الخوارزميات تفتّش في جيبك: من يقرر الأسعار اليوم بدلاً منك؟
استمع إلى الملخص
- القانون الجديد في نيويورك يلزم الشركات بالإفصاح عن استخدام التسعير الخوارزمي، مما يفتح نقاشًا عالميًا حول من يحدد الأسعار: السوق أم الخوارزمية؟
- يمكن للمستهلكين مواجهة التسعير الخوارزمي عبر مقارنة الأسعار، حذف الكوكيز، واستغلال الشفافية القانونية للحصول على أسعار أفضل.
رسالة تحذير صغيرة بدأت تظهر على شاشات الهواتف في نيويورك "هذه الأسعار حُددت بواسطة خوارزمية تستخدم بياناتك الشخصية"، الأكيد أن هناك من تساءل كيف المنتج نفسه والمطعم نفسه والرحلة نفسها والفندق نفسه لكن السعر يختلف من شخص لآخر ومن مدينة لأخرى ومن حيّ لآخر، إنها الخوارزميات التي تحدد كم تدفع؟ ومتى تدفع؟ وتعاملك بطريقة تختلف عن الآخرين لأنك سخي أو من النوع الذي لا يملك القدرة للبحث عن أفضل الأسعار أو سلوكه الاستهلاكي سلبي.
القانون الجديد في نيويورك، أجبر الشركات على الاعتراف بما كان يجري في الكواليس، الأسعار لم تعد ثابتة للجميع، بل تُفصل على مقاس كل فرد كما تراه الخوارزمية. وبهذا المشهد فتحت نيويورك الباب واسعا لنقاش عالمي، من يحدد ما ندفعه حقا؟ السوق أم الخوارزمية؟
حين يُقال للمستهلك: السعر مفصّل عليك
الخوارزمية تعرفك أكثر مما ينبغي
التسعير المتغير ليس اختراعا جديدا، فشركات الطيران والفنادق استخدمت منذ عقود ما يُسمى "التسعير الديناميكي"، حيث يتبدل السعر وفق الموسم وتوقيت الحجز ومستوى الطلب. الجديد اليوم هو التسعير الشخصي الذي تغذّيه الخوارزميات والذكاء الاصطناعي وفقا لشخصيتك وإنفاقك ومدخولك.
وشرح تحليل صادر عن جامعة نيو ساوث ويلز الأسترالية في أكتوبر/تشرين الأول 2025 أن شخصين ينظران إلى المنتج نفسه في اللحظة نفسها قد يريان سعرا مختلفا، لأن الذكاء الاصطناعي لم يعد يراقب السوق فقط، بل يراقب الفرد ذاته، يراقب سجل التصفح وتاريخ الشراء ونوع الجهاز والرمز البريدي، وحتى ما إذا كان المستهلك يميل إلى ترك "عربة التسوق" (Basket) داخل أي منصة للعودة لاحقا، فمن يعتاد ترك السلة قد يحصل على خصم، بينما من يبدو أقل حساسية للسعر يُعرض عليه سعر أعلى.
وأوضحت منصة "بيزنس ثينك" (شركة استشارية مقرها المملكة المتحدة، متخصصة في مساعدة الشركات على التحول الرقمي وتركز على منصات التجارة الإلكترونية) في نوفمبر/تشرين الثاني 2025 كيف توسع شركات الطيران والتجزئة استخدام التسعير المدعوم بالذكاء الاصطناعي لتوقع "المبلغ الذي يكون الناس مستعدين لدفعه"، وتكييف الأسعار وفق هذه التوقعات، مع تحذير الخبراء من أن الإفراط في تخصيص الأسعار قد يأتي بنتيجة عكسية ويفجّر أزمة ثقة مع المستهلكين.
تحذيرات
وحذرت هيئات مثل لجنة التجارة الفيدرالية الأميركية في دراسة عن "التسعير بالمراقبة" نشرت في 17 يناير/كانون الثاني 2025 من أن الشركات تستخدم طيفا واسعا من البيانات الشخصية لتوليد أسعار فردية، وطلبت من ثماني شركات عام 2024 تقديم معلومات تفصيلية عن منتجات التسعير المبنية على تتبع السلوك، لفهم آثارها على الخصوصية والمنافسة وحماية المستهلك.
