الحكومة التركية تحسم شق قناة إسطنبول رغم الأصوات المعارضة

08 ابريل 2021
الصورة
يعد الرئيس أردوغان بافتتاح المشروع في مئوية تأسيس الدولة عام 2023
+ الخط -

ثارت خلافات حادة حول شق قناة جديدة على البوسفور، بين الحكومة التركية ومعارضين للمشروع، إذ أكدت الحكومة أنها عازمة على المضي قدماً لتنفيذ القناة التي ستعود بفوائد عديدة على البلاد، ولكن في المقابل وجه المعارضون تحذيرات من المشروع، الذي ستكون مخاطره مدمرة للبيئة، وسيتسبب في أضرار كبيرة للمجتمع، حسب رأيهم.

وفي أحدث تطور للقصة، قال الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، أمس الأربعاء، إن حكومته أوشكت على إتمام الاستعدادات اللازمة من أجل مشروع شق قناة إسطنبول. جاء ذلك في كلمة له، خلال اجتماع الكتلة النيابية لحزب العدالة والتنمية بالبرلمان التركي في أنقرة. وأوضح أردوغان: "أكملنا إلى حد كبير استعداداتنا لشق قناة إسطنبول التي تعتبر من أكبر مشاريع البنية التحتية وأكثرها استراتيجية في بلادنا". وأشار إلى أنه من المزمع وضع حجر الأساس لمشروع قناة إسطنبول، في صيف العام الجاري.
وكان وزير النقل والبنى التحتية، عادل قره إسماعيل أوغلو، قد أعلن "مواصلة التحضيرات لطرح مناقصة إنشاء قناة إسطنبول المائية" واعتباره أن القناة، أحد أكبرالمشاريع حول العالم و"يمثل رؤية تركيا للمستقبل". وفي حين لم يحدد الوزير التركي موعد المناقصة، خلال أول رد على بيان صدر عن 103 ضباط بحرية متقاعدين "يرفضون شق القناة والمساس باتفاقية "مونترو" وتخريب البيئة"، اكتفى إسماعيل أوغلو بالقول أول من أمس: "نعتزم البدء بطرح المناقصة قريباً جداً".
ورفضت الحكومة التركية، بيان ضباط البحرية المعارضين لشق القناة، إذ أكد الناطق باسم حزب العدالة والتنمية التركي عمر جليك، رفض حزبه لبيان الضباط، وقال إن ديمقراطية تركيا تتمثل في سياسات البلاد المدنية، معتبراً خلال مؤتمر صحافي بالعاصمة التركية أنقرة، أول من أمس، أن بيان الضباط المتقاعدين يخدم جميع الجهات باستثناء مصالح تركيا".
من جانبه، اعتبر وزير الخارجية، مولود جاووش أوغلو، أن البيان الصادر عن الضباط المتقاعدين، برتبة أميرال من القوات البحرية، "أسلوب يستحضر انقلاباً"، ودافع عن شق القناة ومشروع الوطن الأزرق، أي المياه الواقعة تحت السيادة التركية. كما رفض رئيس غرفة تجارة إسطنبول، شكيب أوفداغيتش خلال تغريدة، أي تصريح يستهدف السلطة الشرعية والمنتخبة في تركيا، مذكراً بأهمية قناة إسطنبول، على الصعيدين، التنموي والاقتصادي.
وتفاعلت قضية معارضة شق القناة وبيان الضباط المتقاعدين، وهو ما دفع النيابة العامة في العاصمة التركية أنقرة، لفتح تحقيق مع الموقّعين على البيان ومن يقف وراء إعداد هذا البيان. ولكن الرئيس التركي، تدخل ليحسم ما يقال حول أن قناة إسطنبول تعتبر خروجاً عن اتفاقية "مونترو" وأنها مخالفة لنهج مؤسس الجمهورية، مصطفى كمال أتاتورك، قائلاً: "ليست لدينا نية بالوقت الراهن للخروج من اتفاقية مونترو". وأكد في تصريح، أن المشروع يعزز السيادة الوطنية لتركيا، وأن معارضيه هم من أكبر أعداء أتاتورك والجمهورية".
 

تفاصيل المشروع العملاق
اتفاقية "مونترو" التي تم توقيعها في 20 يوليو/ تموز بقصر مونترو بسويسرا عام 1936، وبدأ سريانها في نوفمبر/ تشرين الثاني من العام نفسه، تنص على إعطاء تركيا حق السيطرة على المضيقين الموجودين على أراضيها (البوسفور والدردنيل) وتنظيم عبور السفن المدنية بأوقات السلم والحرب وتقييد مرور السفن التي لا تنتمي إلى البحر الأسود ومنع مرور السفن الحربية.
وكان الرئيس أردوغان، اقترح المشروع في العام 2011 حين كان رئيس وزراء، ليضاف إلى المشروعات العملاقة التي ستدشن خلال مئوية تأسيس الدولة عام 2023، وتمتد القناة في غرب البلاد لتربط البحر الأسود في الشمال ببحر مرمرة في الجنوب، بطول 45 كيلومتراً، وعمق 25 متراً، وعرض حوالي 400 متر ويصل في إحدى النقاط إلى كيلومتر واحد.
وبحسب مصادر تركية، سيتم استخدام الأرض المحفورة أثناء شق القناة، لإنشاء ثلاث مجموعات من الجزر في بحر مرمرة، الأولى بمساحة 186 هكتارا والثانية 155 هكتارا والثالثة 104 هكتارات، كما سيتم استخدام التربة الناتجة عن الحفر، في بناء منطقة ساحلية جديدة بالقرب من بحيرة تيركوس.

