الرغيف السياحي يلتهم أجور المصريين

11 اغسطس 2026   |  آخر تحديث: 07:42 (توقيت القدس)
ارتفاع كبير في أسعار الخبز غير المدعم (Getty)

أمام منافذ أحد المخابز السياحية في حي "باكوس" المزدحم بالإسكندرية شمالي مصر، تقف أم أحمد وهي تقلب بضعة جنيهات في كفها المرتجفة، محاولةً إقناع البائع بإعطائها عدد الأرغفة نفسه الذي اعتادت شراءه يومياً لأحفادها الستة، قبل أن تصدم بالزيادة الجديدة التي شهدها الخبز السياحي (الخبز الحر غير المدعوم) منذ أيام.
وتقول أم أحمد بصوت يخالطه الانكسار: "كنا نتدبر أمورنا بشيء من العبء، أما اليوم فالخبز وحده بات يلتهم نسبة كبيرة من مصروف البيت بعد استبعادنا من منظومة التموين والخبز المدعم".
ولا تبتعد ملامح الحسرة كثيراً عن وجه البائع الشاب؛ الذي رفض ذكر اسمه، إذ يواجه طوال ساعات عمله مشادات يومية مع زبائن يتهِمونه بالتلاعب والاستغلال، ليرد بمرارة: "لست أنا من يرفع السعر؛ فبعد زيادة أسعار الدقيق والكهرباء نحن بين نارين: إما أن نرفع السعر على الناس أو نغلق المخبز ونقطع أرزاقنا".
هذا المشهد الميداني المحتقن يختصر حال الشارع المصري خلال الأيام الأخيرة، إثر موجة ارتجاف جديدة شهدتها أسواق المواد الخام، أسفرت عن تحريك مفاجئ في أسعار الخبز السياحي، بعد قفزة سريعة بنسبة تصل إلى 12.5% في أسعار الدقيق الفاخر.

وعلى المستوى الرسمي والنقابي، أوضح سكرتير شعبة المخابز بالغرفة التجارية في القاهرة خالد فكري أن الارتفاع الأخير جاء نتيجة حتمية لزيادة سعر طن الدقيق الفاخر في المطاحن من مستويات تراوحت عند 18 ألف جنيه إلى نحو 20 ألف جنيه (نحو 400 دولار أميركي) للطن خلال فترة وجيزة، بزيادة بلغت ألفي جنيه دفعة واحدة. وأضاف فكري أن هذا الصعود في كلفة المادة الخام أجبر المخابز السياحية على تحريك أسعار البيع النهائي للمستهلكين.
يقول الشاب إبراهيم متولي (34 عاماً - موظف بشركة خاصة)، وهو يقف في طابور انتظار أمام مخبز في منطقة محطة الرمل بالإسكندرية: "الزيادة قد تبدو للبعض بسيطة، لكن بالنسبة لأسرة تستهلك 20 رغيفاً يومياً، نحن نتحدث عن مصاريف إضافية تُضاف شهرياً للخبز وحده. نحن نعمل برواتب ثابتة لا تتغير، وكل صباح نكتشف زيادات جديدة في السلع الأساسية، الرغيف صغر حجمه وزاد سعره، وأصبحنا نقتطع من ميزانية العلاج والتعليم لنسد رمق أبنائنا".
من جانب آخر، يوضح صاحب مخبز سياحي، سعيد طه، دوافع التحريك السعري من واقع دفاتر التكاليف قائلاً: "نحن لسنا جشعين كما يظن بعض الزبائن، فنحن نعاني مثلهم تماماً. سعر طن الدقيق ارتفع ألفي جنيه دفعة واحدة، ناهيك عن زيادات أسعار الكهرباء والغاز والزيت وأجور العمالة التي تطالب بزيادة لتغطية معيشيتها. إذا لم نرفع سعر الرغيف أو نعدل وزنه، فسوف نتحمل خسائر مباشرة تدفعنا للإغلاق. الخبز السياحي تجارة حرة لا تتلقى أي دعم حكومي، وأي زيادة في مدخلات الإنتاج نتأثر بها فوراً".
فيما أكد عضو مجلس النواب حسن عمار أن الزيادة الأخيرة في أسعار الخبز السياحي بنسبة تصل إلى 12.5% تعكس استمرار غياب الحلول الحكومية القادرة على احتواء موجات ارتفاع الأسعار، مشدداً على أن المواطن لم يعد يحتمل أعباءً جديدة، خاصة عندما يتعلق الأمر بسلعة أساسية تمس احتياجاته اليومية. وقال عمار إن ارتفاع أسعار القمح والدقيق الفاخر بما يتراوح بين 2000 و2250 جنيهاً للطن (الدولار = نحو 50 جنيهاً) يكشف الحاجة إلى تدخل حكومي أكثر فاعلية لمعالجة أسباب الأزمة، بدلاً من ترك آثارها تنتقل مباشرة إلى المستهلك، مؤكداً أن إدارة الملف الاقتصادي يجب ألا تنتهي بتحميل المواطن فاتورة ارتفاع التكلفة.
ومن جانبه، يشير الخبير الاقتصادي ووكيل وزارة التموين الأسبق مبارك عبد الرحمن إلى أن هذه الموجة تأتي حلقةً جديدةً ضمن سلسلة متصلة من الارتفاعات التي شهدتها سوق الخبز الحر خلال العامين الماضيين، والتي ترافقت مع قفزات متعاقبة في أسعار الدقيق والوقود وتكاليف النقل.

