الثقافة والهوية والاقتصاد... ما الذي يجمع بين هؤلاء؟

11 ديسمبر 2025   |  آخر تحديث: 03:03 (توقيت القدس)
أسواق الأردن، عمان، 4 أبريل 2021 (فرانس برس)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- الدكتور عمر عبد الله الفَجّاوي، أستاذ الأدب الجاهلي في الجامعة الأردنية، أطلق كتابه "ضرام العرفج" الذي يناقش مصطلح "الجاهلية" وكيف أُسيء استخدامه عبر التاريخ، مستندًا إلى معجم الدوحة التاريخي للغة العربية.

- الكتاب يحلل مصطلح "الجاهلية"، موضحًا أن استخدامه زاد في العصر العباسي، ويرتبط بصفات سلبية مثل الظن والشكوكية، ويستند إلى إحصاءات من معجم الدوحة التاريخي.

- النص يتناول الهجمات الثقافية على العرب، مشيرًا إلى أهمية إحياء الثقافة العربية وتعزيز الهوية التاريخية واللغوية، ويشيد بجهود قطر في مشروع "معجم الدوحة التاريخي".

يصادفك في طريق الحياة أشخاص تكاد لا تعرف قيمتهم لأنهم متواضعون، وينأون بأنفسهم عن مديح الذات. وبمرور الوقت، وتعدد اللقاءات تكتشف أنهم أصحاب مواهب ومعارف وملكات لم تخطر على بالك. ومن هؤلاء كان لي شرف التعرف على الأستاذ الدكتور عمر عبد الله الفَجّاوي، أستاذ الأدب الجاهلي في الجامعة الأردنية. وقبل أسبوعين شهدت حفلاً في المكتبة الوطنية الأردنية لإشهار كتابه الموسوم "ضرام العرفج، مصطلح الجاهلية المحيف عليه. قراءة في شبهات الفهوم في ضوء معجم الدوحة التاريخي للغة العربية". وكان الحاضرون في معظمهم أساتذةً في الأدب العربي أو التاريخ العربي أو طلاباً يعدّون أطروحات الماجستير والدكتوراه، وبعض المهتمين من أمثالي باللغة العربية ووزراء سابقين وصحافيين. استمعنا إلى أربعة تعليقات من أساتذة مختصين بالشريعة أو الأدب العربي أو التاريخ. وكان الحفل كله تحت رعاية رئيس الوزراء الأردني الأسبق عون الخصاونة الذي سبق له أن كان رئيساً للديوان الملكي الهاشمي وعضو محكمة العدل الدولية قبل أن يخدم فيها نائباً لرئيس المحكمة حين استدعاه ملك الأردن عبدالله الثاني ليكون رئيساً للوزراء. والرجل مهتم بالأدب والشعر العربي والفارسي وحافظ للشعر باللغتين.

وأما عنوان الكتاب "ضرام العرفج" فهو يشير هنا إلى استخدام أهل الجزيرة العربية وبعض الدول المجاورة لنبات العرفج سريع الاحتراق والتوهج، إما لإضرام النار عند طلب الدفء أو لإعداد الطعام. وباستخدام المؤلف لمصطلح "ضرام العرفج" تقصّد أن يقول إن مصطلح "الجاهلية" قد أضرمت ناره بفعل عناصر خارجية من أجل تحقيق غايات الإساءة للعرب، أو من قبل بعض الشعوبيين، أو عن حسن نية من بعض الإسلاميين المتحمسين الذين يريدون إظهار فضل الإسلام على العرب وجعلهم يخرجون من الظلمات إلى النور. الدكتور الفجاوي المستعين بالعديد من المصادر المهمة وبنتاج معجم الدوحة التاريخي للغة العربية، يقرر أنّ كلمة الجاهلية هي الكلمة الصحيحة لأنّ القرآن الكريم ذكرها أربع مرات. وورد ذكرها في حديثين نبويين صحيحين ثم يقتبس من معجم الدوحة التاريخي ليؤكد أن مصطلح الجاهلية ورد 1368 مرة بدءاً من أقدم نص وصل إلينا وحتى نهاية القرن الثاني الهجري. أما من مطلع القرن الثالث الهجري وحتى نهاية القرن الخامس الهجري فقد ورد اصطلاح الجاهلية 8557 مرة، ما يجعل المجموع خلال هاتين الحقبتين 9925 مرة.

