التعليم الجامعي والشباب العربي

13 يناير 2021
الصورة
مارك زوكربرغ، مؤسس ورئيس موقع التواصل الإجتماعي فيسبوك
+ الخط -

في الوقت الذي ركزت فيه وسائل الإعلام الأميركية على ملايين العاطلين المنتظرين للتقديم على إعانات البطالة، وطوابير الراغبين في الحصول على الوجبات المجانية، فاجأ بنك الاحتياط الفيدرالي (البنك المركزي الأميركي) الأميركيين بإحصاءات جديدة، أظهرت أن العام المنتهي لم يكن سيئاً على الجميع، وأن هناك من ضاعف ثرواته وقت انتشار الفيروس وسيادة أوامر الإغلاق تقريباً في كل دول العالم. 

وقال البنك الفيدرالي إن العام الماضي شهد تجاوز ثروات جيل الألفية من الأميركيين، وهم من ولدوا خلال الفترة بين عامي 1981 و1996، 10.3 تريليونات دولار للمرة الأولى، بعد أن نمت ثرواتهم من عام 2019 وحتى الربع الثالث من عام 2020 بمعدل 21%. لكن بيانات البنك أظهرت أن مديونية هؤلاء، الذين لم يبلغ أكبرهم سناً أربعين عاماً، زادت أيضاً بمعدل مرتفع، لتصل إلى 4.3 تريليونات دولار، وأن جزءاً كبيراً من هذه المديونية جاء نتيجة قروض استهلاكية مرتفعة التكلفة. 
وتفوق جيل الألفية، الذي يضم مارك زوكربرغ، مؤسس ورئيس موقع التواصل الإجتماعي فيسبوك، وإيفانكا ترامب ابنة الرئيس الأميركي، على أساتذته من الجيلين السابقين، حيث زادت ثروات الجيل اكس X، وهم المولودون بين عامي 1965 و1980، ومنهم إيلون ماسك مؤسس شركة سبيس اكس والمعروف أكثر بتصميمه للسيارات الكهربائية من ماركة تسلا، وجوليا روبرتس الممثلة الشهيرة، بنسبة لم تتجاوز 8.5%، بينما لم يتجاوز معدل نمو ثروات جيل البيبي بومرز Baby Boomers، وهو المولودون بين عامي 1946 و1964، ومنهم بيل غيتس، الشريك المؤسس لمايكروسوفت، وتيم كوك، الرئيس التنفيذي لآبل، وجيف بيزوس، مؤسس ورئيس أمازون، 4.3% خلال نفس الفترة. 
ورغم معدل النمو المنخفض للجيلين الأكبر، استمرت ثرواتهما في الارتفاع، ليصل إجمالي ثروات الجيل إكس إلى 37 تريليون دولار، بينما تجاوزت ثروات جيل البيبي بومرز 66.5 تريليون دولار، بمديونية محدودة، وأغلبها بتكلفة منخفضة، كونها مضمونة بعقارات وأصول أخرى. 

