لم تعد موجات الحر والجفاف في بريطانيا مشكلة موسمية محصورة في الحقول، فالحصاد أصبح مبكراً بسبب الطقس الجاف، لكن غلة بعض المحاصيل تتراجع، ومربّي المواشي يستهلكون أعلافاً كانت مخصصة للشتاء، فيما يواجه منتجو الفاكهة والخضراوات ضغوطاً متزايدة للحصول على مياه الري.
وتكشف بيانات قدّمها مجلس تنمية الزراعة والبستنة البريطاني (AHDB) لـ"العربي الجديد" أنّ متوسط غلة القمح في المزارع المشمولة بأول مسح للحصاد جاء أقل 13% من متوسط السنوات الخمس الماضية، فيما تؤكد الهيئة أنّ الزراعة البريطانية ليست مستعدة بعد لشدة موجات الحر والجفاف المتوقع تكرارها مع تغير المناخ.
تقول جيس كورسير؛ كبيرة باحثي السياسات والاقتصاد في المجلس، وهو هيئة عامة مستقلة عن الوزارات، في رد خاص على أسئلة "العربي الجديد"، إن الحصاد تقدم بسرعة في معظم المناطق بسبب الطقس الجاف، لكنّ الغلال جاءت "مخيبة للآمال" بعد موسم آخر شهد محدودية في الأمطار منذ الربيع. وبحسب البيانات التي قدمتها كورسير، كان 95% من محصول الشعير الشتوي قد حُصد حتى أواخر يوليو/تموز، وجاء متوسط الغلة أقل 2% من متوسط السنوات الخمس.
أما القمح الشتوي، فكان 54% منه قد حُصد، مع انخفاض متوسط الغلة 13% عن متوسط السنوات الخمس. وخالف محصول بذور اللفت الشتوي هذا الاتجاه، إذ كان 73% منه قد حُصد، وجاء متوسط الغلة أعلى 17% من متوسط السنوات الخمس. أما الشوفان والشعير الربيعي، فتقول كورسير إن الحصاد لم يكن قد تقدم بما يكفي لاستخلاص نتائج موثوقة بشأنهما. وتؤكد أحدث بيانات المجلس المنشورة على موقعه الإلكتروني أن متوسط غلة القمح بلغ 6.8 أطنان للهكتار، مقابل متوسط عشري قدره 7.9 أطنان، مع تفاوت كبير بين المزارع والمناطق بحسب التربة وقدرتها على الاحتفاظ بالرطوبة وتوقيت الزراعة وعوامل أخرى.
وتشير تقديرات أولية إلى أن أثر الجفاف قد يتحول إلى خسارة مباشرة في دخل المزارعين، إذ قدّرت وحدة استخبارات الطاقة والمناخ (ECIU)، في تحليل نشر في 5 أغسطس/آب، أن الحرارة والجفاف قد يخفضان محصول بريطانيا من الحبوب والبذور الزيتية بما يصل إلى 2.5 مليون طن مقارنة بتوقعات سابقة، ما قد يكلف مزارعي المحاصيل ما يصل إلى 390 مليون جنيه إسترليني من الإيرادات (526.5 مليون دولار).
وأضافت الوحدة، وهي مؤسسة بحثية غير ربحية، أنه إذا استمرت الغلال عند مستوياتها الأولية، فقد يبلغ إجمالي إنتاج الحبوب والبذور الزيتية نحو 19.5 مليون طن، ما قد يجعل 2026 أسوأ موسم منذ بدء السجلات التفصيلية المقارنة عام 1984. وتبقى هذه التقديرات أولية إلى حين اكتمال الحصاد ومراجعة الغلال النهائية. وتأتي خسائر المحاصيل في ظل أزمة مياه واسعة.
ففي 29 يوليو/تموز، أعلنت وكالة البيئة (هيئة حكومية) أن سبع مناطق تغطي نحو نصف إنكلترا أصبحت في حالة جفاف، فيما أظهرت بياناتها أن 78% من الأنهار كانت عند مستويات دون الطبيعية أو أقل، وأن سدسها بلغ مستويات منخفضة بصورة استثنائية لهذا الوقت من العام. كذلك، قالت الوكالة إن الجفاف أدى إلى حصاد مبكر لبعض الحبوب وتراجع غلة بعض المحاصيل، فيما فُرضت قيود على أكثر من 1500 ترخيص لسحب المياه.
وفي ردها على أسئلة "العربي الجديد"، أرسلت مسؤولة الإعلام في الاتحاد الوطني للمزارعين في إنكلترا وويلز (NFU)، ليزي ميلن، أحدث بيان للاتحاد (وهو جهة نقابية ممثلة للمزارعين) بشأن تأثير الجفاف في الإنتاج الزراعي.
وقال رئيس الاتحاد، توم برادشو، إن الموسم الحالي يمثل واحدة من أشد موجات الجفاف التي مر بها كثير من المزارعين والمنتجين، وإن مؤشرات الغلة تبدو ضعيفة، فيما يواجه منتجو الفاكهة والخضراوات صعوبة في الحصول على مياه الري.
وأضاف أن ضعف نمو العشب دفع مربّي المواشي إلى استخدام الأعلاف التي جُمعت في الربيع وكان يفترض الاحتفاظ بها للشتاء، مؤكداً أن "إنتاج الغذاء غير ممكن من دون المياه". ويعني استهلاك مخزون الشتاء مبكراً أن بعض المربين قد يحتاجون إلى شراء أعلاف إضافية لاحقاً، ما يرفع كلفة الإنتاج.