ولو تمعّنا في هذه الإحصاءات لرأينا أن استخدام المصطلح لم يكن شائعاً خلال الجاهلية السابقة للإسلام، وأنه استُخدم مرات قليلة خلال عصر الخلفاء الراشدين والعصر الأموي، ولكن استخدامه زاد إبان العصر العباسي. وهذا التكاثر في الاستخدام نجم عن أدبيات نشرت على أيدي علماء معروفين، خصوصاً في عهد الخليفة السابع المأمون، وبعض من تلوه. ومع أن مشروع الدوحة اكتمل حتى وقتنا الحالي فإنّ إحصاء ورود المصطلح لم يجر بعد القرن الخامس الهجري. وقد ورد مصطلح الجاهلية في أربع سور كريمة، وهي الآية 154 من سورة آل عمران "ظن الجاهلية" والآية الخمسون من سورة المائدة "حكم الجاهلية"، والآية 33 من سورة الأحزاب "تبرج الجاهلية"، والآية 26 من سورة الفتح "حمية الجاهلية". والآية الواردة في سورة الأحزاب التي تنهى نساء النبي "ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى" أدخلت المؤلف في بحث الجاهلية الأولى والتي يقول إنها سبقت الجاهلية بحقب غابرة.

ولو تمعنّا في الآيات الأربع لوجدنا أنها كلها آيات مدنية في سور مدنية. ومع أن المؤلف لم يطرح تفسيراً لهذا الأمر، إلا أنني ناقشته هاتفياً حول الموضوع، حيث أكد لي أن الأمر لم يخطر بباله أثناء إعداده للكتاب. وقد وعدني بالبحث فيها. وأنا أقول أن استخدامها بعد الهجرة إلى المدينة، وبناء الدولة الإسلامية ومؤسساتها. ويقول الكتاب إن ورودها في القرآن ارتبط بصفات محددة ومنها ظن الجاهلية وشكوكها. ومنها حكم الجاهلية القائم على المصالح ومراعاة القوي، ومنها تبرج الجاهلية المبالغ فيه من قبل بعض نساء العرب. وأخيرا حمية الجاهلية بمعنى الحماس الزائد لأمر ما. علماً أن الكتاب يورد اقتباسين للخليفة عمر بن الخطاب يمتدح فيها الحمية بمعنى الانحياز للحق قلباً وعقلاً. ولهذا يخلص الكاتب إلى النتيجة أن مصطلح الجاهلية يبقى ضمن عادات وصفات غير حميدة، ولكنه لا يعني أن عرب الجاهلية كانوا جهلة في العموم، وليس لديهم أي مقومات ثقافية وعلمية وحضارية، وهذا التعميم هو أمر مقصود من قبل الشعوبيين والمستشرقين الكارهين للعرب.

ولعل الحملة على العرب من خلال تخريب معنى مصطلح الجاهلية يذكرني بكتاب "الثقافة والهوية" لمؤلفه أمارتيا سين الفائز بجائزة نوبل في الاقتصاد عام 2000. وقد وضع هذا الكتاب بعد فوزه. وفيه يقول إننا إذا أردنا أن نهاجم شخصاً ما أو قوماً ما فإننا ننخرط في عملية تقليص هويته حتى نصل بها إلى حجم يمكّننا من الهجوم عليه وعلى هويته ووجوده. وهذه الفكرة نجدها عند الفيلسوف البريطاني فرانسيس بيكون الذي كتب مقالاً شهيراً بعنوان "أوثان الفكر"، والتي يقول فيها إننا نصنع صفات تصبح مع الوقت أوثاناً فكرية نستخدمها لكي نصنف الناس دون الحاجة إلى شرح أو تفسير، فنقول فلاناً "انبطاحي" وآخر "ذنب للاستعمار" وآخر "تقدمي"، ورجعي". ويكفيك استخدام المصطلح لكي ترفض التعامل مع من ينطبق عليه من أهل ذلك الوصف، ولعل أشهر هذه المصطلحات هذه الأيام هي كلمات مثل "الجهادي" أو "الإرهابي".

