الخليج وإعمار غزة.. تحديات مالية بين وعود ترامب وضغوط النفط
استمع إلى الملخص
- مساهمة دول الخليج مشروطة بشروط صارمة، تشمل آلية رقابة دولية شفافة، وربط التمويل بتقدم نحو حل الدولتين وضمانات أمنية، مع توزيع الأعباء على مراحل.
- يرتبط الإعمار بالسياق السياسي الذي صاغه ترامب، ويتطلب بيئة آمنة ومستقرة، مع ضمانات سياسية وأمنية، وتحويل الحوكمة إلى "إدارة النتائج" بمشاركة مؤسسات دولية.
وجه إعلان الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، لبدء عملية إعادة إعمار غزة ضمن اتفاق وقف إطلاق النار الذي جرى توقيعه في مصر، الأنظار إلى مدى قدرة دول الخليج على تحمل العبء المالي الأكبر لهذا المشروع، في ظل إشارة ترامب خلال كلمته في شرم الشيخ إلى أن "عددًا من البلدان ذات الثراء الكبير" تعهدت بدعم جهود الإعمار، دون أن يحدد هويتها أو حجم مساهماتها المالية.
وتشير التقديرات الدولية إلى أن تكلفة إعادة إعمار غزة ستتراوح بين 50 ملياراً إلى 53 مليار دولار على مدى السنوات العشر القادمة، مع احتياج فوري لحوالي 20 مليار دولار خلال السنوات الثلاث الأولى، حسبما أورد تقرير نشرته الأمم المتحدة. ورغم امتلاك دول الخليج لاحتياطيات مالية ضخمة، إلا أن قدرتها على تحمل هذا العبء المالي الكبير تواجه تحديات متعددة في الوقت الراهن، بسبب تذبذب أسعار النفط وتراجع الإيرادات الحكومية، ما يؤثر على قدرتها في تمويل مشاريع خارجية واسعة النطاق، حسبما أورد تقدير نشرته وكالة "بلومبيرغ".
وحسب التقرير ذاته، فإن دول الخليج بحاجة إلى تركيز استثماراتها على مشاريع التنويع الاقتصادي الداخلية والبنية التحتية المحلية، خاصة في ظل برامج الرؤى الاستراتيجية الطموحة مثل رؤية السعودية 2030 ومشاريع الإمارات المستقبلية. وإزاء ذلك، فإن مساهمة دول الخليج في إعادة إعمار غزة ستكون على الأرجح ضمن شروط صارمة هذه المرة، تشمل وضع آلية رقابة دولية شفافة لإدارة الأموال، وربط التمويل بتقدم ملموس نحو حل الدولتين وضمانات أمنية طويلة المدى تمنع تكرار دورات العنف التي قد تدمر الاستثمارات، بحسب تقدير نشرته مؤسسة "كارنيغي" البحثية.
توازن دقيق في الخليج
في هذا الإطار، يشير الخبير الاقتصادي، عميد كلية إدارة الأعمال بالجامعة الأميركية للتكنولوجيا في لبنان، بيار الخوري، لـ"العربي الجديد"، إلى أن قدرة دول الخليج على تحمل العبء المالي الأكبر لإعادة إعمار قطاع غزة مرهونة بتوازن دقيق بين حجم الأصول والسيولة السيادية من جهة، والضغوط الناتجة من تقلبات أسواق النفط والمال من جهة أخرى.
فمع توقع أن يبلغ متوسط سعر النفط في الربع الأخير من عام 2025 نحو 62 دولارًا قبل أن ينخفض في 2026، تضيق هوامش المرونة المالية مقارنة بمستويات التعادل التي تعتمدها موازنات عدة دول خليجية. ومع ذلك، يشير الخوري إلى أن الاحتياطيات والصناديق السيادية لا تزال كافية لتمويل التزامات خارجية موجهة ومحددة الإطار، ما يبرر اعتماد مقاربة "قدرة مشروطة" بدلًا من "شيك على بياض".
ورغم أن الاقتصاد السعودي يدخل مرحلة تتسم بارتفاع الإنفاق الاستثماري الداخلي ضمن برنامج التحول الوطني، في ظل عجز متوقع وتحذيرات من صندوق النقد الدولي من مخاطر تراجع الطلب العالمي على النفط، يؤكد الخوري أن الهوامش المالية لا تزال "ملائمة"، ما يتيح للرياض الوفاء بالتزامات خارجية شرط أن تكون مجدولة ومحمية بضوابط صارمة. وفي المقابل، تتميز دولة الإمارات بنمو غير نفطي قوي ومرونة مالية ومؤسسية أعلى، حسب تقدير الخوري، ما يجعل مساهمتها، سواء المباشرة أو عبر أدوات تمويل مشتركة، أكثر استدامة.
