استمع إلى الملخص
- تضمنت الحكومة تمثيلاً واسعاً للمجتمع السوري مع تغليب التكنوقراط والشباب، واستحدثت وزارات جديدة مثل وزارة الطوارئ والشباب، مما يعكس اهتمامها بتلبية احتياجات المرحلة.
- أثار دمج بعض الوزارات حيرة، مثل وزارتي المغتربين والخارجية، مما يضع تحديات أمام الوزراء، ورغم ذلك لاقت الحكومة ترحيباً إقليمياً ودولياً.
قلما حظي تشكيل حكومة باهتمام وترقب، محلياً ودولياً، كاللذين نالتهما الحكومة السورية قبل أيام، حين نقلت التلفزات السورية وغير السورية حفل تنصيب الوزراء على الهواء مباشرة، في طقس كرنفالي غير مألوف ومعتاد وبطريقة قسم "خلت من الكتب المقدسة"، وإعلان مشروع الوزير على الملأ. ولهواجس المترقبين، السوريين وغير السوريين، أسبابها المحقة، وربما بعضها غير المحق، الذي يمكن وصفه بالمطلبي غير المنصف لحال سورية المهدمة، أو مجازاً بـ"الكيدي"، بدليل الحكم على الحكومة وانتقاد من تسربت أسماؤهم منها، حتى قبل إعلانها رسمياً، من الرئيس أحمد الشرع ليل السبت.
وأسباب الترقب المحقة كثيرة ومتعددة المستويات، فهذه الحكومة تأخر إعلانها، نحو شهر، عن وعود إدارة الرئيس أحمد الشرع وقت شكلت، إنقاذياً، الحكومة الانتقالية، وهذه الحكومة تحت المجهر، السوري والإقليمي والدولي، لجهة ضرورة تمثيلها شرائح السوريين، المناطقية والقومية والدينية، بعد تلوين قيادة الحكم السوري بعد التحرير، ومنها الحكومة، بلون واحد.
ومنتظرة أيضاً، لأنها بمثابة الاختبار الأخير لصدقية الحكم الجديد وتطبيق خطاباته على الواقع، بعد ما يصفه سوريون بخيبتي الحوار الوطني والإعلان الدستوري، واللذين لم يخلوا من الاستئثار أو الانتقائية بأبسط وألطف الألفاظ. بعدما فشلت، أو لم توفق الحكومة الانتقالية بتسيير أعمال السوريين، بل وأخذ عليها مماسك التعسف وتسريح العاملين بالدولة، بعدما عرف عنها التجريب وعدم التخصص والدراية.
بيد أن الحكومة السورية الجديدة حققت جلّ، إن لم نقل معظم المطالب الداخلية والشروط الخارجية، من تمثيل واسع لمكونات السوريين، ولتغليب التكنوقراط على أعضائها، وغلبة الشباب الحالمين أصحاب المشاريع والتطلعات التي طعموها، بمعرفة وتجارب، إثر إقامتهم خارج البلاد. كما لوحظ الاهتمام بما توجبه الحالة السورية، إن بإحداث وزارة الطوارئ والكوارث أو وزارة الشباب والرياضة. كما استجابت الرئاسة السورية لمطالب الدمج ومخالفة نظام الأسدين البائدين، وقت كانت الحقيبة الوزارية بمثابة مكافأة وعدد الوزراء ينوف على الثلاثين.
إلا أن الدمج كان موضع حيرة واستغراب، لأنه أتى على وزارات، من المفترض أن تتوسع، لا أن تندمج مع غيرها لتقاسمها الاهتمام أو تسرق منها الضوء ومن علمها الأولوية، كما حدث مع دمج وزارتي المغتربين والخارجية، رغم أن نصف السوريين اليوم، بين مهّجر ونازح وتحتاج همومهم ومطالبهم وطرائق عودتهم، ربما لأكثر من وزارة. فكيف لها أن تستطيع، وهي المدمجة مع الخارجية ذات المهام الجسام، ببناء واستعادة العلاقات وتحسين صورة سورية التي شوّهها حكم الأسد الابن، قبل أن يهرب في 8 ديسمبر/ كانون الأول 2024.