وتظهر أحدث بيانات مجلس تنمية الزراعة والبستنة البريطاني أن متوسط سعر طن التبن في الرزم الكبيرة بلغ 95 جنيهاً في الأسبوع المنتهي في 2 أغسطس/آب، مقابل 91 جنيهاً في الفترة المقارنة من العام الماضي. وطالب الاتحاد الحكومة بتسهيل تراخيص سحب المياه، والسماح للمزارعين بتخزينها خلال فترات الوفرة لاستخدامها عند الجفاف، وتسريع إجراءات إنشاء خزانات داخل المزارع وتوفير حوافز للاستثمار فيها.
ورغم ضعف المحاصيل، تحذر كورسير، في ردها على "العربي الجديد"، من الربط المباشر بين الغلة البريطانية وأسعار الغذاء. وتقول إن حجم وجودة المحصول المحلي يؤثران في كمية الحبوب التي قد تضطر بريطانيا إلى استيرادها وفي علاقة الأسعار المحلية بالسوق العالمية، لكن الأسعار تحدد أساساً على المستوى الدولي، لأن المملكة المتحدة تنتج أقل من 1% من الحبوب العالمية. وتشير إلى أن محاصيل روسيا وأوكرانيا والولايات المتحدة وكندا والبرازيل والأرجنتين وأستراليا والاتحاد الأوروبي أكثر تأثيراً في الإمدادات والأسعار.
تضيف أنّ منطقة البحر الأسود تمثل حالياً مصدراً رئيسياً لعدم اليقين في أسواق الحبوب، بعدما أدت التطورات العسكرية إلى اضطرابات في حركة الصادرات. وتؤكد أحدث بيانات السوق لدى مجلس تنمية الزراعة والبستنة البريطاني هذا الترابط. ففي تقريره الصادر في 3 أغسطس/آب، بلغ سعر العقود الآجلة للقمح العلفي البريطاني لتسليم نوفمبر/تشرين الثاني 196.50 جنيهاً للطن، بعد تراجعه 3.25 جنيهات خلال أسبوع عقب مكاسب قوية في يوليو/تموز.
وقال المجلس إن الأسواق العالمية بقيت متقلبة، وإن التطورات في البحر الأسود ما تزال مصدراً رئيسياً لعدم اليقين وتقلب الأسعار، في وقت خفضت فيه المفوضية الأوروبية توقعاتها لإنتاج القمح اللين في الاتحاد الأوروبي إلى 124.4 مليون طن، بانخفاض 8% عن الموسم السابق. وهنا تظهر مفارقة الموسم الحالي: قد يخسر المزارع البريطاني جزءاً من محصوله، فيما يظل السعر الذي يحصل عليه مقابل الكمية المتبقية مرتبطاً بدرجة كبيرة بعوامل عالمية لا يملك السيطرة عليها.
تستورد المملكة المتحدة نحو 40% من غذائها، وفق أحدث تقييمات الأمن الغذائي الحكومية، ما يجعل التجارة الخارجية وسيلة أساسية لتعويض ضعف بعض المحاصيل المحلية. لكنّ كورسير توضح لـ"العربي الجديد" أن قدرة الواردات على إبقاء الأسعار مستقرة تعتمد على حجم المحاصيل في بقية العالم، لا أوروبا وحدها. أما الاتحاد الوطني للمزارعين، فيحذر من الاعتماد الزائد على الخارج، في وقت تتعرض فيه دول أوروبية موردة، بينها فرنسا وإسبانيا، لحرارة شديدة وحرائق.
ولا يعني ذلك أن بريطانيا ستعجز عن استيراد الغذاء، إذ يخفف تنوع الموردين من المخاطر المحلية، لكن تزامن ضعف الإنتاج في أكثر من منطقة يزيد حساسية الإمدادات والأسعار لأي اضطراب إضافي. وتذهب كورسير أبعد من نتائج الموسم الحالي في تقييمها لوضع القطاع، وتقول إن هذا الصيف أظهر أن الزراعة البريطانية "ليست مستعدة لشدة الطقس الحار والجاف الذي سنشهده بوتيرة أكبر نتيجة تغير المناخ".
مع ذلك، ترى أن بريطانيا في موقع يسمح لها بالتعامل مع هذه التحديات إذا تكيفت نظمها الزراعية على المديات القصير والمتوسط والطويل. وتضيف أن المزارعين بدأوا بالفعل في دراسة محاصيل أكثر تحملاً للجفاف، وجمع المياه وتخزينها، واستخدام الظل بصورة استراتيجية في الأراضي الزراعية للتخفيف من آثار الحرارة الشديدة.
وتتقاطع هذه الأولويات مع مطالب الاتحاد الوطني للمزارعين، الذي يدعو إلى التعامل مع إنتاج الغذاء المحلي بوصفه جزءاً من البنية التحتية الوطنية الحيوية. ولا تشير البيانات الحالية إلى أزمة غذاء، لكنها تكشف ضغوطاً متزايدة على المزارعين مع تراجع بعض المحاصيل وارتفاع كلفة المياه والأعلاف، فيما تبقى الأسعار مرتبطة بالسوق العالمية.