التداعيات الاقتصادية للحرب ومستقبل الحزب الجمهوري الأميركي

12 اغسطس 2026   |  آخر تحديث: 00:09 (توقيت القدس)
الرئيس ترامب رافعاً قبضته في نيويورك، 22 مايو 2026 (بريندان سميالوفسكي/ فرانس برس)

الحالة الاقتصادية هي الموجّه الأول للناخبين في صناديق الاقتراع في كل الديمقراطيات حول العالم. والحالة المعيشية وأسعار البقالة هي المؤثر الأقوى في نتائج الانتخابات. والناخب الاقتصادي هو الذي يحاسب الحكومة على الأداء الاقتصادي، فيكافئها أو يعاقبها عبر صناديق الاقتراع، بغضّ النظر عن النظام الديمقراطي القائم، وليس السلطوي الديكتاتوري الذي يهندس نتائج الانتخابات أو يوجّهها أو يزوّرها. وأسقط الناخب البريطاني رئيس الوزراء ونستون تشرشل في انتخابات سنة 1945، بسبب فشل حزبه، المحافظين، في احتواء الأزمة الاقتصادية وارتفاع نسبة البطالة، رغم النصر الكبير الذي حققه لبريطانيا في الحرب العالمية الثانية.

وفي انتخابات الرئاسة الأميركية، يصوّت الناخبون للمرشح والحزب الحاكمين عندما يكون الاقتصاد مزدهرًا مقارنة بحال ركوده. ويكافئ الناخب الرئيس، جمهوريًا كان أو ديمقراطيًا، بولاية ثانية على الأداء الاقتصادي القوي، ويعاقبه على الأداء الضعيف. ولا يلتفت إلى إنجازات الرئيس الخارجية أكثر من اهتمامه بأسعار البنزين في محطات الوقود وأسعار البقالة في المحال التجارية. وفي انتخابات مجلس النواب وحكام الولايات، يختار الناخب أو يسقط مرشح حزب الرئيس بناءً على الأداء الاقتصادي للرئيس. ولا يؤثر في نتائج الانتخابات الأميركية، الرئاسية والحزبية، أكثر من أداء الاقتصاد وفرص العمل وأسعار البيض واللحوم وإيجار السكن والتأمين الصحي.

فأسقط الناخب الأميركي الرئيس الديمقراطي جيمي كارتر بعد ولايته الأولى بسبب فشله في علاج التضخم والبطالة وارتفاع أسعار البنزين، رغم نجاحه في ضمان سلام استراتيجي لإسرائيل بإبرام اتفاقية كامب ديفيد مع مصر، ونجاحه في ترويض التنين الصيني وإعادة العلاقات الدبلوماسية المقطوعة، وانتخب الجمهوري رونالد ريغان لولايتين متتاليتين لنجاحه الكبير في إنعاش الاقتصاد وتخفيض أسعار الوقود والغذاء ومعدلات البطالة والضرائب.

وأسقط الجمهور الأميركي الرئيس الجمهوري جورج بوش الأب في سنة 1991 بعد ولاية يتيمة، بسبب فشله في إدارة الاقتصاد وعلاج الركود وارتفاع أسعار الغذاء وإيجار السكن، رغم دوره المحوري في تفكيك الاتحاد السوفييتي وإنهاء الحرب الباردة وتحرير الكويت. وصوّت الجمهور نفسه للرئيس الأميركي الديمقراطي بيل كلينتون عقابًا للسياسة الاقتصادية للرئيس الجمهوري بوش، وكان أحد أبرز مظاهر التصويت الاقتصادي وضع جيمس كارفيل، رئيس حملة بيل كلينتون الرئاسية، لافتة في مقر الحملة كتب عليها: "الأمر يتعلق بالاقتصاد، يا غبي". ثم أعاد الجمهور انتخاب كلينتون لولاية ثانية، رغم فضائحه الجنسية، طمعًا في مكاسبه الاقتصادية غير المسبوقة ورغبةً في إنجازاته التي يمنّيهم بها.

