الرسوم الجمركية الأميركية تزيد الاقتصاد السوري هشاشة

10 ابريل 2025   |  آخر تحديث: 17:24 (توقيت القدس)
سوق الحميدية في العاصمة السورية دمشق، 29 مارس 2025 (لؤي بشارة/ فرانس برس)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- فرض الرئيس الأميركي دونالد ترامب رسوماً جمركية جديدة، مما أدى إلى تفاقم الحرب التجارية العالمية، وتأثيرها السلبي على النمو الاقتصادي العالمي وارتفاع الأسعار وزيادة البطالة.
- فرضت الولايات المتحدة رسوماً بنسبة 41% على الواردات السورية، رغم ضآلة حجم التجارة بين البلدين، مما سيؤثر بشكل غير مباشر على الاقتصاد السوري من خلال ارتفاع أسعار الصادرات والواردات.
- يرى الخبراء أن للرسوم الجمركية أبعاداً سياسية واقتصادية، حيث تسعى الولايات المتحدة لإعادة تموضعها عالمياً، بينما يسعى رجال الأعمال السوريون لبناء اقتصاد يعتمد على معايير السوق المفتوح.

فرض الرئيس الأميركي دونالد ترامب في الثاني من إبريل/نيسان الجاري، سلة الرسوم الجمركية الجديدة قبل أن يعلق غالبيتها الساحقة أمس الأربعاء، بعدما بدأت تعيد تشكيل المشهد التجاري العالمي، وتُفاقِم الحربَ التجارية التي بدأت عام 2018 مع الصين، لكنها الآن شملت معظم العالم وتكتلاته الاقتصادية، وسيكون لها نتائج خطرة بحسب الخبراء، من أهمها تباطؤ النمو الاقتصادي في العالم كما في سورية، تزامناً مع ارتفاع أسعار السلع نتيجة زيادة التكلفة على المستهلك، المزيد من البطالة، وضعف النظام التجاري العالمي الممثل بمنظمة التجارة العالمية. وبالنتيجة، الخاسر الأكبر هو الدول التي تعتمد على التصدير أساساً، بسبب التضخم الناتج من تلك الرسوم الجمركية وانخفاض القوة الشرائية.

وفي ما يتعلق بتأثير فرض الضرائب الأميركة على سورية، أوضح الباحث الاقتصادي الدكتور حسن حزوري لـ"العربي الجديد" أن إدارة الرئيس ترامب فرضت رسوماً جمركية بنسبة 41% على الواردات السورية (وسورية بالمقابل تفرض رسوماً جمركية بنسبة 81% على الواردات الاميركية)، ورغم ضآلة حجم التجارة المباشرة بين البلدين، فإن سورية لا تعد الولايات المتحدة الأميركية شريكاً تجارياً مهماً لها، ولكن مع ذلك ستزيد الرسوم الجمركية الجديدة من تكلفة المستوردات السورية وتحد من منافساتها للسلع الأخرى، وتالياً قد تؤدي إلى انخفاض الطلب على الصادرات السورية.

ويتابع حزوري: "في عام 2024 بلغ حجم التبادل التجاري بين الولايات المتحدة وسورية حوالى 12.7 مليون دولار، هذا الرقم يوزع أولاً على 10.7 ملايين دولار من الصادرات السورية إلى الولايات المتحدة الأميركية مقابل مليوني دولار فقط من الصادرات الأميركية لسورية، وإذا عدنا إلى عام 2010، نرى أن حجم التبادل التجاري بين البلدين وصل إلى 932.6 مليون دولار، بينما بلغت الصادرات الأميركية حينها 503.3 ملايين دولار، فيما الواردات الأميركية من سورية بلغت 429.3 مليون دولار، ما يعني أن الفائض التجاري في عام 2010 كان لصالح الولايات المتحدة بقيمة 74 مليون دولار، وهذا يعني أن أميركا لم تكن في يوم من الأيام شريكاً استراتيجياً على صعيد العلاقات التجارية بينها وبين سورية".