قصارى القول: طاول الدمج الوزارات الاقتصادية ذات الإرث الثقيل من التهديم والخراب، والآمال الجسام المعوّلة عليها، بفترة يرى سوريون، الوزارات المدمجة، قواطر لتنميته وتحسين واقعه المعيشي والخدمي. فدمج وزارة النفط والثروة المعدنية مع وزارة الكهرباء كان محط استغراب ودهشة، لأن تشميلهما تحت مظلة الطاقة غير كاف ومبرر، ربما للدمج.
والأهم، أن الثروات السورية الباطنية، بالبر وتحت مياه البحر، النفط والغاز والفوسفات وغيرها، ملفات كبيرة ومعقدة، فضلاً عن أن التخريب الذي لحق آبار النفط وحقول الغاز والتكالب على ثروات سورية بمياهها الإقليمية، يحتاج ربما لأكثر من وزارة. فيما الكهرباء، وإن كانت تولّد عبر الفيول أو الغاز، فهي قطاع آخر ومستقل، ولحقه ما لحقه من خراب وتدمير، إن لمحطات التوليد وشبكات التحويل، أو لكادره ومستثمريه الذين ناقصتهم سنو الحرب لدرجة الندرة، ما يلزمه تفرّد وزير وتوسيع وزارة، ليعود التأهيل للكادر والنور للسوريين والطاقة للمنشآت، والتي تضعها مطلباً أول، للعمل والاستثمار.
وجاء الدمج الثاني، ربما أكثر غرابة. فأن يتم دمج وزارتي التجارة الداخلية "التموين" والتجارة الخارجية مع وزارة الصناعة، فذاك ما لم يجد لتفسيره سوريون سبيلا. فعدا عن ابتعاد التخصص، وربما تنافره بواقع ما هو معروف عن مطالب التجار تخفيض الرسوم لتزدهر أعمالهم وتزيد أرباحهم، ومطالب الصناعيين الذين يطلبون الحماية ورفع الرسوم، ليتمكنوا، خاصة بحالة كما السورية، من إعادة تأهيل وتعمير المنشآت والإنتاج، قبل أن تفرض عليهم السلع المستوردة، منافسة عرجاء.
عدا هذا التفصيل المهم ووجود استقلالية ومؤسسات منفصلة ببنية الاقتصاد السوري منذ عقود، ثمة دور كبير، وكبير جداً لكلا القطاعين، الصناعي والتجاري، بواقع اقتصادي بائس لم يبق نظام الأسد المخلوع، أية بارقة منه أو أمل عليه، بعد عمدية تهديم ممنهجة للبنى وقصدية تهجير الصناعيين والتجار، لم تستثنيا أحداً. ليكون الدمج، غير المتوقع على الأقل، اختباراً لعمل الوزراء وكيفية إدارتهم لقطاعات واسعة، إن عبر توزيع المهام والصلاحيات للمديرين، أو إحداث مديريات مستقلة تخفف العبء على الوزارة المدمجة، أو حتى باستقلالية من تحت الطاولة وغير معلنة، عبر تعيين معاونَي الوزير، كلٌّ لوزارة.
نهاية القول: على كل ما يمكن قوله من ملاحظات حول حكومة الرئيس أحمد الشرع، إلا أنها امتصت عظيم احتقان من الشارع السوري، من جراء تنوعها واتساع تمثيلها وحسن اختيارها، قبل أن تلقى ترحيباً واسعاً، إقليمياً ودولياً، ليبقى الفصل في عمل وأداء الحكومة على الأرض، رغم الذي تعانيه من واقع مرير على صعيد الموازنة المخصصة والبنى المهدمة ومطالب الشارع ورقابته التي لن ترحم... فهو القيّم على الأداء الحكومي بواقع غياب البرلمان الذي من المنطق أن يسبق تشكيل الحكومة، لطالما هو المشرّع والمراقب لها.