وقبل تجاوز ثرواتهم العشرة تريليونات دولار، لم تكن حياة جيل الألفية سهلة في أغلب مراحلها، حيث اصطدم هذا الجيل في بداية حياته بواحدٍ من أكبر الانهيارات الاقتصادية في التاريخ، إلا أنهم استفادوا من ابتكارات عصر التكنولوجيا المتقدمة، التي لم يُتَح إلا النذر اليسير منها للأجيال التي سبقتهم، وجاءت في مرحلة متأخرة نسبياً من حياتهم العملية. ورغم أن سعي جيل الألفية للحصول على شهادة جامعية كان سبباً رئيسياً في ارتفاع مديونياتهم إلى مستويات تصور البعض أنها فاقت قدرتهم على السداد، إلا أن هذا الارتفاع كان سبباً رئيسياً في إدراكهم ومن جاءوا بعدهم أن الشهادة الجامعية ليست الطريق الوحيد إلى الثراء، وأن النجاح في الحياة له ألف باب.
وفي كلمته الافتتاحية لحفل تخريج طلاب جامعة ستانفورد عام 2005، صدم ستيف جوبز، الشريك المؤسس والرئيس التنفيذي السابق لعملاق الحواسب الآلية والهواتف الذكية آبل، الطلاب المتخرجين وأهاليهم حين قال إن قرار تركه للدراسة الجامعية كان أحد أفضل القرارات التي اتخذها في حياته، في وقتٍ كانت بيانات مكتب العمل الأميركي تشير إلى أن خريج الجامعة يحصل على راتب يتجاوز ضعف ما يحصل عليه من كانت أعلى شهادة حصل عليها هي الدراسة الثانوية، وأن احتمالات تعطل الأول عن العمل، تقل عن نصف احتمالات تعطل الأخير. وفي حين كانت تلك الإحصاءات قريبة من الواقع حتى بداية العام الماضي، لا يعرف أحد مدى دقتها في زمن ما بعد كورونا.
لم يكن جوبز رائد الأعمال الوحيد الذي لم يعبأ بالحصول على شهادة جامعية، حيث تبعه في ذات الاتجاه كل من بيل غيتس ومايكل ديل ومارك زوكربرغ بعد أن أصابهم جميعاً "فيروس الابتكار" في مراحل مبكرة من حياتهم العملية. ورغم أن بعض الإحصاءات تشير إلى تحقيق شركات خريجي الجامعات نجاحاً أكبر مما حققته شركات غيرهم، إلا أن الواقع يؤكد أن هناك شركات نجحت نجاحاً باهراً، وأخرى فشلت فشلاً ذريعاً، من كلا المعسكرين.
لا أحاول هنا دعوة إخواني وأبنائي من الشباب العربي لترك التعليم الجامعي، الذي أعتقد أنه يمثل أول تدريب عملي لواحدة من أساسيات العمل الناجح، وهي وضع هدف والسعي لتحقيقه، وإنما أرى التوجه نحو الابتكار وتأسيس الشركات وريادة الأعمال مسلكاً جديراً بالأخذ في الإعتبار للخروج من إشكالية تواضع المحتوى العلمي المتاح في جامعاتنا العربية والارتفاع المبالغ فيه في تكاليف التعليم الجامعي التي يتحملها أبناؤنا في الخارج، إن أرادوا طلب العلم بعيداً عن أوطانهم.

لا ينظر العالم حالياً على أساس ضرورة الاختيار بين البديلين، وإنما تحاول الجامعات الكبرى دمجهما ببعض لتحقيق الاستفادة القصوى من ابتكارات الأجيال الجديدة التي لم نكن نحلم بها نحن من سبقناهم بعشرات السنين، وفي نفس الوقت مساعدة هؤلاء المبتكرين الصغار على التحلي بالعقلية المدربة المستعدة لتحقيق التكامل بين القديم والحديث. 
ورغم التركيبة الكلاسيكية الجامدة في بعض الأحيان، أدركت العديد من الجامعات الكبرى في الولايات المتحدة، مثل جامعات هارفارد ووارتون وكولومبيا وغيرها، أهمية توفير الحاضنة اللازمة لهؤلاء المبتكرين، فأمدتهم بالأبحاث، ووفرت لهم التمويل، وأتاحت لهم البرامج اللازمة لاكتساب المهارات المطلوبة للنجاح في العمل، مثل برامج توليد الأفكار، والتعرف على الفرص، وإدارة المشاريع الجديدة، بعيداً عن المتطلبات التقليدية للحصول على الشهادة الجامعية. وحالياً، تمنح بعض الجامعات الكبرى راتباً للمبتكرين حال تفرغهم للابتكار لمدة عام كامل بعد إتمام الدراسة الثانوية، وأحياناً يتم اعتبار هذا العام كجزء من ساعات الدراسة credit hours المطلوبة لتخرجهم.
انتهى عصر التعليم الجامعي "الميري" كما عرفناه وأتمناه، وتحول العالم الآن إلى الابتكار وتوفير الحاضنة المطلوبة للمبتكرين، ولم يعد هناك مجال لانتظار التخرج ثم البحث عن وظيفة، وفتح المستقبل أبوابه لأصحاب الأفكار القابلة للتطبيق على أرض الواقع، والتي تحلق في نفس الوقت بأصحابها في السماء. فهل لشباب العرب مكان في هذا المستقبل؟!

المساهمون