"الدعم السريع" تنهب ثروات دارفور... والسكان يحصدون الفقر

24 سبتمبر 2025   |  آخر تحديث: 06:00 (توقيت القدس)
سوق إبل جنوب الفاشر، عاصمة شمال دارفور (أشرف شاذلي/فرانس برس)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- دارفور، الغنية بالموارد الطبيعية مثل المعادن والنفط، تعاني من صراعات أثرت سلباً على استغلال هذه الثروات، مما جعلها من أفقر مناطق السودان رغم غناها بالموارد.

- سكان دارفور يواجهون معدلات فقر مرتفعة، معتمدين على الثروة الحيوانية والزراعة، والحرب المستمرة منذ أبريل 2023 زادت من تفاقم الأوضاع الإنسانية، مسببة نزوح الملايين ومعاناة من الجوع الحاد.

- اكتشافات الموارد جذبت اهتمام الشركات الدولية، مما يثير مخاوف من نهب الثروات وزيادة الصراعات، خاصة مع تعقيد الوضع بإنشاء مليشيات الدعم السريع كيانات اقتصادية منفصلة.

تحولت ثروات دارفور في السودان من نعمة إلى نقمة، إذ أصبح الإقليم أرضاً للصراعات المحلية والإقليمية والدولية. ويتمتع الإقليم بتنوع موارده وثرواته بدءاً من خام الحديد والمنغنيز والنحاس مروراً بالكروم والكوبالت والذهب والألمونيوم والزنك واليورانيوم، كما أنه يتوفر على النفط وآبار المياه، إضافة إلى الثروات الغابية والحيوانية.

وقال مراقبون لـ"العربي الجديد" إن البنية التحتية المتضررة جراء الصراعات والحروب الأهلية في السودان أثرت على استغلال هذه الموارد، الأمر الذي حول الإقليم الغني بالثروات إلى أحد أفقر الأماكن في السودان.
وأكدوا أن دارفور تشتهر بثروة حيوانية كبيرة تعتبر مصدر رزق رئيسي للسكان، كما يعتمد المزارعون على إنتاج المحاصيل الأساسية مثل الدخن والذرة والخضروات لتلبية احتياجات المنطقة في وقت اشتهر فيه الإقليم بموارد النفط والمعادن، ولكن الحروب الدائرة بالإقليم عطّلت بصورة مباشرة استغلال هذه الموارد.

الأمين العام لمجلس تنسيق التعدين السابق بولاية شمال دارفور عبدالرحمن صابر يحيى، قال في تصريحات صحافية، مؤخراً، إن دارفور تزخر بمخزون كبير من الموارد المعدنية التي تمثل رصيداً اقتصادياً كبيراً للولاية والإقليم والسودان بشكل عام. وبين أن الدراسات المؤكدة التي قامت بها الهيئة العامة للأبحاث الجيولوجية في أوقات سابقة أثبتت وجود 20 نوعاً من المعادن الأساسية بولاية شمال دارفور لوحدها.

وزادت مخاوف السودانيين من تسريع وتيرة نهب ثروات دارفور وتحويلها إلى وقود لإشعال الحرب في ظل التطورات الجديدة بعد إعلان مليشيات الدعم السريع عن إنشاء حكومة جديدة انفصالية أطلقت عليها اسم حكومة السلام والوحدة (تأسيس) برئاسة محمد حسن التعايشي، والتي بدأت اتخاذ إجراءات لتأسيس كيانات اقتصادية ومالية منفصلة عن الحكومة المركزية في الخرطوم المعترف بها دولياً.
وفي مقابل هذه الثروات الضخمة، يعاني سكان الإقليم من معدلات فقر قياسية، إذ سجلت ولاية شرق دارفور (غرب البلاد) أعلى نسبة فقر في السودان بنسبة جاوزت 45%، من بين ولايات السودان الثماني عشرة، حسب مسح حكومي سابق عام 2014. وكانت ندوة سابقة (أقامها المجلس القومي للسكان بالتعاون مع صندوق الأمم المتحدة للسكان عام 2011)، أكدت وصول نسبة الفقر في ولايات دارفور إلى 93%، مما يضعها في صدارة الولايات الأكثر فقراً في السودان.

وما فاقم الأوضاع المعيشية للسودانيين ولا سيما في دارفور، الحرب الطاحنة التي اندلعت قبل أكثر من عامين وتحديدا يوم 15 إبريل/نيسان 2023 بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع. هذه الحرب حولت 13 مليون شخص إلى لاجئ ونازح، و24 مليونا يعانون الجوع الحاد، حسب تقارير أممية. وفي هذا الصدد أطلقت المنظمات الإنسانية تحذيرات من تداعيات أكبر أزمة إنسانية يشهدها العالم على السودانيين ولا سيما في دارفور التي كانت من أكثر المناطق تأثراً بتواصل الحرب.

