الحرب تحاصر "داونينغ ستريت"... بيرنهام يتسلم السلطة وسط عاصفة أزمات

20 يوليو 2026   |  آخر تحديث: 03:33 (توقيت القدس)
بيرنهام في لندن، 17 يوليو 2026 (Getty)
+ الخط -
اظهر الملخص
- تواجه حكومة آندي بيرنهام تحديات اقتصادية وسياسية كبيرة، تشمل ارتفاع الإنفاق الدفاعي وتكاليف المعيشة، مما يحد من تنفيذ التعهدات الانتخابية، مع التركيز على مراجعة سياسات نفط بحر الشمال وتأجيل مشروع الهوية الوطنية الرقمية.

- تركز أولويات حكومة بيرنهام على أمن الطاقة والاستقرار المالي، مع تعزيز الإنفاق الدفاعي ومراجعة السياسات الاقتصادية والاجتماعية لتوفير هامش مالي يمكّنها من تمويل الالتزامات العاجلة.

- يواجه الاقتصاد البريطاني تباطؤًا في النمو وارتفاع تكاليف المعيشة، مما يدفع الحكومة لتبني استراتيجية صناعية جديدة تشمل توسيع برامج التدريب والتعليم المهني ومعالجة أزمة السكن.

يتسلم آندي بيرنهام، اليوم الاثنين، رئاسة الحكومة البريطانية في وقت تفرض فيه تداعيات الحرب في منطقة الشرق الأوسط إعادة صياغة أولويات حكومته الجديدة، بعدما وضعت ضغوط الإنفاق الدفاعي والمالية العامة عدداً من أبرز تعهداته الانتخابية على المحك، من بينها مراجعة سياسات تطوير حقول نفط بحر الشمال، وإعادة النظر في برنامج الرعاية الاجتماعية، وتأجيل مشروع إصدار بطاقات الهوية الوطنية الرقمية، إلى جانب احتواء التضخم وإنعاش النمو الاقتصادي، وهي ملفات تضع الحكومة أمام اختبار مبكر منذ يومها الأول في السلطة.

وتواجه الحكومة الجديدة هذه التحديات في ظل ضغوط متزايدة على المالية العامة البريطانية، مدفوعة بارتفاع الإنفاق الدفاعي واتساع احتياجات الإنفاق الحكومي، ما يحد من قدرتها على إطلاق برامج إنفاق جديدة أو تنفيذ تعهداتها الانتخابية بالوتيرة التي وعدت بها. كما يواصل التضخم وارتفاع تكاليف المعيشة فرض أعباء إضافية على الحكومة، التي تجد نفسها مطالبة بتحقيق توازن دقيق بين ضبط الإنفاق، وتحفيز النمو الاقتصادي، والحفاظ على الاستقرار المالي، في وقت تتصاعد فيه الخلافات داخل حزب العمال بشأن مستقبل الاستثمار في حقول نفط بحر الشمال، وأولويات توجيه الموارد العامة نحو القطاعات الأكثر إلحاحاً.

ويتزامن انتقال بيرنهام إلى مقر رئاسة الوزراء في "10 داونينغ ستريت" مع بدء واحدة من أكثر الولايات الحكومية تعقيداً خلال السنوات الأخيرة، إذ لم يمض سوى يومين على انتخابه زعيماً لحزب العمال، ليصبح سابع رئيس وزراء بريطاني خلال عقد واحد، في مؤشر يعكس حجم التقلبات السياسية التي شهدتها البلاد. غير أن التحدي الأكبر أمام الحكومة الجديدة لا يقتصر على استعادة الاستقرار السياسي، بل يمتد إلى إدارة اقتصاد يعاني تباطؤ النمو، واستمرار الضغوط التضخمية، وارتفاع أعباء الإنفاق العام، بينما تلقي الحرب في المنطقة بظلالها على أسواق الطاقة والتجارة العالمية، بما يضيق هامش المناورة أمام الحكومة منذ بداية ولايتها. وبحسب صحيفة الغارديان البريطانية، فرضت تداعيات الحرب في المنطقة على حكومة بيرنهام إعادة ترتيب أولوياتها منذ اليوم الأول لتوليها السلطة، مع تقدم ملفات أمن الطاقة، والمالية العامة، والدفاع على عدد من التعهدات الاجتماعية والاقتصادية التي تضمنها البرنامج الانتخابي لحزب العمال.

