الذكاء الاصطناعي يشهر سلاحه: تسونامي خفي يضرب سوق العمل في 2025

27 نوفمبر 2025   |  آخر تحديث: 13:09 (توقيت القدس)
آلة ضخمة تلقي بموظف في مكب النفايات مبرزة هيمنة الذكاء الاصطناعي (Getty)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- في عام 2025، أحدث الذكاء الاصطناعي تحولًا جذريًا في سوق العمل، حيث أصبح عنصرًا أساسيًا في قرارات التسريح وإعادة هيكلة الشركات، مما أدى إلى فقدان عشرات الآلاف من الوظائف وتوقعات بتغير طبيعة ملايين الوظائف خلال العقد القادم.

- الشركات الكبرى في قطاعات مثل التكنولوجيا والتعليم الرقمي والخدمات المالية بدأت في تقليص عدد موظفيها، مع توجيه استثماراتها نحو الأتمتة والذكاء الاصطناعي لتعزيز الكفاءة والقدرة التنافسية.

- رغم المخاوف، يرى الخبراء أن الذكاء الاصطناعي سيعزز القدرات البشرية من خلال أتمتة المهام الروتينية، مما يتيح المجال للإبداع والتفكير البشري.

في أقلّ من عقد واحد، خرج الذكاء الاصطناعي من المختبرات الضيقة وشاشات العروض التقنية إلى قلب جداول الرواتب وقرارات مجالس الإدارة. فعام 2025 لم يكن سنة اختبارات وتجريب، بل سنة تحول فيها الذكاء الاصطناعي إلى بند ثابت في تقارير التسريح، وسبب مباشر يُكتب بوضوح في مبررات الاستغناء عن آلاف الموظفين. واستيقظ الموظف على خبر غير سار على الإطلاق بعدما اكتشف أن الآلة لم تعد تزاحمه في المصنع فقط، بل أضحت تنافسه اليوم في المكتب، وفي خدمة العملاء، وحتى في إعداد التقارير والتحليلات.
ومع توالي نشر تقارير مؤسسات الاستشارات وسوق العمل، ظهر أن ما يحدث ليس موجات متفرقة من التسريح هنا وهناك، بل بداية إعادة تشكيل عميقة لسوق العمل العالمي. المؤسسات الدولية تتحدث عن عشرات ومئات الملايين من الوظائف التي ستتغير طبيعتها أو تختفي خلال السنوات المقبلة، بينما تتجه استثمارات الشركات الكبرى بكثافة نحو الأتمتة والأنظمة الذكية، وبدا عام 2025 أشبه بـ"نقطة كسر" وفيها بدأ فيها الذكاء الاصطناعي يخرج من لغة التسويق ليصبح أداة حقيقية لإعادة رسم خريطة الوظائف على الأرض.
في الولايات المتحدة وحدها سجّل تقرير شركة الاستشارات الأميركية "تشالينجر غراي آند كريسماس" المتخصصة في رصد إعلانات التسريح الصادر في السادس من نوفمبر/تشرين الثاني 2025 إعلان أرباب العمل الاستغناء عن 153.074 وظيفة في أكتوبر/تشرين الأول فقط، في أعلى مستوى لتسريحات شهرية في أكتوبر منذ عام 2003، بينها 31.039 وظيفة أُلغيت بسبب الأتمتة والذكاء الاصطناعي في ذلك الشهر وحده، ليرتفع عدد الوظائف المنسوبة مباشرة إلى الذكاء الاصطناعي منذ بداية العام إلى 48.414 وظيفة. وفي 23 نوفمبر 2025، أفادت صحيفة لوس أنجليس تايمز نقلا عن مختصين أن الذكاء الاصطناعي ذُكر أكثر من مرة باعتباره عاملاً مباشراً أو جزئياً في نحو 50 ألف حالة تسريح في الولايات المتحدة خلال 2025، ضمن موجة تخفيضات أوسع تجاوزت المليون وظيفة لأسباب تراوح بين خفض التكاليف والأتمتة وتباطؤ الطلب.