وجدنا حديثاً أن استخدام هذه المصطلحات وراءه آلة ضخمة من الكتاب والمشوهين. وقد وضعوا هذه الأوثان ونشروها حتى يصبح مجرد استخدامها إدانة لمن يوصف بها. ويصبح فريسة سهلة لعدوانهم. لقد قالوا عن الهنود الحمر إنهم "سالخو جلدة الرأس" وإنهم "وحوش كاسرة" وقتلة برابرة. وترجمت هذه المصطلحات إلى أفعال شائنة بحق القبائل الهندية لانتزاع الأراضي منهم وتصفيتهم جسدياً ومن ثم التمييز ضد من بقي منهم حياً، أو من رضي منهم بالعيش في مخيمات ومعسكرات محدودة. وكذلك الحال مع الحركة الصهيونية التي استخدمت كل الوسائل الإعلامية والثقافية من سينما ومسرح وشعر وموسيقى من أجل الدعاية ضد العرب عموماً والفلسطينيين خصوصاً. وكان الهدف هو إباحة الدم الفلسطيني وهدره تمهيداً لاحتلال أراضيه. وما شهدناه في غزة من مذابح واعتداءات ارتكبها الاحتلال الاسرائيلي إلا وبرز أحد وزرائهم يقول إن الضحايا هم من الإرهابيين والإسلاميين المتطرفين.

والحقيقة التي يجب أن تقال أن هذه الحملة ضد ثقافتنا وتاريخنا وهويتنا قد أدت إلى اعتقاد الحركة الصهيونية والاستعمار أن أموالنا وثرواتنا هي حق لهم، ويجب أن يشاركوا فيها. وقد بدأوا بذلك بحدة ومتابعة حين بدأت بشائر التنقيب عن النفط في منطقتنا تلوح وتتبلور. وهم الآن في سعيهم للحصول على المعادن خصوصاً النادرة منها من أجل صناعة الحاسوب والرقائق الإلكترونية واستخدام الذكاء الاصطناعي للتشويش على أمننا الاقتصادي والاجتماعي وخلخلة البنى التحتية للأوطان. وقد نجحوا في كثير من الأماكن. انظر إلى السودان واليمن وسورية ولبنان وليبيا وغيرها، لكنّ بعضها بدأ يستفيق. فإلى أين نحن العرب سائرون وماذا نحن فاعلون؟ إنّ إحياء الثقافة وتزويد المواطن العربي بدراسات تؤكد عمقه التاريخي وأصالته وعظمة لغته العربية وضرورة الدفاع عنها والتمسك بها هما سلاحان مهمان جداً في وجه هذه الهجمة الضارية على كلّ أشكال الحياة التي نعيشها.

عودة إلى كتاب "ضرام العرفج" فإنه بحث طويل معمق عن مصطلح الجاهلية الذي حيف عليه وأسيء استخدامه. ولكن الجاهلية في رأيي ترمز إلى أمر أساسي أرجو أن يدرسه المؤلف الدكتور الفجاوي بتمعن. هل الجاهلية تعني تعدد الآلهة وعدم الإيمان بوحدة الله الصافية النقية بدون شبهات؟ تقول الباحثة والراهبة المعتزلة كارين أرمسترونغ، البريطانية، أنّ الإسلام هو الدين الأكثر وحدانية في العالم. أما العرب فقط عرفوا المسيحية التوحيدية، وكان خال زوجة الرسول خديجة ورقة بن نوفل أحد كبار هذه الجماعة، لكنّ العرب عبدوا الكواكب والنجوم ومثلوها بالأصنام التي كانوا يقدسونها قربى للآلهة التي ترمز لها هذه الأوثان. ومع أنّ الكاتب يذكر هذه الفكرة مرة واحدة في كتابه، صفحة 41، فإنّه لم يكمل الفكرة التي أرى أنها بحاجة إلى المزيد من البحث والتمحيص.

يجب أن نقدّر جهود دولة قطر في إتمام مشروع "معجم الدوحة التاريخي للغة العربية". وهو مشروع متميز، وكذلك يشكر المؤلف على أنه وضع هذا البحث في محاولة جادة وناجحة منه لوضع مصطلح الجاهلية ضمن التعريف الصحيح دون أن يتنازل عنه. ولكنه عندما ترجمه إلى الإنكليزية أطلق عليه مصطلح "Pre Islamic Era"، وهو لفظ محايد. وهذا ما يسعى لإثباته عند الحديث عن مصطلح الجاهلية. نريد المزيد من هذه الدراسات.

المساهمون