ورغم أن الدور الأميركي والمصري والتركي والقطري في صياغة الاتفاق وبدء تبادل الأسرى وتدفق المساعدات الأولية يوفر أساسًا سياسيًا لبدء التصميم المالي، إلا أن ذلك لا يعفي من اشتراطات صارمة تتعلق بالرقابة والتدقيق وتجزيء الصرف، حسب تقدير الخوري، منوهًا إلى أن تجارب إعادة الإعمار السابقة، لا سيما بعد عام 2014، تقدم دروسًا مباشرة تدفع اليوم إلى تطوير نموذج أكثر فعالية.
أما الكويت، فرغم وفرة أصولها فإنها تواجه عجزًا معلنًا في 2025/2026، ما يرجح، بحسب الخوري، أن تكون مساهمتها في إعادة إعمار غزة انتقائية ومرتبطة بإطارات رقابية واضحة بدلًا من تعهدات مفتوحة. وتبقى الأولوية الداخلية العامل الحاسم في تحديد حجم الدعم الخليجي لإعادة الإعمار ونوعيته، إذ تستنزف برامج التنويع الاقتصادي والمشاريع الكبرى والدعم الاجتماعي حيزًا ماليًا كبيرًا، بحسب الخوري.
وفي ظل أسعار نفط دون مستويات التعادل المالي لمعظم الموازنات، يلفت الخوري إلى أن الحكومات الخليجية تتجه إلى ربط أي تمويل مخصص لغزة بجدوى اقتصادية-اجتماعية قابلة للقياس، وسقوف زمنية محددة، وربما بتوزيع الأعباء على مراحل، موضحًا أن هذا السياق يمنح الإمارات والسعودية ميزة نسبية بفضل أدوات التمويل الأكثر نضجًا، بينما تميل الكويت وسلطنة عمان إلى تقديم مساهمات مركزة عبر قنوات متعددة الأطراف لتخفيف الأثر المباشر على موازناتهما.
وبعد توقيع اتفاق وقف النار واتساع الزخم السياسي في شرم الشيخ، تبدأ العواصم الخليجية بقراءة مرحلة ما بعد الحرب بوصفها فرصة لإعادة الإعمار في غزة، شرط توفر ضمانات سياسية وأمنية أولية، ووفق الخوري فإن وجود ترتيبات أمنية محلية قابلة للتطبيق وإشارة واضحة إلى توزيع السلطة وآليات الحوكمة في القطاع يشكلان شرطين لا غنى عنهما قبل ضخ أموال كبيرة. كما يلفت الخوري إلى أن أي تمويل خليجي واسع النطاق سيطالب بتحويل الحوكمة من مجرد "السماح بالدخول" إلى "إدارة النتائج"، مع إشراك مؤسسات دولية قادرة على ضمان المساءلة الفنية والمالية.
ويقوم النموذج التمويلي الأنسب في المرحلة الأولى لإعادة الإعمار، وفق رؤية الخوري، على "سلم تمويلي" متعدد الدرجات، يبدأ بمنح إنسانية عاجلة عبر صناديق ائتمانية بإدارة دولية، يتبعها مزيج من المساهمات الرأسمالية وصكوك تمويل تنموية موجهة لمشاريع البنية التحتية المدرة للدخل، مثل المياه والطاقة الموزعة والإسكان الميسر، مع إشراك القطاع الخاص الخليجي في عقود البناء والتشغيل والنقل. وهنا ينوه الخوري إلى أن دولة قطر تتميز بخبرة تشغيلية في آليات تحويلات مضمونة إلى غزة عبر قنوات سلعية ونقدية.
السياق السياسي والأمني لإعمار غزة
وفي السياق، يشير الخبير الاقتصادي رائد المصري، لـ"العربي الجديد"، إلى أن بدء إعمار قطاع غزة يرتبط ارتباطًا وثيقًا بالسياق السياسي الذي صاغه الرئيس الأميركي دونالد ترامب، والذي يُعرف بكونه "رجل صفقات" ولا يبرم اتفاقات أو تسويات إلا بهدفين رئيسيين: الأول يتمثل في الظهور بصورة صانع سلام يسعى لتحقيق الاستقرار في الشرق الأوسط؛ والثاني يتمثل في تحميل الكلفة المالية للاتفاق على الدول الراعية له، وعلى رأسها دول الخليج.
ويرى المصري أن توزيع عبء إعادة الإعمار بين هذه الدول يخفف الضغط المالي على الخليج ككل، خاصة إذا ما دخلت مصر وتركيا شريكين فاعلين في تمويل مشاريع الإعمار وتنفيذها، لكنه يشدد على أن أي جهد إعمار حقيقي يتطلب أولًا بيئة آمنة ومستقرة، تبدأ بتثبيت وقف إطلاق النار ومنع رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، من إعادة إشعال الحرب تحت أي ذريعة، لأن أي تصعيد جديد سيجعل تكلفة الإعمار "هباءً منثورًا"، حسب تعبيره.