التداعيات الاقتصادية

لم يعد وقف الحرب على إيران مطلبًا لدول الخليج، التي فقدت عائدات 20 مليون برميل من النفط يوميًا بقيمة 600 مليار دولار بأسعار العام الماضي وملايين الأطنان من الغاز والأسمدة الزراعية، ولا لدول جنوب شرق آسيا التي فقدت موردها الرئيس من البترول والغاز، ولا لدول الاتحاد الأوروبي التي تحملت 41 مليار يورو إضافية مقابل النفط والغاز، ولا للبرازيل التي فقدت مورد الأسمدة الزراعية الخليجي، ولا لإيران، بالطبع، الخاسر الأكبر من هذه الحرب. وأصبح وقف تلك الحرب مطلبًا اقتصاديًا أميركيًا بسبب الخسائر غير المتوقعة التي مُني بها المواطن والاقتصاد ورجال الأعمال.

كلّفت الحرب على إيران المستهلكين ودافعي الضرائب الأميركيين نحو 132 مليار دولار حتى الآن، ولا يزال المبلغ في ازدياد، وفق مؤسسة موديز أناليتكس. وزادت أسعار الديزل، الأكثر استهلاكًا، على 6 دولارات للغالون. وارتفعت أسعار الأسمدة بنحو 47% خلال الحرب، ما ساهم بشكل غير مباشر في ارتفاع تكاليف الغذاء.

يقول المتخصص في وكالة خدمات المستهلكين، وروهيت تشوبرا، ولايل برينارد، نائبة رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي السابقة، إن الاستطلاعات الاقتصادية تُظهر أن الأسر الأميركية تعاني من الغلاء، حتى الميسورة منها. وضع تشوبرا وزميلته نموذج ميزانية افتراضياً لعائلة مكوّنة من والدين وطفلين دون سن الثامنة، ودخلهم السنوي 130,000 دولار أميركي، وهو ما يكفي الأسرة في الواقع، لكنه أعلى بكثير من حد الدخل الوطني الأدنى للأسرة المكوّنة من أربعة أفراد، والبالغ 83.5 ألف دولار.

وجد تشوبرا وبرينارد أن دخل الأسرة انخفض بأكثر من ألف دولار عما كان عليه قبل تولي ترامب الحكم قبل عام ونصف، ولم يعد الوضع المالي كافيًا لتغطية نفقات المعيشة، فهم يعانون من عجز مالي بعد تغطية النفقات الأساسية فقط، مثل السكن والتأمين الصحي ورعاية الأطفال خلال الأشهر الثمانية عشر الماضية. وبعد الحرب على إيران، زادت المعاناة، حيث تواجه العائلات صعوبة في تغطية أي نفقات تتجاوز الأساسيات، كتعطّل السيارة. ولا يمكنها تخصيص ميزانية لأي من الأمور التي قد تطمح إليها أي أسرة عادية، مثل شراء سيارة جديدة، أو قضاء عطلة صيفية، أو استقبال مولود ثالث.

استطلع تشوبرا وزميلته آراء شرائح من الأميركيين حول الضغوط المعيشية والإجراءات التي يتوقعونها من مسؤوليهم المنتخبين. أفاد الأميركيون، بنسبة 75%، بأن ارتفاع الأسعار، وليس تدني الرواتب، هو السبب الرئيسي لضغوط المعيشة. وقال 67% إنهم يعانون اليوم ويحتاجون إلى دعم فوري. وكان القلق الأكبر للأسر هو تكاليف البقالة.

وفقًا لتقدير نشره كبير الاقتصاديين في مؤسسة موديز أناليتكس، مارك زاندي، كلّفت الحرب الإيرانية الأسر الأميركية أكثر من 1000 دولار لكل أسرة؛ بسبب ارتفاع أسعار البقالة والوقود، وقال إن التكلفة تقديرية، وإن التكلفة الحقيقية أعلى من ذلك بكثير وما زالت مستمرة. وكانت تكلفة البنزين أكبر بند في نفقات الأميركيين المتعلقة بالحرب، وبلغت ذروة سعره في بعض الولايات 5 دولارات للغالون في مايو/أيار الماضي، وكان قبل الحرب بسعر 2.9 دولار للغالون.

