الديون تخنق أفريقيا... تحذير من انهيار مالي يهدد الاقتصاد العالمي

05 سبتمبر 2025   |  آخر تحديث: 08:15 (توقيت القدس)
لافتة تطالب بإلغاء ديون الدول النامية، COP27، مصر، 16 نوفمبر 2022 (فرانس برس)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- تواجه أفريقيا أزمة ديون حادة، حيث تجاوز الدين العام 1.8 تريليون دولار، مما يضع الدول في حلقة مفرغة من الاقتراض ويؤثر على تمويل الخدمات الأساسية.
- تعاني القارة من تضخم في تكلفة خدمة الديون وانكماش في المساعدات الخارجية، مما يؤدي إلى تدهور مستويات المعيشة واحتجاجات شعبية.
- تمتد تداعيات الأزمة لتؤثر على الاقتصاد العالمي، حيث تؤثر على نمو الصادرات وتسبب ارتباكًا في سلاسل التوريد، مع زيادة محتملة في الهجرة غير النظامية نحو أوروبا.

حذر محافظ البنك المركزي الكيني السابق، باتريك نجوغي، في تصريحات نقلتها صحيفة فايننشال تايمز، أمس الخميس، من أن القارة الأفريقية تقف على أعتاب أزمة مالية خطيرة قد تعصف بجهود التنمية وتنعكس ارتداداتها على الاقتصاد العالمي برمته. وأوضح نجوغي (الذي شغل منصبه منذ يونيو/حزيران 2015 وحتى يونيو/حزيران 2023) أن المساعدات الأجنبية، التي اعتمدت عليها كثير من الحكومات الأفريقية لتغطية العجز في موازناتها، ستتراجع هذا العام بنسبة تتراوح بين 9% و17%، وهو ما يضع الدول الأكثر هشاشة أمام معضلة التمويل الخارجي.

وتشير أحدث تقارير المؤسسات الدولية إلى أن قائمة الدول الأفريقية الأكثر هشاشة في التمويل الخارجي تضم مجموعة واسعة من الاقتصادات التي تجاوزت مستويات دينها الحدود الآمنة. ففي السودان قفز الدين العام إلى أكثر من 344% من الناتج المحلي الإجمالي بنهاية 2024، بينما سجلت إريتريا نسبة دين تاريخية بلغت 210.6%، لتتصدر قائمة الدول المثقلة بالديون. وعلى نحو مشابه، تعاني السنغال من دين يناهز 119% من الناتج المحلي، في حين وصلت النسبة إلى نحو 98% في موزمبيق و90% في كابو فيردي، وهو ما يعكس اتساع رقعة الأزمة حتى الدول متوسطة الدخل. كما تبرز دول مثل كينيا وغانا وزامبيا بين الأكثر هشاشة، حيث تعتمد بشكل مفرط على الاقتراض الخارجي، إذ بلغ الدين الخارجي الكيني أكثر من 33 مليار دولار، بينما تعاني غانا من تعثر رسمي في السداد منذ 2022، وزامبيا من إفلاس معلن منذ 2020 لم تحسم مفاوضاته حتى الآن، بحسب رويترز. أما الدول التي تعاني نزاعات مزمنة مثل جنوب السودان وتشاد وجمهورية أفريقيا الوسطى، فهي تصنف في أعلى مستويات المخاطر التمويلية بسبب ضعف المؤسسات والإنفاق العسكري المتزايد.

ديون تلتهم الموازنات

تُعد أزمة الديون السمة الأبرز في المشهد الاقتصادي الأفريقي الراهن. وتشير إحصاءات البنك الأفريقي للتنمية إلى أن إجمالي الدين العام الأفريقي تجاوز 1.8 تريليون دولار بنهاية 2024، بينما بلغت نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي نحو 60% في أفريقيا جنوب الصحراء. وتكشف هذه الأرقام أن معظم الدول الأفريقية باتت عالقة في حلقة مفرغة من الديون: تقترض لتسديد ديونها السابقة، بينما تتآكل قدرتها على تمويل الخدمات الأساسية. أحد الأمثلة البارزة على ذلك، أنغولا، حيث أظهرت بيانات المعهد الأفريقي للدراسات الأمنية أن خدمة الدين استحوذت على نحو 50% من الإنفاق الحكومي عام 2023. وبحسب تقرير مشترك للبنك الدولي وصندوق النقد الدولي، فإن أكثر من 20 دولة أفريقية تنفق اليوم على خدمة الدين مبالغ تفوق ما تخصصه للتعليم والصحة معا.