أولويات بيرنهام 

وبدأت ملامح أولويات إدارة آندي بيرنهام في الظهور حتى قبل تسلمه رسمياً رئاسة الحكومة. فقد نقلت وكالة رويترز أول أمس السبت عن متحدث باسمه أن مشروع الهوية الوطنية الرقمية، الذي أطلقته حكومة كير ستارمر، سيُلغى، مع إعادة توجيه التمويل المخصص له إلى أولويات أخرى، في مقدمتها تخفيف الضغوط المعيشية عن الأسر البريطانية. وذكرت الوكالة أن حكومة ستارمر كانت قد أعلنت المشروع في سبتمبر/أيلول 2025 باعتباره أحد الإجراءات الرامية إلى الحد من الهجرة غير النظامية ومواجهة تنامي شعبية حزب الإصلاح البريطاني اليميني المتطرف، قبل أن تتراجع في يناير/كانون الثاني 2026 عن إلزامية استخدام الهوية الرقمية، عقب انتقادات سياسية وشعبية واسعة. وأضافت أن بيرنهام اختار التخلي عن المشروع بالكامل، مفضلاً إعادة تخصيص موارده المالية لدعم أولويات اقتصادية واجتماعية أكثر إلحاحاً.

وأفادت صحيفة ذي غارديان البريطانية، أمس الأحد، بأن تداعيات الحرب في المنطقة فرضت تحولاً واضحاً في أجندة بيرنهام، إذ تقدمت ملفات أمن الطاقة، والاستقرار المالي، وتعزيز الإنفاق الدفاعي على عدد من التعهدات التي تضمنها البرنامج الانتخابي لحزب العمال، وفي مقدمتها بعض برامج الإنفاق الاجتماعي. وبحسب الصحيفة، فإن هذا التحول لا يقتصر على إعادة توزيع بنود الإنفاق، بل يمتد إلى مراجعة عدد من السياسات التي كانت تمثل ركائز أساسية في برنامج الحزب، في ظل سعي القيادة الجديدة إلى التكيف مع الضغوط الاقتصادية والمالية التي تواجهها بريطانيا، وتوفير هامش مالي يسمح بتمويل الالتزامات العاجلة المرتبطة بالدفاع والطاقة واحتواء أزمة المعيشة. وتوضح هذه المؤشرات أن حكومة بيرنهام ستدخل مهامها ببرنامج معدل يختلف في عدد من أولوياته عن البرنامج الانتخابي الذي خاض به حزب العمال الانتخابات، مع إعطاء الأولوية لاستقرار المالية العامة، وتأمين احتياجات الطاقة، واحتواء الضغوط المعيشية، وهي الملفات التي يتوقع أن تشكل الإطار الحاكم لسياسات الحكومة خلال المرحلة الأولى من ولايتها.

اختبار بحر الشمال

ورغم أن إلغاء مشروع الهوية الرقمية شكل أولى رسائل بيرنهام السياسية، يبقى الاختبار الأصعب ينتظره في ملف الطاقة، الذي بات يمثل إحدى أكثر القضايا إثارة للانقسام داخل حزب العمال. فقد تعهد الحزب في برنامجه الانتخابي لعام 2024 بعدم إصدار تراخيص جديدة للتنقيب عن النفط والغاز في بحر الشمال، إلا أن التكهنات تتزايد بشأن اتجاه الحكومة الجديدة للسماح بما يعرف بعمليات الربط، التي تتيح ربط حقول جديدة بمنشآت إنتاج قائمة عبر خطوط الأنابيب، بما يسمح بزيادة الإنتاج من دون إصدار تراخيص استكشاف جديدة بصورة مباشرة. ويبدو هذا الخيار، وفق "الغارديان"، بمثابة تسوية سياسية وقانونية بين جناحين داخل الحزب، أحدهما يطالب بالحفاظ على الالتزامات البيئية، والآخر يدعو إلى دعم قطاع النفط والغاز لحماية الوظائف وتعزيز أمن الطاقة في ظل الاضطرابات العالمية.

