استمع إلى الملخص
- الحكومة الجديدة بقيادة أحمد الشرع تواجه صعوبات في إدارة البلاد بسبب التوترات الداخلية والخارجية، ونهجها الإقصائي يزيد من احتمالات التمرد والتوترات الجغرافية.
- محافظة السويداء تمثل نقطة ضعف، حيث ترفض بعض الفصائل المحلية التعاون مع الحكومة، مما يفتح المجال لتدخلات خارجية ويهدد وحدة البلاد في ظل العقوبات الدولية.
لنطوِ تكاليف وأوجاع الحرب السورية حتى تحرّرت البلاد وسقط بشار الأسد، في 8 ديسمبر/ كانون الأول العام الماضي، التي تقدرها التقارير الدولية بنحو 400 مليار دولار، وتقول أخرى إن تكلفة إعادة الإعمار إضافة إلى الخسائر الناجمة عن فوات المنفعة توصلان فاتورة الحرب إلى نحو 1.2 تريليون دولار. ونحاول غضّ الطرف عن الوجع الأكبر الذي لحق بالشعب السوري، بعد نزوح وتهجير نصف السكان، وقتل وإعاقة وتغييب نحو مليون سوري خلال فترة حكم الأسد.
طبعاً من دون أن ندخل بتفاصيل الخسائر الكارثية الأخرى، التي عادة ما تغيب عن التقارير الدولية التي تنظر للإنسان رقماً، وتتعامى عن آثار الحروب على الصحة العامة وخروج الأطفال عن مقاعد الدراسة والآثار النفسية والبيئية، أو حتّى ما تتركه الحروب من شروخ مجتمعية عميقة، قلما تندمل بواقع الانقسام والتحريض، لتعيد الاقتتال والتدمير وتعمّق الأوجاع، كالذي رأيناه اليوم في سورية. قلنا لنطوِ تلك التكاليف والأوجاع، ليس لأنّ ملامح ترميمها وتعويضها قد بدأت، بل للأسف، لأن ثمة أثماناً جديدة وتكاليف باهظة أخرى ستضاف للسابقة، وإن بأعذار وأسباب أخرى هذه المرة، يختلط فيها الداخلي مع الخارجي... وتتوزع مسؤوليتها على الجميع، وإن كانت السلطة الجديدة تتحمل الوزر الأكبر.
ورغم أن الوقت الآن، بواقع سفك الدم وتهديم البلاد والفتح على غير سيناريو، لا يحتمل توزيع المسؤوليات وتحميل الأوزار، بيد أن نهج حكومة الرئيس أحمد الشرع الإقصائية وانشغالها بالخارج عن الداخل، تغدو هي المسؤولة الأكبر والمعنية بمآلات تمرد قد يتسع، نوعياً وجغرافياً.
ففضلاً عن أنها دولة، أو هكذا يفترض، ولا بدّ أن تفكر بذهنية وعقلية وتعاطي الدولة، التي تختلف عن الفصائلية الطائفية، لم تأخذ بحسبانها أدوار "يتامى الأسد وفلوله"، وما الذي يمكن أن يفعلوه لتهديم حلم الدولة والسوريين، إن وجدوا تراخياً بالمحاسبة ما بعد إعلان "اذهبوا فأنتم الطلقاء"، أو تحاول الحكومة أن تفهم، مدى استمرار خطورة الارتباطات الخارجية ومدى تأذي دور الإقليم بعد تحرير سورية من نظام الأسد وبدء التخطيط لدولة قوية، وذلك الذي رأيناه عبر محاولة من إيران بالساحل حيناً... ومن الكيان الإسرائيلي طيلة الأحايين.
قصارى القول: من اللاأمانة المهنية وحتى التاريخية، إن أرّخنا الحرب الدائرة بمحافظة السويداء بتاريخ 12 يوليو/تموز الجاري، وقت تعدى "قطاع طرق" على مواطن من السويداء، وسرقوا بضاعته وأمواله، قبل أن تتحول المحافظة لحرب، يتزايد عدد قتلاها وخسائرها، وينتهي أحد أطوار المقتلة اليوم بتنفيذ اتفاق، نصَّ فيما نصَّ على تهجير بعض سكان المحافظة "البدو" وعدم السماح للدولة "جيشاً وأمناً" بدخول السويداء. لتبقى المحافظة خاصرة رخوة ومبرّر تدخل خارجي، وعامل إعاقة أمام وحدة سورية، وليس بعيداً أن تقتدي بأخواتها (قوات سوريا الديمقراطية "قسد")، إن أرادت حكومة دمشق بسط سيطرتها على المنطقة (شمال شرقي سورية) التي تعد خزان سورية النفطي والغذائي والمائي.
