استمع إلى الملخص
- تاريخياً، لم تحقق حروب التجويع أهدافها المرجوة، كما يظهر في حصار لينينغراد والغوطة الشرقية، حيث عانى السكان من الجوع والمرض دون تحقيق الأهداف العسكرية.
- رغم الحصار، تواصل المقاومة الفلسطينية عملياتها، مما أدى إلى اعتراف إسرائيل بفشلها في القضاء على حماس، مؤكداً أن الشعوب الجائعة تنتصر عندما يكون هدفها تحرير أوطانها.
تستخدم إسرائيل منذ نحو 21 شهراً سلاح الاقتصاد والتجويع في حربها القذرة ضد غزة بهدف القضاء على المقاومة التي قصمت ظهر الاحتلال في طوفان الأقصى المجيد يوم 7 أكتوبر/ تشرين الأول 2023. ورغم أن التجويع جريمة حرب وتحرمها الاتفاقات الدولية، يواصل الاحتلال حصاره للقطاع الذي يعيش فيه أكثر من مليوني إنسان معظمهم أطفال ونساء، رغم التنديدات والغضب الدولي.
وحرب التجويع الإسرائيلية ليست الأولى ولن تكون الأخيرة في عالم لا تحكمه سوى قوانين الغابة، بل استخدمت من قديم الأزل وإلى عصرنا هذا.
وبعيداً عن التاريخ الطويل لحروب التجويع والحصار للمدنيين بوصفها عقاباً جماعياً أثناء الحروب سنتناول عدة نماذج في العصر الحديث لنعرف هل نجحت حروب التجويع في تحقيق أهدافها ومن الذي انتصر في النهاية؟
على سبيل المثال حوصرت مدينة لينينغراد في سبتمبر/أيلول 1941 وحتى يناير/كانون الثاني 1944 (خلال الحرب العالمية الثانية)، بعد أن اجتاحت القوات الألمانية أراضي الاتحاد السوفييتي سابقاً، ويصنف هذا الحصار ضمن أكثر الأحداث مأساوية لما خلفه من خسائر بشرية قدرت بنحو مليون شخص، بينهم نحو 140 ألف طفل، بسبب القصف والجوع والمرض.
ومن النماذج المعاصرة البشعة لتجويع المدنيين وحصارهم أيضاً، ما فعله نظام بشار الأسد في الغوطة الشرقية، إذ نفذ واحدة من أفظع جرائم الحرب في التاريخ، حيث تمت محاصرة نحو 400 ألف شخص وأُخضعت المدينة لحملة من التجويع المتعمد وتعرضت محاصيل ومزارع الغوطة الشرقية للقصف والحرق في عام 2013. وقامت قوات النظام السورية بسد الطرق ومصادرة الأغذية والوقود والأدوية بصورة منهجية، وفقاً لتقرير صادر عن الأمم المتحدة في عام 2014. واضطر بعض السكان إلى الاعتماد على أوراق الأشجار ليسدوا جوعهم ولم يكتف النظام بذلك، بل شن هجمات كيماوية ضد المدنيين الأبرياء.
وهناك نماذج كثيرة لا تسع مساحة المقال لرصدها حول حروب التجويع التي شنتها دول وأنظمة قمعية، ولكن نموذج أهوال قطاع غزة بسبب الحرب الإسرائيلية "لا مثيل له في التاريخ الحديث"، بحسب تصريحات الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريس، الثلاثاء الماضي، إذ حذر غوتيريس، من تفاقم سوء التغذية، مؤكداً أن "المجاعة تقرع كل الأبواب".
سلاح الاقتصاد
يتخيل البعض أن استخدام سلاح الاقتصاد من حصار وتجويع سيساعد في تحقيق انتصارات على الخصوم، ولكن التاريخ القديم والحديث يؤكد أن الجوعى المدافعين عن أوطانهم المحتلة دائماً ينتصرون لأن تجربة الجوع تجعلهم أكثر إصراراً على المقاومة ودحر المحتل.
وفي التجارب التي عرضناها سنجد أن ألمانيا التي شنت حرب إبادة وتجويع ضد مدينة لينينغراد انهزمت شر هزيمة. وهو تماماً ما حدث مع نظام بشار الأسد الذي أسقطه الجوعى الذين اشتد عودهم وأصروا على مواصلة الثورة ضد الطاغية وجنوده حتى حرروا بلادهم.
أما غزة وما أدراك ما غزة... فقد زادت قوة رجالها المقاومين ببطون خاوية وزلزلوا الأرض تحت أقدام الغزاة وأحرقوا الكثير من جنودهم أحياء في دباباتهم وآلياتهم وحصونهم. ورغم جوعهم مثل باقي شعبهم في القطاع يخرج رجال المقاومة من تحت الأرض ووسط الركام لينفذوا عمليات نوعية أدت إلى اعتراف إسرائيلي بأن كيانهم بعد مرور نحو عامين فشل فشلاً ذريعاً في القضاء على حماس أو تحرير أسراهم عبر الحرب. كل هذا يؤكد أن الجوعى ينتصرون ما دام هدفهم هو تحرير أوطانهم مهما كان الثمن قاسياً ومؤلماً.