وتتركز المناقشات حول حقلي "روزبانك" و"جاكدو" قبالة الساحل الشمالي الشرقي لاسكتلندا، بعدما كانت حكومة المحافظين قد وافقت على تطويرهما، قبل أن تلغي محكمة اسكتلندية تلك الموافقات العام الماضي، مطالبة بإجراء تقييم بيئي شامل قبل السماح باستئناف عمليات الحفر. وذكرت "الغارديان" في تقرير آخر نشرته، أول أمس السبت، أن إد ميليباند سبق أن وصف موافقة حكومة المحافظين على تطوير حقل روزبانك بأنها عمل تخريبي بحق المناخ، في وقت تتجه فيه حكومة بيرنهام إلى مراجعة سياستها تجاه بعض مشروعات النفط والغاز في بحر الشمال. ولا يقتصر الخلاف على البعد السياسي، بل يمتد إلى الجدوى الاقتصادية للمشروع. فقد نقلت الصحيفة عن عضو اللجنة البرلمانية لأمن الطاقة وصافي الانبعاثات الصفري، مايك ريدر، قوله إن أي تراخيص جديدة لن يكون لها أي تأثير في خفض فواتير الأسر البريطانية، نظراً إلى محدودية الكميات المنتجة مقارنة بحجم الطلب، كما أنها لن توفر حماية حقيقية للوظائف على المدى الطويل. كما نقلت الصحيفة عن المديرة التنفيذية لمنظمة "أبليفت"، تيسا خان، قولها إن 80% من النفط المنتج في بحر الشمال يصدر إلى الخارج، ما يعني أن زيادة الإنتاج لن تنعكس مباشرة على أسعار الوقود داخل المملكة المتحدة. كما أشارت إلى أن تطوير حقل "جاكدو" لن يقلص واردات الغاز إلا بنسبة 2% فقط، معتبرة أن هذه الأرقام تؤكد محدودية المكاسب الاقتصادية مقارنة بحجم الجدل السياسي والبيئي الذي تثيره هذه المشروعات.

ضغوط الاقتصاد البريطاني

وعلى صعيد المؤشرات الاقتصادية، يتسلم بيرنهام السلطة في وقت يواجه فيه الاقتصاد البريطاني واحدة من أطول فترات ضعف النمو منذ الأزمة المالية العالمية، مع استمرار الضغوط على مستويات المعيشة واتساع الفجوة الاقتصادية بين المناطق. ووفق "الغارديان"، فإن رئيس الوزراء الجديد يراهن على تحقيق ما يسميه نمواً جيداً في كل منطقة، عبر منح صلاحيات أوسع للإدارات المحلية، وتوجيه الاستثمارات نحو المدن والأقاليم خارج لندن وجنوب شرق إنكلترا، في محاولة لمعالجة التفاوت التنموي الذي تفاقم خلال العقدين الماضيين. وتستند هذه الرؤية إلى استراتيجية صناعية جديدة تستهدف إعادة الاعتبار للقطاعات الإنتاجية، وفي مقدمتها الصناعات الدفاعية والصلب والطاقة والزراعة، بعدما تراجعت مساهمة القطاع الصناعي في الاقتصاد البريطاني من نحو 30% عام 1979 إلى نحو 10% فقط في الوقت الحالي.

وترى الحكومة الجديدة أن إعادة بناء القاعدة الصناعية تمثل أحد مفاتيح استعادة النمو ورفع الإنتاجية، إلا أن عدداً من الاقتصاديين يحذرون من أن الاقتصاد البريطاني بات يعتمد بصورة أكبر على قطاع الخدمات والاقتصاد المعرفي، وهو ما يجعل استعادة النمو الصناعي عملية طويلة ومعقدة. وقالت منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، في المسح الاقتصادي للمملكة المتحدة لعام 2026 الصادر الأربعاء الماضي، إن منح سلطات أوسع للأقاليم والسلطات المحلية يمكن أن يسهم في رفع الإنتاجية وتقليص الفجوات الاقتصادية بين المناطق، إذا اقترن باستثمارات في البنية التحتية، والتعليم، والابتكار، محذرة في الوقت نفسه من أن تنفيذ هذه الإصلاحات يتطلب الحفاظ على الانضباط المالي في ظل الضغوط المتزايدة على المالية العامة.

وتبقى تكاليف المعيشة القضية الأكثر إلحاحاً أمام الحكومة الجديدة، بعدما أدى استمرار ارتفاع أسعار الطاقة والغذاء إلى تآكل القدرة الشرائية للأسر البريطانية. وتعهد بيرنهام، وفق "الغارديان"، بإطلاق حزمة إجراءات لتخفيف الأعباء عن المواطنين، في وقت لا يزال فيه التضخم أعلى من المستوى المستهدف البالغ 2% لدى بنك إنكلترا، وكانت مؤسسة جوزيف راونتري، قد حذرت في تقرير نشرته في 29 يونيو/حزيران الماضي، من أن استمرار تداعيات الحرب في المنطقة وارتفاع أسعار الطاقة قد يفاقمان الضغوط على مستويات المعيشة، مؤكدة أن دخول الأسر البريطانية، ولا سيما منخفضة الدخل ومتوسطته، ستظل تحت الضغط ما لم تتخذ الحكومة إجراءات أكثر فاعلية في مجالات الإسكان والطاقة والحماية الاجتماعية.

