التلويح بوقف رواتب الموظفين... تهديد أم ابتزاز؟

22 نوفمبر 2020
الصورة
موظفون قطعت رواتبهم بقطاع غزة (العربي الجديد)
+ الخط -

مؤخراً، خرجت علينا عدة حكومات عربية بتصريحات وتحذيرات لافتة مفادها أنها قد لا تكون قادرة على سداد رواتب موظفي القطاع العام والجهاز الإداري بالدولة خلال الشهور المقبلة.

وقدمت تلك الحكومات أسبابا عدة لهذا التصريح الخطير، منها تراجع الإيرادات العامة بشدة بسبب تفشي وباء كورونا، وتهاوي أسعار النفط، المصدر الرئيسي لموازنات دول الخليج والجزائر والعراق وليبيا، وإغلاق الاقتصاد، وتكبد الخزانة العامة خسائر فادحة، وحدوث شلل في قطاعات اقتصادية مهمة كالسياحة والطيران والصادرات، وتراجع تحويلات المغتربين. وكان اللافت خروج مثل هذه التصريحات عن دول عربية ثرية ومحدودة الموارد على حد سواء.
قبل أيام، أعلن ولي العهد السعودي، الأمير محمد بن سلمان، أن الإيرادات النفطية للمملكة تراجعت إلى 410 مليارات ريال، بينما كانت توقعات الميزانية عند 513 مليار ريال العام الماضي. 
وحسب تصريحاته، فإن هذه الإيرادات وحدها غير كافية لتغطية حتى بند الرواتب المقدر بـ 504 مليارات ريال في ميزانية هذا العام، ناهيك عن صعوبة تمويل البنود الأخرى، التي تشمل الإنفاق الرأسمالي بـ 173 مليار ريال، والمنافع الاجتماعية بـ 69 مليار ريال، والتشغيل والصيانة المقدرة بـ 140 مليار ريال وغيرها... هذا يعني ركودا اقتصاديا، وخسارة ملايين الوظائف".
وقبل استقالته بأيام، قال رئيس الحكومة المستقيل إلياس الفخفاخ، يوم 23 يوليو الماضي، إنّ تونس مهددة بالإفلاس وعدم القدرة على سداد رواتب موظفي القطاع العام؛ بسبب صعوبات المالية العمومية، وتداعيات جائحة كورونا، والأزمة السياسية. وحذر وقتها من أنّ البلاد تواجه أزمة مالية غير مسبوقة، واصفاً الوضع بالمخيف.

وفي العراق، تحدثت الحكومة عدة مرات عن عجز عن توفير رواتب لموظفي القطاع العام، ومنها راتب شهر أكتوبر/تشرين الأول، وأكد وزراء أن البلاد تواجه كارثة مالية تجعلها غير قادرة على الإيفاء بالتزاماتها المالية، وهذا الكلام أثار قلق ملايين الموظفين الذين يعتمدون بشكل أساس على المرتبات الحكومية في تصريف معيشتهم والانفاق على أسرهم. 
ومع تكرار تلك التصريحات الحكومية المثيرة، خاصة أن العراق هو ثاني أكبر منتج للنفط بعد السعودية، خرجت علينا المفوضية العليا لحقوق الإنسان في بغداد لتبدي قلقها من مغبة فشل الحكومة في تأمين رواتب الموظفين وإعانات الحماية الاجتماعية والرواتب التقاعدية للأشهر اللاحقة. واعتبرت أن تأخير صرف الرواتب أو صرفها في غير الأوقات المحددة قانوناً يعد انتهاكاً صريحاً للحقوق الأساسية التي لا يمكن المساس بها.
وفي الكويت، ومع تهاوي إيرادات البلاد عقب تفشي كورونا، أعلنت الحكومة عدم قدرتها على الوفاء بجميع مصروفاتها من رواتب وغيرها.

ويوم 19 أغسطس الماضي، خرج علينا وزير المالية الكويتي، براك الشيتان، ليعلن أن بلاده تعاني شح سيولة في دفع الرواتب، وعدم قدرتها على سداد تلك الرواتب بعد شهر أكتوبر. وقال وقتها إن لدى الكويت ملياري دينار (6.6 مليارات دولار) من السيولة. "يمكن أن تغطي الوضع حتى أكتوبر فقط".
ويتكرر المشهد في دول أخرى لوّحت حكوماتها بعدم قدرتها على سداد رواتب الموظفين، وهو ما أزعج ملايين الموظفين واعتبروه بأنه بمثابة تهديد مباشر من السلطة الحاكمة بقطع أرزاقها. 
كما اعتبرته البرلمانات المنتخبة بمثابة عملية ابتزاز من قبل الحكومات حتى يتم منحها موافقات سريعة على طلباتها بالتوسع في الاقتراض الخارجي والمحلي، واختيار الحلول السهلة للتعامل مع الأزمة المالية.

ومع تواصل تصريحات الحكومات لموظفي الدولة فإن الواقع يقول إن الحكومات اختارت بالفعل الخيار السهل وهو التهديد بقطع الرواتب، أو السماح لها باغتراف مليارات الدولارات من الدائنين الدوليين.

لكن تلك الحكومات لم تطرح بدائل أخرى أكثر واعية وأقل كلفة على ملايين المواطنين خاصة من الفقراء ومحدودي الدخل، منها ترشيد الإنفاق العام، ووقف الهدر الحكومي وعمليات النهب المنظم للمال العام، وتجميد صفقات السلاح البالغ قيمتها مليارات الدولارات سنويا بهدف شراء ولاءات الأنظمة الغربية، ومكافحة الفساد، خاصة بين كبار المسؤولين ورجال الأعمال، ومواجهة الجرائم المالية ومنها التهرب الضريبي والجمركي وغسل الأموال وغيرها.

المساهمون