السعودية...احتياطي أجنبي يحمي العملة ولا يوقف التضخم

09 فبراير 2026   |  آخر تحديث: 04:12 (توقيت القدس)
سوق في جدة (Getty)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- انخفضت الاحتياطيات الأجنبية للسعودية بنسبة 1% في ديسمبر، لكنها تظل قوية، مما يضع المملكة في المرتبة الأولى عربياً وضمن أفضل 10 عالمياً. ومع ذلك، يؤثر التضخم العالمي على الاقتصاد المحلي بسبب ثبات سعر صرف الريال مقابل الدولار.

- يشير الخبير منير راشد إلى أن الاحتياطيات القوية تمكن السعودية من التدخل في سوق الصرف، لكن الحل الأمثل هو تعزيز الإنتاج المحلي لتقليل الاعتماد على السلع المستوردة.

- يوضح بيار الخوري أن الاحتياطيات تدعم الاستقرار المالي للسعودية، وتغطي أكثر من 18 شهراً من الواردات، مما يمنح مرونة في السياسات الاقتصادية ويمتص صدمات التضخم المستورد.

تؤكد أحدث البيانات الرسمية المنشورة في يناير/ كانون الثاني الماضي، أن الاحتياطيات الأجنبية للسعودية انخفضت في شهر ديسمبر/ كانون الأول بمقدار 13.7 مليار ريال، أي بنسبة 1% على أساس شهري، لتصل إلى 1.72 تريليون ريال (نحو 458 مليار دولار).

وعلى الصعيد السنوي، أظهرت البيانات أداء متبايناً في مكونات الاحتياطيات، إذ ارتفع الاحتياطي لدى صندوق النقد الدولي

بنسبة 6% ليصل إلى 12.9 مليار ريال، وتحسّنت حقوق السحب الخاصة بنسبة 5% لتبلغ 80.5 مليار ريال في ديسمبر 2025، وفقاً لبيانات البنك المركزي السعودي (ساما).

ورغم الانخفاض الشهري، إلا أن المملكة تحتفظ باحتياطيات قوية، تجعلها في المرتبة الأولى عربياً، وضمن أفضل 10 احتياطيات في العالم.

وفي الوقت الذي تظهر آثار الاحتياطات القوية في حماية العملة المربوطة بسعر صرف ثابت عند نحو 3.75 ريالات للدولار منذ 1986، إلا أن ذلك لا يوقف التضخم الذي يأتي بسبب زيادة أسعار الواردات.

لا حماية من التضخم العالمي

في هذا الإطار، يشير الخبير الاقتصادي، منير راشد، لـ "العربي الجديد"، إلى أن الريال السعودي يتمتع بدعم قوي من احتياطيات مؤسسة النقد العربي السعودي (البنك المركزي)، ما يمنح السلطات النقدية القدرة على التدخل في سوق الصرف للحفاظ على ثبات سعر الريال مقابل الدولار.
وأكد أن هذا الثبات في سعر الصرف لا يعني بالضرورة حماية الاقتصاد المحلي من تداعيات التضخم العالمي، إذ إن ارتفاع الأسعار في الولايات المتحدة ينتقل تلقائياً إلى السوق السعودية، خاصة في السلع المستوردة، نظراً لارتباط العملة المحلية بالدولار.

ويوضح راشد أن التأثير لا يقتصر على التضخم الأميركي فحسب، بل يمتد إلى تحركات سعر الصرف الدولية للدولار نفسه، ففي حال انخفض الدولار مقابل عملات رئيسية مثل اليورو أو الين الياباني، فإن أسعار السلع المقومة بتلك العملات، مثل الأغذية الأوروبية أو الآلات اليابانية، سترتفع عند شرائها بالدولار أو بالريال، ويعني ذلك أن المملكة ستضطر - كمستورد صاف - لدفع مبالغ أكبر من الريالات لاستيراد نفس الكميات من السلع، ما ينعكس مباشرة على الأسعار المحلية. ويلفت راشد إلى أن الحكومة السعودية قد تحاول عزل المستهلك المحلي عن هذه الصدمات عبر دعم أسعار السلع المستوردة، لكنه يحذر من أن هذه السياسة تحمل سلبيات عديدة، أبرزها الضغط على الميزانية العامة وتشويه إشارات السوق، فضلاً عن عدم استدامتها على المدى الطويل. ويشير راشد إلى أن الحل الأنسب لحماية المواطنين السعوديين من تقلبات الأسواق العالمية يكمن في تعزيز القاعدة الإنتاجية المحلية.

الاستقرار المالي في السعودية 

من جانبه، يؤكد عميد كلية إدارة الأعمال في الجامعة الأميركية للتكنولوجيا، بيار الخوري، لـ "العربي الجديد"، أن الاحتياطيات الأجنبية للسعودية تلعب دوراً محورياً في ترسيخ الاستقرار المالي والاقتصادي، ليس فقط كرصيد احتياطي، بل كخط دفاع أول أمام الصدمات الخارجية في اقتصاد ما زال يعتمد جزء أساسي من إيراداته على قطاع نفطي بطبيعته دوري.
ويصف الخوري تقديرات عام 2024 لصافي الأصول الأجنبية لدى البنك المركزي السعودي، والبالغة 1.6 تريليون ريال سعودي (ما يعادل 420–430 مليار دولار) بأنه مستوى مرتفع بمعايير الاقتصادات الناشئة، إذ يغطي أكثر من 18 شهراً من الواردات السلعية والخدمية، ما يشكل هامش أمان واسعاً وفق المعايير الدولية للاستقرار الخارجي.

ويوضح الخوري أن هذا الحجم الكبير من الاحتياطيات يمنح المملكة مرونة استثنائية في إدارة سياساتها الاقتصادية، ومن خلالها يتمكن البنك المركزي من امتصاص الصدمات المرتبطة بالتضخم المستورد، والحفاظ على ثبات سعر الصرف عند 3.75 ريالات للدولار، وهو ربط يعد أحد الركائز الأساسية لاستقرار الأسعار المحلية.
ومع اعتماد المملكة على الواردات في تلبية أكثر من 80% من احتياجاتها من السلع الغذائية والاستهلاكية، فإن استقرار الريال يحد مباشرة من ارتفاع كلفة الاستيراد، وينعكس ذلك في معدلات تضخم منخفضة نسبياً، تراوحت حسب الخوري بين 2% و3% في السنوات الأخيرة، رغم موجات التضخم العالمية التي ضربت اقتصادات مجموعة العشرين في 2022 و2023.
وفي ما يتعلق بالحماية من المخاطر، ينبّه الخوري إلى أن الاحتياطيات تمثل أداة تحوط كلية ضد تقلبات أسعار النفط، فخلال فترات الانخفاض الحادة، كما في 2015 و2020، جرى استخدام جزء منها لتمويل العجز دون تقليص الإنفاق الاجتماعي أو الرأسمالي، كما يسهم حجمها في تقليل مخاطر المضاربة على العملة، ويحمي المملكة من أزمات سعر الصرف التي عانت منها دول نفطية أخرى ذات احتياطيات أضعف.
ويرى الخوري أن القطاعات الاقتصادية غير النفطية، التي تجاوزت مساهمتها 50% من الناتج المحلي، تستفيد بشكل غير مباشر من بيئة مالية مستقرة وتكلفة تمويل منخفضة وثقة استثمارية مرتفعة، ورغم أن الاحتياطيات لا تُضخ مباشرة في الاقتصاد الإنتاجي، فإن دورها ضامناً للاستقرار يظل الشرط المسبق لأي تنويع اقتصادي حقيقي ومستدام.