الذكاء الاصطناعي... حرب باردة بين أميركا والصين في تنافس على الهيمنة
استمع إلى الملخص
- المنافسة بين الصين والولايات المتحدة في الذكاء الاصطناعي تشبه الحرب الباردة، مما يعزز الإنفاق التكنولوجي العالمي، لكنه يثير مخاوف من المعلومات المضللة وأنظمة لا تتماشى مع القيم الإنسانية.
- تسعى الصين لتجاوز التفوق الأمريكي في الشرائح المتقدمة عبر تطوير سلسلة توريد محلية، لكن السباق يشمل الآن وضع القواعد واحتكار البنى الرقمية، مما قد يؤدي إلى نظام عالمي ثنائي متوتر.
كانت شركات التكنولوجيا الصينية متأخرة كثيراً في مجال الذكاء الاصطناعي التوليدي في أوائل العام الماضي لدرجة أن العديد منها كان يعتمد على نماذج Llama مفتوحة المصدر من شركة Meta Platforms التي يمكن تنزيلها مجاناً. والأسوأ من ذلك أن القيود الأميركية على تصدير شرائح الذكاء الاصطناعي المتقدمة كانت تهدد بإعاقة الصين أكثر. وكان قادة الصين قلقون ومحبطون، فالتكنولوجيا الجديدة كانت تحت هيمنة شركات أميركية مثل OpenAI وGoogle وغيرها.
ويدفع القادة إلى تهميش المخاوف بشأن مخاطر النماذج القوية، بما في ذلك انتشار المعلومات المضللة والمحتوى الضار، وتطوير أنظمة ذكاء اصطناعي فائقة الذكاء لا تتماشى مع القيم الإنسانية. وقال نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس في خطاب بباريس في فبراير/شباط: "مستقبل الذكاء الاصطناعي لن يُحسم بالتوجس من مسألة الأمان"، وتتزايد التحذيرات من أن الذكاء الاصطناعي السلطوي في الصين، إذا تُرك دون رقابة، سيقوّض التفوق التكنولوجي الأميركي. أما بكين فتمسكها القناعة بأن الفشل في مواكبة تطور الذكاء الاصطناعي سيجعل من السهل على الولايات المتحدة إيقاف صعودها قوةً عالمية، ويعتقدان أن الحصة السوقية لشركاتهما حول العالم متاحة للظفر بها، ومعها القدرة على التأثير على شرائح ضخمة من سكان العالم.
لماذا لا تزال النماذج الأميركية هي الأقوى رغم تسارع الصين؟
لا تزال الولايات المتحدة متقدمة بوضوح، إذ تنتج النماذج الأقوى. الصين لا تستطيع مجاراتها في الشرائح المتقدمة، ولا تملك ما يعادل القوة المالية للمستثمرين الأميركيين الذين موّلوا الشركات الناشئة في مجال الذكاء الاصطناعي بمبلغ 104 مليارات دولار في النصف الأول من عام 2025، ويستعدون للمزيد. لكنها تمتلك عدداً هائلاً من المهندسين الأكفاء، وتكاليف أقل، ونموذجاً تنموياً تقوده الدولة غالباً ما يتحرك بسرعة أكبر من الولايات المتحدة، وكل ذلك تسعى بكين إلى تسخيره لترجيح الكفة لصالحها. وتسعى إلى تسريع إنشاء مجمعات حوسبة في مناطق مثل منغوليا الداخلية، حيث توفر مزارع الطاقة الشمسية والرياح الضخمة طاقة رخيصة وفيرة، كما تضخ الصين مئات المليارات من الدولارات في شبكتها الكهربائية لدعم تدريب الذكاء الاصطناعي وتبنيه.
وتحتل النماذج الصينية حالياً المراتب الأولى أو القريبة منها في كل مهمة من البرمجة إلى توليد الفيديو، باستثناء البحث، وفقاً لمنصة Chatbot Arena الشهيرة. وفي الوقت نفسه، يتقدم قطاع التصنيع الصيني بسرعة في دمج الذكاء الاصطناعي في العالم المادي عبر سيارات الأجرة الذاتية والطائرات بدون طيار والروبوتات البشرية. قال ماكغواير: "الولايات المتحدة محظوظة جداً بتفوقها في مجال الشرائح".
هل يشهد العالم حرباً باردة في ميدان الذكاء الاصطناعي؟
بحسب الصحيفة نفسها، يصف المطلعون على الصناعة إطلاق ChatGPT بأنه لحظة سبوتنيك بالنسبة إلى الصين في منافستها المتصاعدة مع الولايات المتحدة. لكن بالنظر إلى التطبيقات الواسعة للذكاء الاصطناعي، قد تكون المقارنة الأدق هي المنافسة الأميركية-السوفييتية خلال الحرب الباردة لبناء الحواسيب لأغراض الدفاع، وهي المنافسة التي فازت بها الولايات المتحدة، وأدت إلى ابتكارات أعادت تشكيل الاقتصاد العالمي والحياة اليومية.