اقتصاد يُعاد تشكيله بالذكاء الاصطناعي

وقبل هذا، كان  منتدى الاقتصاد العالمي قد دق ناقوس الخطر، ففي تقريره بعنوان "مستقبل الوظائف 2025" الصادر في السابع من يناير/كانون الثاني 2025 قدم أول صورة كمية محدثة لحجم التحول المتوقع في سوق العمل حتى عام 2030. وخلص التقرير إلى أن نحو 22% من الوظائف الحالية في العالم ستتغيّر طبيعتها أو تستبدل خلال هذا العقد، أي ما يعادل اختفاء حوالي 92 مليون وظيفة قائمة.

وسبق أن حذر صندوق النقد الدولي في مذكرة بعنوان "الذكاء الاصطناعي والعمل ومستقبلنا" في 14 يناير/كانون الثاني 2024، من أن الذكاء الاصطناعي سيمس نحو 40% من الوظائف عالميا، وأن هذه النسبة ترتفع إلى 60% في الاقتصادات المتقدمة، وأشار إلى أن نصف هذه الوظائف في الدول الغنية قد يستفيد من زيادة الإنتاجية، بينما يواجه النصف الآخر خطر تآكل الأجور أو الاستبدال الكامل، وهو ما يعني اتساع الفوارق بين من يستطيعون الاستفادة من التقنية ومن يُزاحون إلى الهامش. وفي هذا السياق، حذرت المؤسسة الوطنية للبحث التربوي في بريطانيا، يوم الثلاثاء الماضي، بناء على تقديراتها، من أن الأتمتة والذكاء الاصطناعي قد يؤديان إلى اختفاء ما يصل إلى ثلاثة ملايين وظيفة منخفضة المهارة في بريطانيا بحلول 2035، خصوصا في المبيعات وخدمة الزبائن والوظائف الإدارية والأعمال الحرفية، مع تحوّل القيمة المضافة نحو أصحاب المهارات الأعلى. لتكرس الصورة النمطية الشائعة بأن عام 2025 تحول إلى نقطة انعطاف وجعل المؤسسات الدولية تتحدث عن إعادة تشكيل ملايين الوظائف، فيما تكشف بيانات التسريح عن أن الذكاء الاصطناعي بات سببا معلنا في قرارات تقليص العمالة.

قطاع التكنولوجيا والحوسبة

في الخامس من فبراير/شباط 2025 أعلنت شركة برمجيات إدارة الموارد البشرية والمالية الأميركية "ووركداي" أنها ستستغني عن 1.750 موظفا، أي نحو 8.5% من قوتها العاملة. وفي بيانها وتصريحات رئيسها التنفيذي أوضحت الشركة أن هذه الخطوة جزء من خطة لإعادة توجيه الموارد نحو الاستثمار الكثيف في الذكاء الاصطناعي والحلول السحابية، بهدف الحفاظ على القدرة التنافسية في سوق تعاني من تباطؤ إنفاق الشركات وارتفاع أسعار الفائدة.
وفي مارس/ آذار وآب/أغسطس 2025، سرحت شركة "أوراكل" ما يقرب من 10% من قوتها العاملة في الهند، كما شملت التسريحات نقاطاً في دول أخرى، مثل الولايات المتحدة وكندا والفيليبين، في أقسام المبيعات والدعم والمنتجات التقليدية، مع تقديرات غير رسمية بأن إجمالي الوظائف التي فقدت خلال 2025 يقترب مما بين عشرة آلاف وأحد عشر ألف وظيفة. ووصفت الشركة التي تضم ما يفوق 162 ألف موظف هذه الخطوة بأنها جزء من إعادة هيكلة عالمية. ورُبطت هذه التسريحات مباشرة بإعادة توجيه الاستثمارات نحو البنية التحتية السحابية وعقود الذكاء الاصطناعي الضخمة، أي أن الشركة تقلص العمالة في الأنشطة الأقل ربحية لصالح فرق متخصصة في مشاريع الذكاء الاصطناعي والحوسبة السحابية.
في 26 نوفمبر/تشرين الثاني 2025 أعلنت شركة "إتش بي" عن تسريحات تتضمن خفض ما بين 4.000 و6.000 وظيفة عالميا بحلول نهاية أكتوبر/تشرين الأول 2028، أي ما بين 7% و10% من قوتها العاملة. وأوضحت الإدارة أن الهدف هو "دمج الذكاء الاصطناعي في تطوير المنتجات وخدمة العملاء والعمليات الداخلية"، مع توقع تحقيق وفورات تصل إلى مليار دولار سنويا عند اكتمال الخطة، رغم كلفة إعادة الهيكلة المقدرة بنحو 650 مليون دولار.
وفي 27 أكتوبر/تشرين الأول 2025، أعلنت شركة أمازون عن جولة جديدة من تقليصات تستهدف نحو 30 ألف وظيفة من موظفيها الإداريين حول العالم، في إطار مسعى لخفض التكاليف وتعزيز الربحية بعد سنوات من التوسع السريع، وأشارت إلى أن هذه الخطوة تأتي بينما تضخ الشركة استثمارات ضخمة في مراكز البيانات والبنية التحتية للذكاء الاصطناعي التوليدي ووكلاء خدمة العملاء الآليين، أي أن الأتمتة والتقنيات الجديدة تلعب دوراً ضمنياً في إعادة توزيع الموارد داخل المجموعة.