ويرى أن التحركات السعرية المتكررة في الخبز الحر تعكس هشاشة سلاسل الإمداد الخاصة بالقطاع الخاص وعدم قدرتها على امتصاص الصدمات، كما أن غياب التسعير الملزم في القطاع السياحي يجبر الأجهزة التنفيذية على الاكتفاء بمراقبة الأوزان والاشتراطات الصحية فقط دون التمكن من ضبط رقابة الأسواق. ويضيف: "المشكلة الرئيسية تكمن في اعتماد المطاحن الخاصة الشديد على واردات الأقماح بالأسعار العالمية والمُسعّرة بالتكاليف اللوجستية المتغيرة، فحينما تتجمع عوامل ارتفاع أسعار النقل والطاقة مع تذبذب مدخلات الإنتاج، تتحول التكلفة فوراً إلى الرغيف النهائي، والخطر هنا لا يتوقف عند سعر العيش وحده، بل ينعكس في تسلسل تضخمي يمس المائدة المصرية وهو ما يضغط مباشرة على الطبقة المتوسطة والفقيرة وأصحاب الدخول الثابتة". ويؤكد عبد الرحمن: آليات السوق الحر تمنح صاحب المخبز حق تحديد السعر بناءً على مصروفاته التشغيلية، لكن غياب وضع معايير ملزمة للوزن مقابل السعر يخلق حالة من العشوائية والتفاوت بين حي وآخر.
بدوره، شدد المتحدث الرسمي باسم وزارة التموين والتجارة الداخلية أحمد كمال على أن بيع الرغيف السياحي بأسعار تصل إلى 4 و5 جنيهات أمر غير مقبول، مؤكداً أن الوزارة كثفت حملاتها الرقابية على المخابز السياحية لضبط الأسواق وضمان الالتزام بالأوزان والأسعار المقررة.
وأوضح أن الوزارة ألزمت المخابز السياحية بإعلان أسعار وأوزان الخبز داخل المخابز، بما يسمح للمواطنين بمتابعة الالتزام والإبلاغ عن أي مخالفات، مشيراً إلى أن الوزارة تستقبل الشكاوى المتعلقة بسعر أو وزن أو جودة الخبز، سواء البلدي أو السياحي، عبر الخطوط الساخنة ومنظومة الشكاوى الموحدة.