وإذا تجاوز الذكاء الاصطناعي الذكاء البشري واكتسب القدرة على تحسين نفسه، فقد يمنح تفوقاً علمياً واقتصادياً وعسكرياً لا يتزعزع للدولة التي تسيطر عليه. وحتى دون ذلك، فإنّ قدرته على أتمتة المهام المملة ومعالجة كميات ضخمة من البيانات بسرعة كفيلة بتعزيز كل شيء من تشخيص السرطان إلى الدفاع الصاروخي.
بدوره، قال بول تريولو، المحلل السابق في الحكومة الأميركية ورئيس سياسات التكنولوجيا في مجموعة DGA-Albright Stonebridge لـ"وول ستريت جورنال" إن "تكاليف الحرب الباردة للذكاء الاصطناعي مرتفعة بالفعل، وسترتفع أكثر بكثير. فسباق التسلح بين الولايات المتحدة والصين في مجال الذكاء الاصطناعي يصبح نبوءة تحقق ذاتها، إذ لا يثق أي طرف بأن الآخر سيلتزم بأي قيود".
رؤية الصين… من الرقابة إلى تسريع السباق
يعود تركيز الصين على التكنولوجيا إلى عام 2017، عندما كشف شي جين بينغ عن خطة وطنية لتطوير الذكاء الاصطناعي تهدف لأن تصبح الصين الرائدة عالمياً بحلول 2030. في ذلك الوقت، كانت بكين مهتمة خصوصاً بإمكانياتها في تعزيز التعرف على الوجوه، وهو أمر مركزي لقدرات المراقبة الحكومية. لكن ظهور ChatGPT أواخر عام 2022 أظهر أن الذكاء الاصطناعي لا يقتصر على تتبع السكان، بل يمكنه أيضاً التأثير في نشر الأفكار والتلاعب بها.
كانت ردة فعل القادة الأولى هي الحذر، فبعد أشهر من إطلاق ChatGPT، فرضت الصين أول قيود شاملة في العالم على الصور المزيفة العميقة، ثم أدخلت لوائح تفرض رقابة على مخرجات ومدخلات النماذج التوليدية، وتشترط على الشركات الكشف عن تفاصيل خوارزمياتها. لكن مع تنامي قوة الأنظمة الأميركية، تزايد خوف الصين من تفويت القفزة التكنولوجية الكبرى التالية.
في السياق نفسه، ازداد اقتناع المسؤولين بأن المطورين بحاجة إلى دعم إضافي بعد أن شدّدت إدارة بايدن قيود تصدير الشرائح أواخر 2023. وجمعت السلطات مجموعات بيانات عامة للتدريب، وأقامت أسواقاً لتبادل البيانات بين الهيئات الحكومية والشركات، ونظّمت عروضاً لجذب التمويل للشركات الناشئة. وعندما جاء الاختراق الكبير للصين مطلع عام 2025، لم يكن من شركة استفادت كثيرًا من الدعم الحكومي، بل من شركة DeepSeek الممولة أساساً من صندوق التحوط الذي أسسه مؤسسها ليانغ وينفنغ. وبعد أن اقترب نموذجها R1 في الأداء من أفضل نماذج OpenAI بتكلفة أقل بكثير، أصبحت الشركة محور خطة بكين للحاق بالولايات المتحدة.
كيف غيّر نموذج DeepSeek موازين القوة بين بكين وواشنطن؟
وبحسب الصحيفة نفسها، وبعد شهر من إطلاق نموذج DeepSeek، عقد شي جين بينغ اجتماعاً مع ليانغ وعدد من كبار التنفيذيين في قطاع التكنولوجيا. وقال لهم، وفقاً لمصادر مطلعة، إن عليهم التركيز على الذكاء الاصطناعي، لأن التكنولوجيا قد تحدد قدرة الصين على المنافسة عالمياً. كان ذلك الاجتماع بمثابة الشرارة التي دفعت شركة Alibaba إلى إعلان استثمار بقيمة 53 مليار دولار خلال ثلاث سنوات لملاحقة الذكاء الاصطناعي العام، وأشارت إلى أن بكين لم تعد في موقع الدفاع.
وفي الولايات المتحدة، كانت OpenAI قد بدأت بالفعل تثير فزاعة المنافسة الصينية، إذ دعت في يناير/كانون الثاني إلى توجيه الموارد العالمية، مثل الشرائح والتمويل، بعيداً عن المشاريع المدعومة صينياً، نحو ذكاء اصطناعي ديمقراطي تشكله القيم الأميركية. ومع حلول عام 2030، تتآمر ذكاءات اصطناعية فائقة أميركية وصينية للسيطرة على الأرض، مستخدمة أسلحة بيولوجية لإبادة معظم البشر.