قطاع التعليم الرقمي

في 27 أكتوبر/تشرين الأول 2025 أعلنت شركة التعليم الرقمي الأميركية الرائدة عالميا "تشيغ" (Chegg) عن تسريح 388 موظفا عالميا، أي حوالي 45% من قوتها العاملة، وقالت في بيان رسمي إن "الحقائق الجديدة للذكاء الاصطناعي وتراجع زيارات غوغل إلى ناشري المحتوى أدت إلى انخفاض كبير في الحركة والإيرادات"، ما فرض إعادة هيكلة جذرية للنموذج التجاري شملت تغيير الإدارة التنفيذية وإعادة توجيه الموارد، ما جعل الذكاء الاصطناعي ليس مجرد أداة داخلية، بل منافسا مباشرا لخدمات المذاكرة التقليدية عبر روبوتات الدردشة والمنصات المجانية.

قطاع التأمين والخدمات المالية

في القطاع المالي تتجه البنوك وشركات التأمين للاستثمار بكثافة في الأتمتة والذكاء الاصطناعي في مجالات خدمة العملاء، وإدارة المخاطر، والامتثال، مقابل تقليص الوظائف التي تقوم على إدخال البيانات أو التحقق اليدوي أو التعامل مع الاستفسارات الروتينية.
وأفادت وكالة رويترز، أمس الأربعاء، بأن مجموعة التأمين الألمانية أليانز (Allianz) تخطط لخفض ما بين 1.500 و1.800 وظيفة في ذراعها لأعمال التأمين على السفر أليانز بارتنرز. وأشارت رويترز نقلا عن مصادرها أن هذه التسريحات تستهدف بالأساس موظفي مراكز النداء ومعالجة المطالبات، مع تأكيد المصدر أن القرار مرتبط مباشرة بأن أنظمة الأتمتة والذكاء الاصطناعي أصبحت قادرة على تنفيذ نسبة متزايدة من المهام الروتينية التي كانت تُدار يدويا.
وفي اليوم السابق، عرض بنك "آي بي إن أمرو" الهولندي (ABN Amro) خلال "يوم أسواق رأس المال" خطته الاستراتيجية الجديدة للفترة 2026 - 2028، معلنا أنه سيقلص 5.200 وظيفة بدوام كامل بحلول 2028، أي أكثر من 20% من قوته العاملة. وأوضح البنك في بيان له أن الخطة تستند إلى تبسيط الهيكل التنظيمي، وخفض التكاليف، وتسريع التحول الرقمي في الخدمات المصرفية وإجراءات الامتثال ومكافحة غسل الأموال، مع التأكيد أن التقنيات الرقمية المتقدمة والتحليلات والذكاء الاصطناعي ستكون في قلب نموذج العمل الجديد.