Same pickup point, destination & time but 2 different phones get 2 different rates. It happens with me as I always get higher rates on my Uber as compared to my daughter’s phone. So most of the time, I request her to book my Uber. Does this happen with you also? What is the hack? pic.twitter.com/bFqMT0zZpW
— SUDHIR (@seriousfunnyguy) December 23, 2024
رحلة واحدة وسعران مختلفان
واختبرت صحيفة "واشنطن بوست" الأميركية في الأول من ديسمبر/كانون الأول الجاري 80 رحلة عبر تطبيقي "أوبر" و"ليفت" اللذين يقدمان خدمات النقل وتوصيل الطعام عبر تطبيق على الهواتف الذكية، وكلاهما يستخدمان الذكاء الاصطناعي من باب أن خدمات النقل عبر التطبيقات هي المختبر الأكثر وضوحا لهذه الآليات. والنتيجة كانت فروقا في الأسعار بلغت في المتوسط 14% بين التطبيقين للرحلات نفسها، مع حالات دُفع فيها لحسابات شخصية ما يصل إلى 17 دولارا أكثر من حسابات اختبارية، ما يعكس فاعلية خوارزميات التسعير في توليد فروق دقيقة لكن مؤثرة في حياة الناس اليومية.
على مستوى أكثر شعبية، أشعلت منشورات على منصة إكس جدلا واسعا، بعدما نشر مستخدم في ديسمبر/كانون الأول من العام الماضي لقطة شاشة تُظهر فرقا في تعرفة الرحلة نفسها على تطبيق "أوبر" عندما حُجزت من هاتفه ومن هاتف ابنته، بنفس نقطة الانطلاق والوصول والتوقيت. كتب الرجل في منشوره "نفس نقطة الانطلاق والوجهة والوقت، لكن هاتفين مختلفين يعنيان سعرين مختلفين"، مؤكدا أنه غالبا ما يطلب من ابنته حجز الرحلة لأنها تحصل على سعر أقل.
وسارعت شركة "أوبر" إلى نفي أن نوع الهاتف أو هوية الشخص يؤثر في التسعير، وأرجعت الفروق إلى ظروف العرض والطلب. غير أن تكرار روايات المستخدمين، إلى جانب نتائج الاختبارات الصحافية والأكاديمية، يكشف على الأقل أن عالم التسعير أصبح أكثر تعقيدا، وأن المستهلك يرى النتيجة النهائية فقط، لا المعادلة التي أنتجتها.
من رحلة التاكسي إلى إيجار البيت
تأثير التسعير الخوارزمي لا يتوقف عند كلفة الرحلات أو سلال التسوق، بل يمتد إلى ما هو أثقل مثل الإيجار. فوزارة العدل الأميركية رفعت في 23 أغسطس/آب 2024 دعوى ضد شركة البرمجيات العقارية الأميركية المتخصصة في تسعير الإيجارات "ريل بيج" (RealPage) متهمة إياها بتنسيق الأسعار بين المُلاك من خلال خوارزمية تسعير الإيجارات، بما حوّل السوق التنافسية إلى ما يشبه منصة لتبادل المعلومات الحساسة ورفع الأسعار بشكل منسق.
وتوصلت الشركة في نوفمبر/تشرين الثاني الماضي إلى تسوية مع السلطات الفيدرالية تمنعها من استخدام بيانات سرية في الزمن الحقيقي لتحديد أسعار الإيجار، وتُلزمها بالاكتفاء ببيانات غير علنية يعود تاريخها إلى سنة فأكثر، في وقت تشير تقديرات رسمية إلى أن استخدام خوارزمياتها ساهم في فرض ما يناهز 3.8 مليارات دولار إيجارات إضافية على المستأجرين في 2023.
على مستوى الولايات، وقّع حكام نيويورك وكاليفورنيا في نوفمبر/تشرين الثاني الماضي قوانين تحظر على المُلاك استخدام أدوات تسعير إيجارات تعتمد على الذكاء الاصطناعي، وتمنع ضبط الإيجار أو شروط العقد استنادا إلى توصيات هذه الأدوات، في إشارة واضحة إلى أن القلق من الخوارزميات لم يعد نظريا، بل تحوّل إلى ملف تشريعي ساخن.
كيف تفكر الخوارزمية عندما تسعّر لك؟
خلف الشاشة، تعمل الخوارزمية على سلسلة خطوات مترابطة، البداية مع التجميع إذ يقوم التطبيق أو الموقع بجمع أكبر قدر ممكن من البيانات عنك عبر الزمن، ماذا تشتري؟ متى تتسوّق؟ هل تحجز في آخر لحظة أم مبكرا؟ من أي حيّ تتصل؟ هل هو حي راق أم حي شعبي؟ وأي جهاز تستخدم؟ وهل اشتريت دفعة واحدة أو عبر خدمة "ادفع لاحقا"، هذه البيانات تُغذي قاعدة ضخمة ترسم ملامح سلوكك الاستهلاكي، وتعطي فكرة عن المستهلك هل ميسور الحال أو لا، وهل يملك سلوكاً إنفاقياً ولا يبالي بالأسعار.