وسيبلغ طول الميناء في البحر الأسود 4.8 كيلومترات، كما سيتم بناء مركز لوجستي، وكذلك ربط مطار إسطنبول الثالث بالمشروع عن طريق خطوط السكك الحديدية، فضلاً عن بناء اثنين من المراسي على بحيرة باشاك شهير بسعة 200 يخت، وعلى سازليديري بسعة 860 يختاً، أما بالنسبة للجسور التي ستمر فوق القناة، كما جسر البوسفور الذي تحول اسمه لجسر شهداء 15 تموز، الذي يمر فوق مضيق البوسفور، فإن القناة الجديدة ستمر فوقها ستة جسور، للنقل البري والسككي وستة جسور ضيقة لتمرير الحيوانات البرية، إضافة لأحواض طوارئ ومنارات ومناطق انتظار.

التكلفة والعائدات
تبلغ كلفة مشروع قناة إسطنبول، التي يتوقع خبراء طرحها للمناقصة قريباً، نحو 25 مليار دولار بواقع 15 مليار دولار لشق القناة و10 مليارات دولار للإنشاءات المجاورة لها. وسيتم تمويل المشروع عبر مبدأ "بي أو تي"، أي البناء والتشغيل وتحويل الكلفة للمستخدم. وتشير تقديرات تركية، إلى أن مشروع قناة إسطنبول المائية سيجذب السفن والناقلات العملاقة، وسيحول مضيق البوسفور إلى خط ثانوي للتجارة البحرية مقارنة بالقناة الجديدة، متوقعة أن القناة ستدرّ على تركيا نحو 8 مليارات دولار سنوياً، وتساهم في تعويضها عن المليارات التي حُرمت منها بفعل تسعيرة المرور المخفّضة عن السفن التي تعبر مضيق البوسفور، بحسب اتفاقية "مونترو".
ووفق التقارير الرسمية التي أوردتها وزارة التجارة، فإن القناة ستمنح تركيا أفضلية تنافسية كبيرة في تجارة النقل الدولي التي يمر أكثر من 75% منها عبر البحار، ما يسمح لتركيا بجباية 5.5 دولارات عن كل طن من البضائع وحمولات السفن التي تعبرها يوميا.
وتعتبر تركيا أن مشروع قناة إسطنبول، سيغيّر من وجه النقل البري والبحري في تركيا، ويخفف من الضغط على مضيق البوسفور في الشرق، الذي يعتبر من أكثر الممرات المائية ازدحاما وكثافة ملاحية على الصعيد العالمي، إذ مرّت عام 2019 عبر البوسفور، 53 ألف سفينة مدنية وعسكرية، مقارنة بـ17 ألف سفينة مرت عبر قناة السويس، و12 ألف سفينة مرت في قناة بنما.

ضرورة ملحّة
يرى المحلل سمير صالحة، أن مشروع القناة، ضرورة وحاجة لتركيا، وسيساهم في تخفيف العبء عن مضيق البوسفور "لأنه مشروع إنمائي استراتيجي، إضافة لكونه اقتصادياً واستثمارياً تجارياً". ويعتبر صالحة خلال حديثه لـ"العربي الجديد" أن حجة معارضي المشروع ضعيفة وتندرج ضمن الاحتجاج السياسي، ولا بد برأيه، من التمييز بين أهمية الممرات واتفاقية "مونترو"، وبين مشروع القناة الذي سيقدم لتركيا الكثير بالمجالين الاقتصادي والإنمائي الاستراتيجي، لأن الممرين المائيين الحاليين "البوسفور والدردنيل" لا يوفران لتركيا العائد المالي، كما هو الحال مع قنوات دولة أخرى كقناتي بنما والسويس، بل بالعكس خلال الأعوام الأخيرة يوجد ضغط وكثافة مرور للسفن وزيادة الطلب الدولي على الممرات المائية التركية، وهذا يزيد من التفكير والسرعة لإنجاز المشروع الاستراتيجي.
 


تحذيرات المعارضة

رغم أهمية القناة وعائداتها، إلا أن للمعارضة التركية رأياً آخر، عبّر عنه أكثر من حزب معارض آخرها بيان ضباط البحرية المتقاعدين، لأن القناة، بحسب المعارضين للمشروع، ستعزل المنطقة الأثرية في إسطنبول وتحولها إلى جزيرة، وسيكون لها "أثر كارثي" بحسب تصريح سابق لرئيس بلدية إسطنبول الكبرى، أكرم إمام أوغلو. في هذا الصدد، يقول المحلل التركي، جيواد غوك لـ"العربي الجديد"، إن مخاطر القناة التي دعتنا لمعارضة المشروع، تتأتى من ثلاثة أمور. الأول من الناحية البيئية، لأنها فضلاً عن تقليل المساحة الخضراء عبر قطع الأشجار، ستخل بتماسك التربة وتلحق الضرر بمخزون المياه الجوفية. وأما السبب الثاني، فهو أن تركيا تعاني من ديون وضائقة اقتصادية، وبدل إنفاق 25 مليار دولار على القناة التي ستعود بالمخاطر البيئية، يمكن افتتاح العديد من المنشآت والمصانع التي تساهم في تقليل البطالة وتحرك الاقتصاد التركي الراكد. وثالثاً، فإن القناة وقبل إعلان المناقصة، تحولت إلى مشروع ربحي لمن هم قريبون من السلطة، فسعر متر الأراضي المحيطة بالقناة، ارتفع من 6.5 إلى 184 دولاراً، مثل "قرية شاملار"، وفي مناطق أخرى وصل سعر المتر المربع إلى 800 دولارمقارنة بسعره السابق 25 دولاراً.

المساهمون