وفي غانا، أدى تعثر الحكومة في سداد التزاماتها عام 2022 إلى احتجاجات شعبية واسعة، ما دفع الحكومة إلى الدخول في مفاوضات مطولة مع صندوق النقد للحصول على حزمة إنقاذ. وفي زامبيا، التي أعلنت إفلاسها رسميا عام 2020، لا تزال المفاوضات مع الدائنين الدوليين متعثرة حتى اليوم، ما يضع البلاد أمام مستقبل اقتصادي غامض. وتشير تقارير صحافية إلى أن بطء آليات إعادة هيكلة الديون عبر إطار مجموعة العشرين جعلت الأزمة أكثر تعقيدا، إذ تبقى الدول عالقة لسنوات في انتظار اتفاقات بين الدائنين، بينما ينهار اقتصادها المحلي.

الأعباء تتضاعف 

وأشار محافظ البنك المركزي الكيني السابق، إلى أن القارة الأفريقية تواجه في الوقت نفسه تضخما غير مسبوق في تكلفة خدمة الديون، إذ تلتهم الفوائد والأقساط حصة متزايدة من الموازنات العامة، في وقت يعاني فيه المواطن من بطالة مرتفعة وتدهور في مستويات المعيشة. وبحسب تقرير صادر عن جامعة بوسطن الأميركية، استهلكت خدمة الدين نحو 16.7% من الإيرادات الحكومية الأفريقية في 2023، وهي النسبة العليا بين الدول النامية، فيما مثلت مدفوعات الفوائد والأقساط حوالي 14.8% من عائدات التصدير. وأظهر تحليل لمؤسسة مؤسسة إنتل بوينت، المتخصصة في تحليل البيانات الاقتصادية لأسواق أفريقيا، أن الإنفاق الحكومي المخصص لسداد الديون بلغ ذروته عند 13.6% من إجمالي الموازنات الأفريقية في 2024، قبل أن يتراجع قليلا إلى 12.6% في 2025، مقارنة بنحو 4 - 5% خلال 2013 و2014، وهو ما يعكس تضاعف العبء نحو ثلاث مرات مقارنة بما كان عليه قبل عقد واحد فقط.

وتؤكد تقارير صندوق النقد الدولي وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي أن الوضع أكثر قسوة في دول أفريقيا جنوب الصحراء، حيث تستنزف خدمة الدين في بعض الحالات أكثر من 40% من الإيرادات الحكومية، بما يحد بشدة من القدرة على تمويل الصحة والتعليم. كما يشير تقرير الأونكتاد إلى أن نحو 30 دولة أفريقية تنفق على فوائد الديون أكثر مما تنفق على قطاع الصحة. وبحسب بيانات الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (الأونكتاد)، ارتفعت خدمة الدين الخارجي للدول النامية إلى نحو 487 مليار دولار في عام 2023، وتشكل أفريقيا نسبة كبيرة من هذا الرقم.

ووفق تقارير البنك الأفريقي للتنمية، تحتاج القارة إلى أكثر من 400 مليار دولار سنويا لسد احتياجاتها التمويلية بحلول 2030، وهو مبلغ يفوق بكثير ما تحصل عليه من استثمارات أو مساعدات حالية. ومع تزايد الضغوط العالمية الناجمة عن التضخم وارتفاع أسعار الفائدة في الاقتصادات المتقدمة، أصبحت القروض الدولية أكثر كلفة، وأصبحت الأسواق الناشئة الإفريقية أمام أزمة سيولة خانقة، قد تهدد استقرارها الاجتماعي والسياسي.

انكماش المساعدات 

في موازاة أزمة الديون، تواجه أفريقيا انكماشا حادا في المساعدات الخارجية. فبحسب تصريحات محافظ البنك المركزي الكيني السابق، يتوقع أن تتراجع المساعدات الأجنبية الموجهة إلى القارة خلال 2025 بما يتراوح بين 9% و17%. ويرتبط هذا التراجع بعوامل متعددة، أبرزها انشغال الدول الغربية بأزماتها الداخلية، من التضخم في أوروبا إلى تباطؤ النمو في الولايات المتحدة، فضلا عن الأعباء المتزايدة للصراعات الجيوسياسية مثل الحرب في أوكرانيا وتصاعد التوتر في شرق آسيا، ما جعل أفريقيا تتراجع في سلم أولويات المانحين الدوليين. وبحسب البنك الأفريقي للتنمية، يعاني أكثر من 60% من سكان القارة ممن هم دون الثلاثين من معدلات بطالة مرتفعة، تصل في بعض الدول إلى أكثر من 30%. وشهدت دول مثل نيجيريا وجنوب أفريقيا في السنوات الأخيرة موجات من الاحتجاجات ارتبطت بشكل مباشر بتردي الأوضاع المعيشية وتراجع فرص العمل.