ولفت إلى أنه "في عام 2010 كان حجم إجمالي الصادرات السورية في حينها 12 مليار دولار إلى جميع دول العالم، منها 500 مليون دولار إلى الولايات المتحدة الأميركية، أي إن نسبة حصة الولايات المتحدة من التجارة الخارجية مع سورية لا تتجاوز 4.2%، بينما إذا قارنا في العام نفسه حصة الاتحاد الاوروبي كانت بحدود 36% من حجم الصادرات السورية، وأيضاً حصة الدول العربية كانت بحدود 31%".

بدوره، دكتور الاقتصاد في جامعة دمشق، عابد فضلية، يقول لـ"العربي الجديد" إن "ما فعله الرئيس ترامب أخيراً بخصوص فرضه رسوماً جمركية عالية جداً على دخول المواد المستوردة إلى الولايات المتحدة لم يجرؤ أحد في التاريخ على فعله، وجعل الاقتصاديين والمراقبين في حالة ذهول، لأن ذلك سيؤدي إلى ارتفاع أسعار هذه المواد على المواطن الأميركي، وكذلك على مواطني دول كثيرة أخرى في حال قيام هذه الدول بالعمل على ما يسمى (المعاملة بالمثل)، علماً أن رفع الرسوم الجمركية هذا سيعود بمبالغ عالية للخزينة العامة للدولة.
وأشار فضلية إلى أن الولايات المتحدة الأميركية لديها خطط وبرامج وتشريعات معينة لم تعلنها بعد لتقليل هذا الأثر على مواطنيها، كأن تدعم البائعين أو المشترين لمثل هذه المواد المستوردة في أراضيها... أما الدول الأخرى التي ستتعامل مع البضائع الأميركية المستوردة بالمثل، فليس لديها ولن يكون عندها على المدى المتوسط مثل هذه الخطط والإجراءات".

وذكر فضلية أنه بالنسبة إلى وضع الاقتصاد السوري، فإنه لن يتأثر مباشرةً بهذا "الفرمان الترامبي" المربك والاستثنائي، باعتبار أن حجم التجارة الخارجية مع الولايات المتحدة محدود؛ بل ستتأثر بصورة غير مباشرة من خلال الارتفاع المتوقع لمستوى أسعار الصادرات والواردات فيما بين سورية والدول الأخرى. وأشار إلى أن الآثار الحقيقية لقرار ترامب على الأوضاع الاقتصادية في الولايات المتحدة والدول الأخرى ليست واضحة ولا مؤكدة قبل أن تتم أو تُعرف كيفية تطبيقها على أرض الواقع، بمعنى أن قرار ترامب يبقى ورقياً إلى حين الاتفاق دولياً على نسب الرسوم الجمركية التي رُفعَت أو التي ستُرفَع تجاه المستوردات من المواد الأميركية.

من جهته، يرى دكتور الاقتصاد زياد عربش، أن فرض نسبة 41% على المستوردات السورية له جانبان، سياسي واقتصادي، وفي كلتا الحالتين لا يمكن تبريره، ويبقى إجراءً إدارياً دون تأثير اقتصادي يذكر، فالحرب التي يخوضها الرئيس الأميركي مع أقطاب العالم ليست فقط تجارية، ولو كان مضمونها كذلك، بل محاولة لإعادة تموضع أميركا ضمن السياق العالمي الضاغط على مكانتها العالمية منذ عقدين والآن ومستقبلاً، فما زالت تخسر من هذه المكانة لتصل حصتها من الناتج العالمي إلى الخمس بعد أن كانت في عام 2000 حوالى الثلث، وأرادت الإدارة الأميركية من خلال تعديل نسب الجمارك مع 180 دولة محاولة تصحيح المسار (مع الأصدقاء وكل العالم)، وأتى رفع الرسوم الجمركية على سورية ضمن القائمة، أي إن سورية ليست المستهدفة فقط".