وعلى الرغم من تباطؤ التقدم مؤخراً، أوضحت خطة العمل للذكاء الاصطناعي التي أعلنتها إدارة ترامب في يوليو/تموز أن واشنطن تزداد حذراً من الصين. إذ وعدت بالتحقيق في مدى تقدم النماذج الصينية في تعزيز أولويات الحزب الشيوعي، ودعت الوكالات الفيدرالية لمواجهة النفوذ الصيني في الهيئات الدولية التي تضع معايير الذكاء الاصطناعي. ورد شي بإصدار خطته الخاصة الضخمة المسماة الذكاء الاصطناعي بلس (AI Plus)، التي لا تذكر الولايات المتحدة صراحة، لكنها تعلن نية بكين استخدام الذكاء الاصطناعي لـ"إعادة تشكيل نموذج الإنتاج والحياة البشرية"، مستهدفة دمج الذكاء الاصطناعي في 70% من اقتصاد الصين بحلول 2027 و90% بحلول 2030.
هل تنجح الصين في تجاوز تفوق أميركا في سباق الشرائح المتقدمة؟
أعتقد العاملون في الصناعة أن الصين قد تبعد عقداً عن تصنيع شرائح تضاهي الأفضل في أميركا، بسبب القيود الأميركية على التكنولوجيا المتقدمة. وقد أدى نقص قوة الحوسبة المتقدمة إلى تأخير شركات صينية مثل DeepSeek في تطوير نماذجها التالية. وصعّدت بكين جهودها لحشد أبطالها التكنولوجيين لبناء سلسلة توريد محلية لأشباه الموصلات، وضغطت على شركات مثل ByteDance لوقف شراء شرائح Nvidia والعمل مع شركات صينية لتطوير بدائل. وتعاونت Huawei مع آلاف الشركات المحلية، غالباً بتنسيق من مستويات مختلفة من الحكومة، لتطوير تقنيات أشباه الموصلات المتقدمة، بما في ذلك أنظمة تجمع ما يصل إلى مليون شريحة لزيادة القدرات الحوسبية، وتخطط Huawei لمضاعفة طاقتها الإنتاجية للشرائح بحلول العام المقبل.
وفي أكتوبر/تشرين الأول، عرض شي خطة خمسية لتحقيق استقلال تقني أعلى، متعهداً بإجراءات استثنائية لتحقيق اختراقات في التقنيات الأساسية مثل أشباه الموصلات. ولا تزال الولايات المتحدة تحقق تقدمها الخاص، إذ تدفع Nvidia وغيرها حدود التكنولوجيا. ولتحقيق التكافؤ، سيتعين على الصين تجاوز تفوق أميركي يمتد لأكثر من نصف قرن. وتطرح هيلين تونر، مديرة الاستراتيجية في مركز الأمن والتكنولوجيا الناشئة بجامعة جورج تاون وعضوة مجلس إدارة سابقة في OpenAI، سؤالاً جوهرياً: هل يكفي تحسين الشرائح باستمرار لإنتاج نماذج ذكاء اصطناعي أقوى؟
لذلك، تكشف ملامح هذه الحرب الباردة للذكاء الاصطناعي أن الصراع لم يعد يدور حول من يملك النموذج الأقوى أو الشريحة الأسرع فحسب، بل حول من يضع القواعد ويُعرّف الأخلاق ويحتكر البنى الرقمية التي ستدير الاقتصاد العالمي لعقود قادمة. وإذا استمر السباق بمنطق من ينتصر أولاً يهيمن دائماً، ومن دون إطار حوكمة دولي يضبط حدود الاستخدام، فإن العالم يتجه نحو نظام ثنائي متوتر: نماذج، ومعايير، وسلاسل توريد، ومنصات متوازية، تُمزّق الفضاء المعلوماتي والاقتصادي بدل تنظيمه.
وفي نهاية المطاف، قد لا يكون الخاسر واحداً من العملاقَين، بل بقية العالم الذي سيجد نفسه مجبراً على الاصطفاف التقني والسياسي، في زمن تُستخدم فيه التكنولوجيا، التي وُجدت لخدمة الإنسان، بوصفها سلاحَ نفوذ طويل الأمد. لكن السؤال الأهم يبقى، هل سيستطيع العالم وضع قواعد مشتركة تكبح هذا السباق قبل أن يتحول الذكاء الاصطناعي من أداة تقدم إلى وسيلة صراع تقود البشرية نحو مستقبل غامض؟