6 بحيرات مياه جوفية

يؤكد أخصائي الدراسات الاقتصادية والاجتماعية في دارفور إبراهيم شمو، لـ"العربي الجديد" أن أراضي الإقليم تختزن بداخلها ست بحيرات مياه جوفية إذا ما استغلت ستبعث روح الحياة من جديد إلى هذه المنطقة التي ألقى التصحر وعوامل التوتر الأمني بظلال كئيبة على الحياة الاقتصادية والزراعية والحيوانية فيها.
ويضيف "كما يوجد مخزون من المعادن النفيسة، مثل اليورانيوم الأمر الذي حول هذه المنطقة إلى مسرح للصراع المحلي والإقليمي والدولي".‏
ووفق شمو فإن أعمال المسح الجيولوجي التي قامت بها دول عديدة مثل الولايات المتحدة وفرنسا تقول إن المنطقة غنية بالبترول وإن الجزء الجنوبي من إقليم دارفور يطفو على بحيرة من المخزون النفطي، فيما يؤكد المدير العام الأسبق للهيئة العامة للأبحاث الجيولوجية السابق، محمد أبو فاطمة، عن وجود ذهب، يورانيوم، فضة، رصاص، حديد، وكميات هائلة من (الغرافيت)، الذي يستخدم في الصناعات الدقيقة، وصناعة الخلايا الكهربائية (حجار البطارية).
وقال إن الدراسات العلمية تحدثت عن واقع جيولوجي لدارفور سيجعلها في مصاف الولايات الغنية، إذ تمتلك إمكانات معدنية هائلة، مشيراً إلى وجود مواد معدنية وصخور صناعية بالمحليات الجنوبية لولاية شمال دارفور (بيضة، هبيلا، أرارا)، والغرافيت في سلسلة جبال ميرتا بمحلية بيضة بولاية غرب دارفور، والرخام في محلية منطقة هبيلا.

وبحسب المعطيات التي قدمها أخصائي الدراسات الاقتصادية والاجتماعية في دارفور فإنه يوجد في شمال ولاية غرب دارفور محليات (كلبس، جبل مون وسربا) يورانيوم، خاصة منطقة أبو سروج بمحلية جبل مون، وفي منطقة السيسي القريبة من مدينة الجنينة عاصمة ولاية غرب دارفور يوجد الذهب والمنغنيز. وأشارت الدراسات إلى وجود معادن نادرة مثل التي تستخدم في أجنحة الطائرات والصواريخ، فيما أعلن مسؤولون عن دراسة خطة لتقسيم الولاية (غرب دارفور) إلى تسعة مربعات ثلاثة منها للذهب والحديد والبقية للمعادن النفيسة والنادرة.

وسبق أن أشارت هيئة الأبحاث الجيولوجية في السودان إلى توفر الماس في دارفور، إضافة إلى الزنك والرصاص، بجانب المعادن الزراعية في مواقع مختلفة، سيما ولايات دارفور الغربية، بجانب توفر معادن الألمنيوم والكروم والفوسفات واليورانيوم والحديد والأحجار شبه الكريمة مثل العقيق، والعطرون والملح والينابيع الساخنة.

ذهب شمال دارفور

يتركز بولاية شمال دارفور أكثر من 20 نوعاً من المعادن، بالإضافة إلى ست بحيرات من المياه الجوفية. ويقول مختص في الجيولوجيا، عبد الطيب محمود، لـ"العربي الجديد" إن هنالك منجماً يسمي عبد الشكور يقع بالقرب من مدينة كتم، يعد أحد أبرز مواقع إنتاج الذهب بالمنطقة يعمل به نحو عشرة آلاف شخص بالإضافة إلى بعض الشركات التي تعود ملكيتها لقوات الدعم السريع.
ويؤكد أنه اشتهر باستخدام السيانيد في عمليات استخلاص الذهب، مضيفاً هذه المنطقة تنتج كميات كبيرة من الذهب إلا أنه يتم تهريبه إلى دولة تشاد عبر مدينة الطينة الحدودية بين البلدين.
ويشير إلى أسماء العديد من الشركات ومنها فضل السيد، وأستاذ يوسف وحمدو، تمتلك الحصص الأكبر من أبار التعدين، بالإضافة إلى منطقة جبل عامر التي ظلت تحت قبضة الدعم السريع وهي الممول الأساسي لها إذ يرى خبراء أنها تنتج 50 طناً من الذهب سنوياً بجانب معادن أخرى.