ورغم أن مسؤولين في حزب العمال يرون أن تأثير الحرب في المنطقة على أسعار الطاقة جاء أقل من التوقعات، مقارنة بما حدث عقب اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية عام 2022، ما زالت الأسعار أعلى بكثير من مستويات ما قبل جائحة كورونا، الأمر الذي يدفع خبراء إلى المطالبة بإجراءات إضافية تشمل دعم فواتير الطاقة، وضبط الإيجارات، وتوسيع برامج الدعم الاجتماعي، بما يخفف من آثار التضخم على الشرائح الأكثر تضرراً. ولا تقل أزمة سوق العمل تعقيداً عن بقية التحديات التي تواجه الحكومة الجديدة، إذ أظهر تقرير أعده الوزير البريطاني السابق ألان ميلبورن بتكليف من الحكومة، واستند إلى بيانات مكتب الإحصاءات الوطني، أن عدد الشباب الذين لا يعملون ولا يدرسون ولا يتلقون أي تدريب تجاوز للمرة الأولى منذ أكثر من عقد حاجز المليون شخص، بما يعادل 13.5% من الفئة العمرية بين 16 و24 عاماً، وفق "رويترز".

وفي مواجهة هذا التحدي، تعهد بيرنهام بإطلاق حزمة إصلاحات تستهدف توسيع برامج التدريب والتعليم المهني وربطها بصورة أوثق باحتياجات سوق العمل، إلى جانب مراجعة منظومة الرعاية الاجتماعية وإعانات الإعاقة، بهدف رفع معدلات المشاركة الاقتصادية، وزيادة فرص توظيف الشباب، والحد من الاعتماد طويل الأجل على الإعانات الحكومية.

معادلة صعبة

وتواجه الحكومة الجديدة أيضاً تحدياً مالياً معقداً يتمثل في التوفيق بين زيادة الإنفاق على الدفاع والحفاظ على انضباط المالية العامة. وتشير بيانات وزارة الخزانة البريطانية إلى الحاجة إلى توفير 4.7 مليارات جنيه إسترليني إضافية خلال السنوات الخمس المقبلة لتمويل الالتزامات الدفاعية، فضلاً عن إعادة توزيع 10.3 مليارات جنيه بين الوزارات، في وقت تبلغ فيه تكلفة خدمة الدين العام نحو 100 مليار جنيه إسترليني سنوياً. وفي الوقت نفسه، يتمسك بيرنهام بالقواعد المالية التي وضعتها حكومة حزب العمال السابقة، تفادياً لأي اضطرابات في أسواق المال أو ارتفاع إضافي في تكلفة الاقتراض، وهو ما يفرض قيوداً على قدرة الحكومة على إطلاق برامج إنفاق واسعة، رغم الوعود الانتخابية التي قطعها الحزب.

كما يضع رئيس الوزراء الجديد ملف الإسكان ضمن أولويات حكومته، مع تعهد ببناء 1.5 مليون منزل وتخصيص 39 مليار جنيه إسترليني للإسكان الاجتماعي والميسر، في محاولة لمعالجة أزمة السكن التي تعد من أكبر التحديات الاجتماعية في بريطانيا. غير أن تحقيق هذه الأهداف سيظل رهناً بقدرة الحكومة على توفير التمويل وتسريع وتيرة البناء، في وقت تشير فيه البيانات الرسمية إلى أن إنكلترا لم تشهد معدلات بناء مماثلة منذ أواخر ستينيات القرن الماضي. وتكشف مجمل هذه الملفات أن بيرنهام يبدأ ولايته وسط هامش مالي وسياسي ضيق، إذ يتعين عليه الموازنة بين احتواء الضغوط المعيشية، وتحفيز النمو الاقتصادي، وتعزيز أمن الطاقة، والوفاء بالتعهدات البيئية، وزيادة الإنفاق الدفاعي، من دون الإخلال باستقرار المالية العامة أو فقدان ثقة الأسواق.