الدولار يغرق

18 نوفمبر 2020
الصورة
(Getty)
+ الخط -

في يوم واحد، هو أول من أمس الاثنين، توصل اثنان من أكبر البنوك العالمية إلى نتيجة واحدة هي أن الدولار سيشهد تراجعا حادا خلال الأشهر المقبلة، وأن العام 2021 ربما يكون الأسوأ له منذ سنوات، وأن العملة الأميركية ستعاني بشكل يفوق كثيرا المعاناة التي مرت بها في أعقاب الأزمة المالية العالمية التي اندلعت في سبتمبر/أيلول 2008 وأدت إلى حدوث انهيارات في القطاعات المالية والمصرفية والعقارية وأسواق المال والبورصات. 

البنك الأول هو سيتي بنك، أكبر البنوك الأميركية، الذي توقع تراجع الدولار بنحو 20% في العام المقبل 2021، إذا تم توزيع لقاحات "كوفيد-19" على نطاق واسع وساعد ذلك في تعافي التجارة العالمية والنمو الاقتصادي. وبالطبع إذا لم يتم ذلك التوزيع الكافي فإن حجم التراجع في قيمة الدولار سيزيد. 

وبالإضافة لتأثير اللقاحات المحتمل على العملة، سيعاني الدولار أيضا مع استمرار مجلس الاحتياطي الفيدرالي (البنك المركزي الأميركي) في اتباع نهج حذر في سياسته النقدية عندما يعود الاقتصاد العالمي إلى طبيعته بحسب توقعات "سيتي غروب".

كما أن سعر الفائدة على الدولار الضعيف جداً والبالغ ما بين ربع في المائة وصفر سنويا يعد أحد نقاط ضعف العملة الأميركية رغم أنها تعد الأقل مخاطرة بين العملات الرئيسية، وتأتي في مرتبة تالية بعد الذهب من حيث تدني درجة المخاطر.

أما البنك الثاني فهو مورغان ستانلي، وهو واحد من أكبر البنوك الاستثمارية الأميركية، الذي توقع تراجع الدولار بنسبة أقل تصل إلى 4% بنهاية العام المقبل 2021، وتوقع البنك كذلك حدوث تهاوٍ لمؤشرات الأسهم الأميركية في "وول ستريت"، وأن يصل مؤشر S&P 500 إلى 3900 نقطة فقط، كما خفض توقعاته للذهب عند 1825 دولاراً للأوقية، مقابل توقعات سابقة بأن يسجل 1950 دولاراً.

لا تقتصر توقعات تراجع سعر الدولار على هذين البنكين فقط، بل سبقتهما بنوك ومؤسسات مالية أخرى توقعت تهاوي العملة الأميركية خاصة في حال تسلم جو بايدن السلطة خلفا لدونالد ترامب، وتفاقم الوضع الصحي ومعه الاقتصادي والمالي بسبب تفشي وباء كورونا.

بل إن بعض الخبراء الاقتصاديين المرموقين توقعوا انهيار الدولار في العام المقبل، من بين هؤلاء ستيفن روتش أستاذ الاقتصاد البارز بجامعة ييل الأميركية والرئيس السابق لبنك الاستثمار الشهير، مورغان ستانلي آسيا، الذي أطلق نهاية شهر سبتمبر الماضي، تحذيرا جديدا بشأن انهيار الدولار، وقال إن العام 2021 سيكون قاسيا على الدولار الذي سينهار، مشيرا إلى وجود بيانات تدل على ذلك.

إذاً، الدولار سيعاني خلال العامين المقبلين، والأسباب كثيرة منها حالة الانكماش الحادة التي تعصف بالاقتصاد الأميركي ولم تشهدها البلاد منذ الكساد الكبير في العام 1929، والخسائر الفادحة التي منيت بها القطاعات الاقتصادية جراء تفشي وباء كورونا وما صاحبها من إغلاق الاقتصاد والمصانع وإفلاس شركات وعمليات تسريح واسعة للعمالة وزيادة الديون المتعثرة لدى القطاع المصرفي.

كما مثلت كلفة برامج التحفيز المالي الضخمة للاقتصاد التي قادتها حكومة ترامب ومعه البنك الفيدرالي لمواجهة تداعيات كورونا الخطرة ضغطاً قوياً على الدولار، خاصة وأن قيمتها قاربت 6 آلاف مليار دولار تم ضخها من الموازنة العامة للدولة.

وهناك أسباب أخرى تضعف الورقة الخضراء، منها الزيادة غير المسبوقة في عجز الموازنة الأميركية والذي سجل مستوى غير مسبوق في العام الجاري 2020 حيث بلغت قيمته 3.132 تريليونات دولار، ما يضع أكبر اقتصاد في العالم في مأزق حقيقي. 

وهذا العجز أكثر من 3 أمثال عجز العام 2019، وذلك بسبب الإنفاق الضخم على حزم الإنقاذ، علما بأن الحكومة الأميركية قد توقعت في بداية السنة المالية 2020، تسجيل عجز قدره تريليون دولار فقط، كما وعد ترامب وقت ترشحه قبل 4 سنوات وعقب توليه السلطة بالتخلص من الدين العام، وقال لصحيفة واشنطن بوست في العام 2016 إنه يمكن أن يجعل الولايات المتحدة خالية من الديون على مدى ثماني سنوات. 

والملفت أن ترامب الذي قدم تلك الوعود الوردية، شهد الدين العام في ولايته الأولى زيادة فاقت 6 آلاف مليار دولار ليصل إلى 26 مليار دولار.
وتمثل زيادة الدين العام الأميركي الصداع الأكبر للدولار، خاصة مع الزيادة الكبيرة في قيمته وتراجع إيرادات الدولة بسبب إغلاق الاقتصاد وتعرضه لخسائر فادحة. 

يفاقم وضع الدولار توقعات رسمية بتجاوز دين الولايات المتحدة، حجم اقتصادها العام المقبل، وذلك للمرة الأولى منذ الحرب العالمية الثانية في 1945، بسبب زيادة الإنفاق الفيدرالي لمواجهة تداعيات جائحة كورونا. وهذا سيضع الولايات المتحدة في مصاف دول يتجاوز دينها حجم اقتصادها، مثل اليابان وإيطاليا واليونان.

هناك أزمة أخرى تضغط على الدولار وهي زيادة الإنفاق العام المتوقع من حكومة جو بايدن لمحاصرة فيروس كورونا، وهو ما يعني استمرار زيادة الدين القومي للولايات المتحدة الذي يصل الآن إلى ما يقرب من 140% من الناتج المحلي الإجمالي، حتى بزيادة الضرائب التي يقترحها الديمقراطيون. 

وربما يسعى بايدن نفسه إلى اضعاف الدولار لزيادة موارد البلاد من النقد الأجنبي خاصة من أنشطة رئيسية مثل الصادرات والسياحة والاستثمارات الأجنبية المباشرة.

في كل الأحوال، العملة الأميركية باتت في خطر حقيقي، وما يحدث حالياً من تنازع على السلطة ورفض ترامب الاعتراف بنتائج الانتخابات الرئاسية قد يزيد من أزمتها التي ستؤثر ليس فقط على الاقتصاد الأميركي، بل ستمتد إلى كل دول العالم، خاصة وأن الدولار لا يزال هو عملة الاحتياطيات الدولية الأولى من النقد الأجنبي على مستوى العالم، ولا تزال معظم البنوك المركزية تفضل حيازة الدولار على العملات الأخرى باعتباره الأكثر أمانا بعد الذهب.

المساهمون