قطاع التوصيل واللوجستيات

في 25 سبتمبر/أيلول 2025 أعلنت شركة توصيل طلبات الطعام الأوروبية "جاست إيت تاكيفاي" (Just Eat Takeaway) أنها ستستغني عن حوالي 450 موظفا، أي أقل من 5% من قوتها العاملة، موزعين على عدد من الدول والأقسام في خدمة العملاء والمبيعات والإدارة. وأوضح بيان للشركة أن القرار يأتي في إطار مراجعة قاعدة التكاليف ودمج الأتمتة والذكاء الاصطناعي في العمليات، مع انتقال جزء من مهام خدمة العملاء من المعالجة اليدوية إلى أنظمة آلية.
وقبل ذلك في 17 يوليو/تموز 2025، أعلنت منصة "ليفيراندو" (Lieferando) التابعة لـ"جاست إيت تاكيفاي"عن خطط لخفض نحو 2.000 وظيفة لسائقي التوصيل في ألمانيا بنهاية العام، ضمن "نموذج مُحسن للخدمة" يدمج بين العمل مع متعاقدين مستقلين واستخدام أدوات تكنولوجية لإدارة الطلبات والمسارات. ورغم أن الأتمتة هنا لا تحل محل السائق في الشارع مباشرة، فإن استخدام الخوارزميات في إدارة الأسطول وتوزيع الطلبات يسمح للشركة بتقليص عدد العاملين الدائمين لصالح نموذج أكثر مرونة وأقل كلفة.

المهن القانونية والخدمات المهنية

وانتقلت عدوى الأتمتة إلى مكاتب المحاماة والشركات الاستشارية، حيث بدأت أدوات البحث القانوني الآلي وتحليل العقود وتوليد المسودات تُقلّص الزمن اللازم لإنجاز العمل، وتُعيد رسم حدود ما يحتاجه المكتب من موظفين في الدعم الإداري والتحرير الأولي للوثائق.
وفي هذا السياق، كشفت صحيفة الغارديان الأسبوع الماضي عن أن شركة المحاماة الدولية "كليفورد تشانس" قررت خفض نحو 10% من وظائف "خدمات الأعمال" في مكتبها بلندن، أي حوالي 50 وظيفة، مع إعادة تصميم عشرات الوظائف الأخرى. وأوضحت الصحيفة أن القرار مرتبط جزئيا باعتماد أدوات قانونية تعتمد على الذكاء الاصطناعي، إلى جانب نقل بعض المهام إلى مراكز دعم منخفضة الكلفة في بولندا والهند، ما يقلل الحاجة إلى عدد كبير من الموظفين الإداريين في لندن.

من "صدمة التسريح" إلى معركة المهارات

المشهد الذي يرسمه عام 2025 يشير إلى أنه سنة الثورة الصامتة في الوظائف، ثورة لا تُرى في شوارع مليئة بالمظاهرات بقدر ما تلمس في رسائل البريد الإلكتروني التي تبلغ الموظفين بأن "منصبهم أصبح فائضا عن الحاجة"، وفي لوحات التحكم التي تُظهر لمديري الشركات أن خوارزمية جديدة تستطيع القيام بجزء معتبر من العمل. لكن حسب الخبراء، فإن الذكاء الاصطناعي لن يهدد البشر بشكل مبالغ فيه وسيقتصر على تعزيز قدراته البشرية وأتمتة المهام الروتينية المتكررة، بينما ستكون للإنسان اليد العليا من خلال التركيز على الأمور التي تتطلب الإبداع والتفكير. ويبرر الخبراء فرضياتهم بناء على ما حدث قبل ثلاثين سنة عندما تغلب الكومبيوتر على بطل العالم في الشطرنج آنذاك غاري كاسباروف واعتُقد حينها أن تفوق العقل البشري شارف على الاضمحلال، لكن التوقعات كانت مجرد سراب وتلك اللعبة كانت بداية لمزيد من تطوير هذا العقل.

المساهمون