جبل عامر "سويسرا السودان"

حسب تقارير غير رسمية، تم اكتشاف الذهب في تلال جبل عامر على يد معدنيّين متجولين في إبريل/نيسان 2012، ليتحول إلى أغلى مورد طبيعي في البلاد، إلا أن رموز النظام السابق استغلوه لتحقيق ثروات ضخمة، وأطلق على اسم أحد مناجم جبل عامر، كما أطلق عليه أخرون اسم "سويسرا السودان"، وذلك لاحتوائه على مخزون ضخم من الذهب لدرجة أنه جلب ملايين الدولارات لمالكيه.
وتقول مصادر لـ"العربي الجديد" إنه بعد اكتشاف ثروات جبل عامر هرع المعدنيون من مختلف أنحاء السودان ومن أفريقيا الوسطى وتشاد والنيجر ومالي ونيجيريا، حتى أصبح الجبل من أكثر المناطق خطورة وسط انتشار الجماعات والعصابات المسلحة في تلك الفترة من أجل البحث عن المعدن الأصفر.

وسبق أن اعلنت منظمة غلوبال ويتنس غير الحكومية أنها حصلت على صور بالأقمار الصناعية تشير إلى أن عمليات تنقيب عن النفط تجري في منطقة أقصى شمال إقليم دارفور، وأفادت في بيان صدر عنها بأن صور الأقمار الصناعية تشير إلى إجراء تنقيب زلزالي في شمال غرب قطعة أرض أطلق عليها اسم "بلوك 12A" في منطقة صحراوية بدارفور قرب الحدود مع ليبيا المجاورة.

يورانيوم غرب دارفور

يقول تقرير نشرته هيئة الأبحاث الجيولوجية الحكومية إن ولاية غرب دارفور مليئة بالمعادن النفيسة مثل الذهب واليورانيوم إضافة إلى الحديد والنحاس والرخام. وتؤكد الهيئة تقسيم المناطق لتسعة مربعات للذهب والحديد وثلاثة مربعات لليورانيوم، مشيرة إلى أن منطقة جبل مون الواقعة على بعد 50 كيلومتراً من مدينة الجنينية عاصمة ولاية غرب دارفور تزخر بموارد تعدينية كبيرة وعلى راسها الذهب.
أما في ولاية وسط دارفور وعاصمتها مدينة زالنجي تقول تقارير غير رسمية إن بها منجم الهشابة بمحلية غرب جبل مرة ويحتوي عدة معادن (ذهب – رصاص – كروم – مايكا والملح الصخري والعطرون)، وذلك وفقاً لعمليات التخريط التي قامت بها هيئة الأبحاث الجيولوجية.

نفط شرق دارفور

أما النفط ينتج بولاية شرق دارفور فيوجد في حقول شارف، وزرقة، وأم حديد، التي تتمتع بنحو 25 بئراً يصل إنتاجها إلى قرابة خمسة آلاف برميل يومياً، إلا أن الإنتاج توقف بسبب اندلاع الحرب بين الجيش ومليشيات الدعم السريع في عام 2023، إذ شهدت بعض الآبار حرقاً أو نهباً للنفط الخام، وقال مواطنون لـ"العربي الجديد" إن الدعم السريع بدأت نقل خام البترول في شهر يوليو/تموز المنصرم من حقل سفيان بولاية شرق دارفور عبر ناقلات وقود إلى دولة تشاد من خلال معبر اديكونق الحدودي بولاية غرب دارفور.
وأصبحت دارفور مقسمة إلى مربعات معدنية ونفطية تجذب أنظار شركات دولية من فرنسا والصين وأميركا وروسيا وبريطانيا وغيرها من أجل الاستحواذ على هذه المنطقة التي تعد منجماً لا ينضب من الثروات المهمة مثل النفط واليورانيوم، ولكن الحروب المتواصلة وتدمير البنية التحتية يحول دون استثمار الثروات الضخمة في الإقليم.
وفسر مراقبون أحداث ولاية غرب دارفور بمنطقة كرينك في إبريل/نيسان من العام 2022 التي اندلعت ومات فيها كثيرون بأنها صراع على الموارد، إذ اعتبر الناشط السياسي بولاية غرب دارفور، آدم جبارة، في تصريحات سابقة أنه كانت هناك نية للسيطرة من جهات عديدة على هذه المنطقة التي تزخر بمناجم الذهب والأراضي الخصبة، بالتالي فإن القضية ليس نزاعاً إثنياً أو قبلياً وغيره، بقدر ما هي توجه نحو مصالح ذات أهداف محددة ومعلومة، بحسب مراقبين.

المساهمون