المرحلة الثانية هي التصنيف: الذكاء الاصطناعي يضعك في "كتلة" من المستهلكين يشبهونك في العمر التقريبي، ومستوى الإنفاق، ودرجة الولاء للعلامة التجارية، والحساسية الملاحظة للسعر. هنا يتقاطع ما يعرف عنك أنت، بما يعرف عن آلاف الأشخاص المشابهين لك.
بعد ذلك تأتي مرحلة التنبؤ، إذ تحاول خوارزميات التعلم الآلي أن تقدّر السعر الذي قد تقبله دون أن تتراجع، وتختبر أحيانا ردة فعلك على أسعار مختلفة: هل تكمل الدفع فورا؟ هل تغلق التطبيق وتعود بعد ساعة؟ هل تنتقل إلى منصة منافسة؟ كل تصرف يصبح إشارة تغذي نموذج التنبؤ.
في اللحظة الأخيرة، تتدخل الظروف اللحظية مثل مستوى الطلب وحجم الازدحام، وعلى مستوى النقل مثل عدد السائقين والمقاعد الفارغة، ووجود حملة ترويجية لفئة معينة من المستخدمين، ثم تُخرِج الخوارزمية رقما واحدا إلى الشاشة. السعر يبدو بسيطا أمامك، لكنه في الواقع نتيجة شبكة كثيفة من الحسابات والتجارب السابقة.
كيف يدافع المستهلك
التسعير الخوارزمي لن يختفي، لكن بوسع المستهلك أن يقلل من قدرته على استغلاله. الفكرة الأساسية هي أن يكسر "أحادية النظرة" التي تمتلكها المنصة عنه. وأولى الخطوات هي المقارنة قبل الدفع. فمثلاً تحقيقات واشنطن بوست عن رحلات "أوبر" و"ليفت" أظهرت أن فروق الأسعار بين التطبيقات قد تكون كبيرة حتى للرحلة نفسها. لهذا لا يكفي فتح تطبيق واحد، ومن الأفضل فتح تطبيقين أو أكثر، بل وتجريب المنصة نفسها من متصفح مختلف أو من وضع "التصفح الخفي" لمقارنة السعر من دون أثر مباشر لسجل الكوكيز.
والخطوة الثانية تتمثل في تخفيف البصمة الرقمية أثناء التسوق، من خلال حذف الكوكيز بشكل دوري، وعدم ربط كل شيء بحساب واحد (من برامج الولاء إلى وسائل الدفع)، فهذه الإجراءات تقلّص قدرة الشركات على بناء ملف غني جدا عن عاداتك، وهو ما تحذر منه تحليلات جامعية وهيئات رقابية ترى في هذه الملفات الوقود الأساسي للتسعير الشخصي.
الخطوة الثالثة هي الانتباه لبرامج الولاء والأرصدة مسبقة الدفع. حالات مثل قصة المستخدم الذي اشتكى على منصة إكس من فرق التسعيرة بين هاتفه وهاتف ابنته عند استخدام "أوبر" تكشف أن وجود رصيد عال في المحفظة "wallet"، أو نمط استخدام "ثقيل" مع منصة واحدة، قد يتحوّل عمليا إلى نقطة ضعف إذا رأت الخوارزمية أنك لن تغادر بسهولة. حتى لو أنكرت الشركات استخدام هذه البيانات بشكل مباشر، يبقى سلوك المستهلك حاسما، لهذا لا بأس من أن يحجز صديق الرحلة أحيانا، أو أن تُجرّب منصة منافسة بشكل جدي، لتذكير الشركات بأن ولاء الزبون ليس مضمونا إلى الأبد.
الخطوة الرابعة تتعلق باستثمار لحظات الشفافية القانونية. في نيويورك، مجرد رؤية عبارة "هذا السعر حُدّد بواسطة خوارزمية تستخدم بياناتك الشخصية" يمكن أن يكون إشارة للتوقف والتفكير، وطرح سؤال: هل يمكن الحصول على السعر نفسه أو أفضل عبر قناة أخرى (موقع الفندق مباشرة بدلا من منصة وسيطة، مكتب شركة الطيران بدلا من التطبيق).