الصحراوية إلى مدن الألعاب، وفقاً لما نقلته وكالة "بلومبيرغ". وأشار إلى أن التصريحات السابقة كانت تركز في الغالب على تأجيل المشاريع أو تقليصها، لا على إلغائها. يتماشى هذا التوجه الأكثر حزماً مع بيان ميزانية السعودية لعام 2026 الصادر حديثاً، والذي شدد على أهمية رفع كفاءة الإنفاق في ظل التحديات الناتجة عن انخفاض أسعار النفط واستمرار العجز المالي. وقال الجدعان: "كفاءة الإنفاق لا تعني خفض الإنفاق، بل تعني تقليصه في بعض البنود لزيادته في بنود أخرى".

وتُظهر ميزانية عام 2026 أن المملكة تخطط للإبقاء على مستويات مرتفعة من الإنفاق والاقتراض، انسجاماً مع أهدافها في تنويع الاقتصاد. وشرحت كريستين بيرك، رئيسة مكتب "بلومبيرغ" في السعودية، هذا التوجه ضمن برنامج Horizons الشرق الأوسط وأفريقيا. وعندما سُئل الجدعان عمّا إذا كانت الإلغاءات المحتملة قد تشمل مشاريع في مدينة "نيوم" المستقبلية، أجاب: "هذا الأمر يعود إلى صندوق الاستثمارات العامة". ويواجه مشروع "نيوم"، الذي يُعد محوراً رئيسياً في محفظة "رؤية 2030"، تأخيرات وتحديات في التنفيذ، بحسب تقارير "بلومبيرغ". وتشمل هذه التحديات مشروع "تروجينا" الذي يسابق الزمن لاستضافة دورة الألعاب الآسيوية الشتوية عام 2029، ومشروع "ذا لاين"، ناطحات السحاب الممتدة بطول 100 ميل، والذي يخضع حالياً لمراجعة استراتيجية لتقييم جدواه الاقتصادية.

ومن المقرر أن يعلن صندوق الاستثمارات العامة، الذي تُقدر أصوله بتريليون دولار، ويقود جهود تنويع الاقتصاد بعيداً عن النفط، عن استراتيجية استثمارية محدّثة مطلع عام 2026، يُتوقع أن تركز بصورة أكبر على الشركات المحلية وقطاعات التكنولوجيا والسياحة. وأشار الجدعان إلى أن وزارة المالية أجرت عملية "إعادة معايرة" شاملة، تضمنت جمع بيانات من الجهات الحكومية حول استراتيجياتها واحتياجاتها التمويلية، بهدف تحديد الأولويات، وفق مدى مساهمة المشاريع في تحقيق أهداف التنويع الاقتصادي. وأضاف الوزير، وهو عضو في مجلس إدارة صندوق الاستثمارات العامة: "الصندوق يقوم الآن بعملية مماثلة لما قمنا به، من إعادة ترتيب الأولويات وضمان أن الخطط الأولية، بعد وضوح تفاصيل المشاريع، يجري تعديلها لتأمين تحقيق الأهداف المرجوة".

من جانبها، قالت مونيكا مالك، كبيرة الاقتصاديين في بنك أبوظبي التجاري، إن تصريحات الجدعان بشأن احتمال إلغاء المشاريع تعزز الثقة بقدرة الحكومة على إدارة الإنفاق الرأسمالي بكفاءة، مؤكدة أن التركيز على الاستثمارات ذات العوائد سيكون عاملاً حاسماً. كما رحب فاروق سوسة من بنك "غولدمان ساكس" بهذه التصريحات، معتبراً أنها تُظهر استعداداً واقعياً لتعديل الخطط بما يتناسب مع الظروف الاقتصادية والمالية الراهنة. وأضاف: "كلما كانت الحكومة أكثر شفافية، ازدادت ثقة الأسواق بأن الاعتبارات المالية والاقتصادية ستتفوق على الدوافع الاجتماعية والسياسية للاستثمار، ما يجعل بيئة الاستثمار أكثر جاذبية".

تُظهر ميزانية السعودية لعام 2026 تحولاً في النهج المالي، إذ تسعى الحكومة إلى الحفاظ على مستوى إنفاق مرتفع، ولكن ضمن إطار من الكفاءة والانضباط المالي. هذا يعني أن الرياض لا تتجه إلى سياسة تقشفية، بل إلى إعادة توزيع الموارد نحو المشاريع ذات العوائد الاقتصادية الأكبر والتأثير المباشر على النمو والتوظيف، فبدلاً من الإنفاق الواسع لتحقيق الطموحات الرمزية، تركز السلطات اليوم على ما يُعرف بـ"ترشيد الرؤية"، أي الانتقال من مرحلة البناء الشكلي إلى مرحلة الإنتاج والعائد الفعلي.

ويرتبط هذا التحول بعدة عوامل متشابكة، فمن جهة، تراجع أسعار النفط خلال العامين الماضيين دون المستويات الكفيلة بتحقيق توازن الميزانية العامة، ما أدى إلى عودة العجز المالي. ومن جهة أخرى، ارتفعت تكاليف الاقتراض بسبب تشديد السياسات النقدية عالمياً، ما جعل إدارة الدين وتمويل المشاريع الضخمة أكثر تعقيداً، كما أن المشاريع العملاقة مثل "نيوم" و"ذا لاين" و"تروجينا" تواجه تحديات تقنية وتمويلية جعلت مراجعتها أمراً ضرورياً لضمان جدواها الاقتصادية.

من الناحية الاقتصادية، تعكس تصريحات الجدعان توجهاً نحو الواقعية المالية بعد سنوات من الطموح غير المحدود. فالمملكة، عبر وزارة المالية وصندوق الاستثمارات العامة، تسعى لإعطاء الأولوية للعائد الاقتصادي على الطموح السياسي أو الاجتماعي، ما يعزز ثقة المستثمرين الدوليين في قدرة السعودية على الموازنة بين الرؤية بعيدة المدى والانضباط المالي. هذه الرسالة طمأنت الأسواق بأن الإنفاق الحكومي أصبح أكثر انتقائية وارتباطاً بمؤشرات الأداء والعائد.

وفي الوقت نفسه، لا تعني مراجعة المشاريع تخلي المملكة عن أهداف "رؤية 2030"، بل إعادة ضبط المسار بما يتماشى مع الواقع المالي والاقتصادي الراهن. فبينما ركزت المرحلة الأولى على المشاريع الرمزية والبنية التحتية الضخمة، فإن المرحلة المقبلة تركز على دعم القطاعات الإنتاجية مثل الصناعة، والتكنولوجيا، والسياحة، والطاقة المتجددة، إضافة إلى تحفيز القطاع الخاص ليكون محركاً رئيسياً للنمو. إن تصريحات الجدعان تمثل تحولاً في الخطاب الاقتصادي الرسمي من الوعود إلى الإدارة الواقعية، ومن الطموح إلى الكفاءة، ومن الرؤية الشاملة إلى الأولويات المحددة. وبذلك، ترسل السعودية رسالة واضحة إلى الداخل والخارج مفادها أن تحقيق "رؤية 2030" لن يكون بالإنفاق غير المحدود، بل عبر إدارة رشيدة توازن بين الطموح والجدوى، وبين الاستدامة المالية والتنمية الاقتصادية.

المساهمون