ويضيف المصري أن الحاجة ملحة لتثبيت مظلة أمنية إقليمية تحمي المنطقة برمتها، وهو ما طرحه ترامب ضمن رؤيته، لكن الجوهر يكمن في طمأنة دول الخليج، وخاصة قطر والسعودية، بأن الظروف الأمنية باتت مهيأة فعلاً لبدء الاستثمار في غزة، مشيرًا إلى أن الدول المساهمة في الإعمار بعضها يلعب دورًا ضامنًا لفصائل المقاومة، بما في ذلك حماس، وهو ما يستدعي إعادة تقييم شاملة للدور الأمني والسياسي في المنطقة، بحيث تضمن استقرارًا لا يهدده أي صراع مستقبلي.
كما تسعى دول الخليج، بحسب المصري، إلى حماية نفسها من أي حرب محتملة، سواء بين إسرائيل وإيران أو بين الولايات المتحدة وإيران، لأنها لا تريد أن تدفع ثمنًا مضاعفًا بسبب اضطرابات خارج نطاق سيطرتها، ورغم ارتفاع الكلفة المالية لإعادة الإعمار، فإنها تبقى مقبولة طالما أنها تحقق هدفين جوهريين: النهوض بالشعب الفلسطيني، ووقف إراقة الدماء في غزة والضفة الغربية. ويحذر المصري من أن أي مغامرة عسكرية مستقبلية، خاصة ضد إيران أو حتى في لبنان، من شأنها أن تعيد إشعال التوتر في المنطقة، ما يهدد أمن الملاحة في مضيق هرمز وباب المندب، ويُربك أسواق النفط ويزيد تقلباتها.
ويخلص المصري إلى أن الاتفاق الحالي بشأن غزة، الذي فرضه الدور الأميركي الجديد ووافقت عليه الدول المعنية، سواء برغبة أو تحت ضغط، يجب أن يُبنى على هدفين محوريين، هما: تأمين بيئة آمنة للفلسطينيين، ومنع تكرار المجازر الوحشية التي شهدها القطاع، وهذان الهدفان هما الأساس الذي تبني عليه دول الخليج استعدادها لدفع تكاليف باهظة، طالما أنها تضمن استقرارًا طويل الأمد يخدم مصالحها.
نيات ترامب
ومن جانبه، يرى الخبير الاقتصادي، عامر الشوبكي، أن نيات الرئيس ترامب بشأن غزة لا تزال غير واضحة حتى الآن، فما يظهر علنًا حتى اللحظة يقتصر على الحديث عن "إعادة الإعمار"، لكن الأهداف الحقيقية قد تكون أعمق، وربما تشمل مصالح إسرائيلية واستثمارية خاصة بترامب، بل وقد ترتبط برؤية أوسع لترتيب اقتصادي إقليمي جديد. ويصف الشوبكي حجم الدمار في غزة بأنه شديد، في ظل تقديرات بأن أكثر من 80% من المباني تضررت جزئيًا أو كليًا، لافتًا إلى أن قطاع الإسكان يأتي في مقدمة القطاعات المتضررة، يليه التجارة والصناعة والبنى التحتية الحيوية كالكهرباء والمياه والاتصالات.
ورغم الضغوط المتزايدة على موازنات بعض دول الخليج، يرى الشوبكي أن هذه الدول ما زالت تمتلك قدرة تمويلية كبيرة عبر صناديقها السيادية، لكنه يؤكد أن هذه القدرة لا تعني استعدادًا غير مشروط للدفع، خاصة في ظل تراجع الفوائض النفطية ودخول بعض الدول مرحلة ضغط مالي قد يؤدي إلى عجز طفيف في موازناتها خلال 2025–2026. ولذا، سيكون أي تمويل خليجي كبير مشروطًا بالأولويات الداخلية، ومرتبطًا بآليات تمويل ميسرة أو شراكات مشتركة، أكثر من كونه منحًا مفتوحة، حسب ترجيح الشوبكي، منوّهًا إلى أن هناك "مساحة نظرية" لمساهمة خليجية واسعة شرط أن تُربط بسلسلة من الضمانات والشروط الأساسية.
ويدعو الشوبكي إلى اعتماد خطة تعاف طويلة الأجل تبدأ بإزالة عشرات الملايين من أطنان الركام، ثم استعادة الخدمات الأساسية، قبل الانتقال إلى تمويل مشاريع لوجستية، وممرات اقتصادية، ومناطق صناعية خفيفة، وسياحة شاطئية، بشرط توفر الاستقرار الأمني والسياسي.