لنطوِ تكاليف وأوجاع الحرب السورية حتى تحرّرت البلاد وسقط بشار الأسد، والتي تقدرها التقارير الدولية بنحو 400 مليار دولار، وتقول أخرى إن تكلفة إعادة الإعمار إضافة إلى الخسائر الناجمة عن فوات المنفعة توصلان فاتورة الحرب إلى نحو 1.2 تريليون دولار
قلنا من اللاأمانة تأريخ "أزمة السويداء" بحادثة خطف التاجر وسلب بضاعته وماله، لأن السويداء ومنذ تحرير سورية وهروب بشار الأسد، وهي، أو بصيغة أدق، فصيل منها يتبع للشيخ حكمت الهجري (وهو واحد من ثلاثة يمثلون الرئاسة الروحية للموحدين الدروز بسورية، إلى جانب الشيخين، يوسف جربوع وحمود الحناوي)، ترفض دخول قوات الأمن واستعادة عمل المؤسّسات الحكومية، وسبق أن أفشل الهجري وفصيله اتفاقات عدّة، كما سبق التعدي على محافظ السويداء في مكتبه، قبل أن يترك المحافظة ويعود إلى العاصمة دمشق.
وليستوي القول، ثمة أسباب، محقة أو أعذار، يعتمد عليها الهجري برفضه الانضواء تحت سلطة الدولة، أو السماح لها بدخول السويداء وتفعيل مؤسّساتها، منها له علاقة بإقصاء تمثيل المحافظة (الدروز)، ومنها اتهام السلطة بالتطرف، ومنها، وفق ما أكدته الأحداث الأخيرة، ولم يعد محض اتهام وتوقّع، إيلاء قرار الهجري لإسرائيل، والعمل وفق ما تطلبه وتقتضيه خطط التفتيت والتقسيم وإبقاء سورية ضعيفة.
نهاية القول: في محاولة لتقدير الخسائر الأولوية لمحرقة لم تزل، بل ومرشحة لاحتمالات وسيناريوهات عدّة، يمكننا القول إنّ سورية خسرت هيبتها، بعد قصف العدو الصهيوني قلب دمشق وأطراف القصر الرئاسي، وخسرت حكومة الشرع الكثير من مؤيديها في الوسط السوري، ومن "الأقليات" على وجه الخصوص، بعد تأييد لم يشهده فاتح، خلال وبعيد تحرير سورية وهروب الأسد الوريث، وخسرت سورية آلاف السوريين، قتلى ومصابين، حتى الآن، وبنى تحتية جراء القصف وتدمير المنازل والممتلكات، إلى جانب خسارة ثقة البعض بالحكومة والثقة بين جلّ السوريين الذين اصطفوا وتخندقوا وعاد معظمهم للأسف، إلى البداوة والعشيرة والانتماءات الضيقة، ما ينذر بتفتيت ودمار. وأمام هاتيك الخسائر التي تنذر بعودة سورية للحرب والدمار والتدخل الخارجي، قد تبدو الخسائر الاقتصادية غير جديرة بالذكر، على أهميتها وآثارها.
وربما من الخسائر التي بدأت تلوح، التردّد الأميركي برفع كامل العقوبات عن سورية، رغم توقيع الرئيس دونالد ترامب أمراً تنفيذياً برفع العقوبات مطلع الشهر الجاري، أو احتمال فرض عقوبات جديدة، أوروبية وأميركية، بعد تقارير الانتهاكات بالسويداء وصدور التقرير النهائي للجنة التحقيق بأحداث الساحل التي وقعت في مارس/آذار الماضي، والتي (العقوبات) سيكون لها الدور الأخطر على سورية، سواء لتقييد مساعيها بالانفتاح والتطوير والإعمار، أو حتّى لاستقطاب الرساميل والاستثمارات، بل وعلى الاستثمارات التي جاءت فعلاً، ما بعد رفع العقوبات الأوروبية، ووقعت مع الحكومة السورية مذكرات تفاهم واتفاقات.
كما أعاد الاحتراب والقتل في سورية حالات التردّد إلى أقصاها، حتّى من السوريين المهاجرين والمهجّرين، ليبقى ملف الخسائر مفتوحاً ما بقيت المقتلة، ويبقى قلق السوريين على وطن لم يصلوا إلى ملامحه، إلّا بعد تضحيات وخسائر وتهجير لم يشهدها مثلهم شعب، خلال العصر الحديث. ويبقى الأمل على حكومة الرئيس الشرع بأن يكون اختبار السويداء القاسي، بداية جديدة للتعاطي، الداخلي والخارجي، بعد أن ذابت قمم ثلوج كثيرة بالداخل، كانت تغطي مكائد وارتباطات وانتماءات ضيقة، وأخرى تغلّب فكر العشيرة على الوطن... والأهم قمم الخارج المتربص بوحدة سورية واستعادة قوتها، وفي مقدمتها مطامع الكيان الإسرائيلي الذي يفضّل دويلات، وإن قوية، على سورية موحدة ضعيفة.