وتعتمد نحو 20 دولة أفريقية على استيراد الحبوب من روسيا وأوكرانيا لتغطية احتياجاتها الغذائية الأساسية، بحسب رويترز. ومع تعثر سلاسل التوريد وارتفاع الأسعار عالميا، ارتفعت كلفة الغذاء في أفريقيا بنسبة تفوق 40% منذ عام 2022، وهو ما جعل الملايين عرضة لانعدام الأمن الغذائي، خصوصا في دول الساحل وشرق أفريقيا التي تواجه في الوقت نفسه أزمات مناخية وجفافا متكررا.
وتشير بيانات لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية لأفريقيا إلى أن أكثر من 110 ملايين شخص في القارة تأثروا مباشرة بالكوارث المناخية والأزمات الاقتصادية خلال العام الماضي، مع خسائر اقتصادية تجاوزت 8.5 مليارات دولار. كما تشير بيانات البنك الدولي، إلى أن أكثر من نصف سكان أفريقيا جنوب الصحراء مهددون بالوقوع تحت خط الفقر المدقع بحلول 2030 إذا لم يتم احتواء الأزمة المالية الحالية.

الانعكاسات العالمية

لا يمكن النظر إلى أزمة أفريقيا الاقتصادية باعتبارها شأنا داخليا، إذ إن القارة باتت مدمجة بشكل عميق في النظام الاقتصادي العالمي. وأي انهيار في اقتصاداتها ستكون له تداعيات مباشرة على التجارة الدولية وأسواق الطاقة والمعادن وحتى السياسات الأمنية في أوروبا وآسيا. وتمثل أفريقيا سوقا يضم أكثر من 1.4 مليار نسمة، ومع ذلك فإن ضعف القدرة الشرائية الناجم عن الأزمة الحالية يعني تباطؤا في الطلب على السلع المستوردة. ووفقا لتقديرات صندوق النقد الدولي، فإن التباطؤ في أفريقيا قد يخفض نمو الصادرات الأوروبية والآسيوية بنحو 0.3 نقطة مئوية سنويا. وقد يؤثر هذا التراجع بشكل خاص على الصين، التي تعد الشريك التجاري الأول للقارة، حيث بلغت قيمة التبادل التجاري بين الجانبين أكثر من 280 مليار دولار في 2024.

وتعد أفريقيا مصدرا رئيسيا للمواد الخام الاستراتيجية مثل الكوبالت والليثيوم واليورانيوم، التي تدخل في صناعة البطاريات والسيارات الكهربائية والمفاعلات النووية. وبحسب تقرير للأمم المتحدة، تأتي أكثر من 70% من إمدادات الكوبالت العالمية من الكونغو الديمقراطية وحدها. وأي اضطراب في إنتاج أو تصدير هذه المعادن سيؤدي إلى ارتباك واسع في سلاسل التوريد العالمية، خصوصا في ظل الطلب المتزايد على تقنيات الطاقة المتجددة. وأشار معهد الدراسات الأمنية الأفريقي إلى أن تجميد الاستثمارات في قطاع التعدين بالكونغو قد يفاقم هذه الأزمة ويضع الدول الصناعية الكبرى أمام تحديات غير مسبوقة.

كما أنه مع تدهور الأوضاع المعيشية وتراجع فرص العمل، يتوقع خبراء أن تشهد القارة موجة جديدة من الهجرة غير النظامية نحو أوروبا. وبحسب تقرير للأمم المتحدة، فإن أكثر من 30 مليون أفريقي قد يسعون لمغادرة القارة بحلول 2030 إذا استمرت الظروف الاقتصادية على هذا المنوال. وهذه الموجات ستضع ضغوطا إضافية على أنظمة الضمان الاجتماعي الأوروبية، وتخلق تحديات سياسية داخلية قد تؤثر على استقرار الاتحاد الأوروبي.