لكن الغريب في الأمر، برأيه، "أنه فُرض على سورية نسبة 41%، بينما دول عربية أخرى تم الاكتفاء بنسبة 10% فقط، علماً أن سورية تُعتبر من الدول الأقل نمواً ويُفترص أن تحصل على مبدأ الرعاية المفضلة، واقتصادها متهالك وهي منهكة أصلاً ولا تستطيع إعادة إعمار بنيتها التحتية، وطالما أن هناك سلطة جديدة (منفصلة عن سياسات السلطة المنهزمة) فكان من المفروض تخفيض النسب لا رفعها، مؤكداً أن هناك فرصة ليتغير الأمر، وهذا ما يُفترض العمل عليه بعدة اتجاهات وأبعاد: أولاً، التعامل مع الملف (العلاقات الاقتصادية الأميركية السورية) بالاحترافية المطلوبة من خلال الدفع به وبموضوعية وحنكة سياسية تبرز أهمية استقرار سورية للإقليم وللعالم ككل. فنهوض سورية من الركام يعني توقف الهجرة والممارسات السلبية من أشخاص مهمشين، لا بل مؤازرة سورية في إعادة إعمارها يعني عودة، ولو جزءاً من اللاجئين، وحلحلة هذا الملف الضاغط على دول الاستقبال. كذلك إن ولوج سورية للتقانات الحديثة، بعيداً من العقوبات، سيمثل رافعة للنهوض الاقتصادي الشامل، حيث لا يمكن بناء مدرسة أو مشفى أو مصنع أو مرفق عام دون التكنولوجيا والتقانات الرفيعة والحديثة".

ويردف عربش: "صحيح أن التبادل التجاري ضعيف للغاية، وتنميته لن يكون لها أثر بالغ الأهمية في المستقبل المنظور (تحتاج سورية على الأقل إلى خمسة أعوام من العمل الدؤوب لرفع صادراتها من 20 مليون دولار إلى 50 مليون دولار، وذلك لاعتماد أنظمة الجودة والتوافق مع القوانين الاميركية). مع ذلك، فإن صياغة المطالبات السورية بمسوغاتها التجارية والسياسية والإنسانية تجاه اللوبيات، وضمن آليات صنع القرار الأميركي، سيكون مفيداً للغاية إعطاء إشارة إيجابية، ما يعني بدء عودة رأس المال المغترب السوري والعربي، وتحسين بيئة الإنتاج المنفتحة، واعتماد التشاركية في صياغة وتنفيذ السياسات مع أصحاب الفعاليات وممثليها ديمقراطياً يعني معاكسة الاتجاهات والنهوض بمسار تراكمي ليس تجاه هذه الإدارة فقط، لكن مع كل دول العالم، ولما فيه مصلحة لدول المنطقة ككل".

من جهته، رجل الأعمال ونائب رئيس غرفة تجارة دمشق سابقاً محمد الحلاق، بيّن أنه "نتيجة الحرب اضطر المُنتج السوري إلى أن يفتح الكثير من المعامل في دول الجوار مثل لبنان والأردن ومصر، التي بدأت بتصدير هذه المواد التي تحمل علامات فارقة سورية إلى كثير من دول العالم، ومنها أميركا، ولا أعتقد ان المنعكس على المنتج السوري سيكون كبيراً، مع الإشارة إلى أن 95% من صادراتنا لأميركا هي منتجات غذائية فقط. أما بالنسبة إلى مستوردات سورية من أميركا، فشبه معدومة، نتيجة العقوبات الاقتصادية، وغير مسموح لها أن تستورد إلا الغذاء والدواء فقط. وبالنسبة إلى الصادرات إلى أميركا، لا تشكل لنا رقماً كبيراً بسبب بعدها الجغرافي وارتفاع أجور النقل.

وأوضح الحلاق لـ"العربي الجديد" أن "الأولوية بالنسبة إلى سورية هي العمل على بناء اقتصاد حقيقي لها مع الأخذ بمعايير السوق المفتوح (اقتصاد السوق الحر)، وما يهمنا تمكين صناعاتنا وتقويتها لتصبح منافسة وقادرة على تأمين تقديم دور اجتماعي تجاري قادر على النهوض بقطاعات الاقتصاد السوري المتعثر".

المساهمون