تراجع حزب ترامب

ما يقلق إدارة ترامب تراجع الرضا الشعبي عن أدائه الاقتصادي، ورفض المواطن تحميله تكاليف الحرب على إيران، وإن كانت لمصلحة إسرائيل، وقد كان ذلك سببًا في التراجع المفاجئ عن تنفيذ ضربة عسكرية، وصفها بأنها ستكون من أكبر العمليات العسكرية الأميركية منذ الحرب العالمية الثانية.

وأخيرًا، أظهر استطلاع رأي أجرته شبكة "سي أن أن" الأميركية أن 73% من البالغين الأميركيين يرون أن الرئيس ترامب لم يولِ اهتمامًا كافيًا لمشاكل البلاد الاقتصادية. ويعتقد 66% منهم أن سياسات ترامب فاقمت الأوضاع الاقتصادية، وأن قراراته العسكرية في إيران أضرت بمصالح الولايات المتحدة. وقال 75% من الأميركيين إن الرئيس منفصل عن مشاكل المواطنين الأميركيين العاديين في حياتهم اليومية.

وأصبح 50% من الأميركيين يعارضون سياسة ترامب بشدة، وهي أعلى نسبة خلال ولاياته، بينما بلغت نسبة المؤيدين 34% فقط، وهي أدنى نسبة له على الإطلاق. وداخل حزبه، انخفضت نسبة تأييده إلى أدنى مستوى لها، حيث بلغت 78% بين الجمهوريين، بينما أعرب 19% فقط من الجمهوريين عن رضاهم، بانخفاض عن 38% في العام الماضي. وبشأن إيران، قال 93% من الديمقراطيين و73% من المستقلين إن القضية لم تكن "تستحق القتال".

وقد كشف استطلاع رأي لجامعة ميشيغن أن أكثر ما لفت الانتباه أن التوتر كان أحد التحديات التي تواجه الأميركيين، رغم أنهم يعيشون بعيدًا عن بؤرة الصراع في الشرق الأوسط، ومع ذلك يشعرون بتأثيراته المالية الفورية، وعدم القدرة على التكيف مع حالة القلق المستمرة حول ما سيحدث مستقبلًا، وهو دافع للتصويت ضد حزب ترامب الجمهوري في انتخابات التجديد النصفي للكونغرس في نوفمبر/ تشرين الثاني المقبل.

تزايد شعبية الديمقراطي

في المقابل، تزيد شعبية الحزب الديمقراطي. في سنة 2024، صوّت 19 عضوًا ديمقراطيًا في مجلس الشيوخ ضد بيع الأسلحة لإسرائيل؛ وفي إبريل/ نيسان الماضي، صوّت 40 من أصل 47 عضوًا ضد البيع. والآن، رجّح الحزب الديمقراطي عبدول السيد، الطبيب الأميركي من أصل مصري، للترشح لمجلس الشيوخ في ولاية ميشيغن على النائبة هيلي ستيفنز، ما يعد ضربة قوية لجماعات الضغط المؤيدة لإسرائيل بقيادة لجنة الشؤون العامة الأميركية الإسرائيلية، إيباك، التي دعمت منافسته بأكثر من 50 مليون دولار.

وقبله، فاز عمدة نيويورك، المدينة التي تضم أكبر جالية يهودية في العالم، زهران ممداني، المعادي للصهيونية، ووعد في حملته الانتخابية باعتقال رئيس وزراء إسرائيل، بنيامين نتنياهو. وحاليًا أصبح انتقاد إسرائيل جزءًا أساسيًا من رسالة الديمقراطيين الانتخابية.

هذا التحول الشعبي دعا نائب الرئيس، جي دي فانس، إلى انتقاد حكومة إسرائيل علنًا، بقوله إن المصلحة الأميركية، إن تعارضت مع الرغبات الإسرائيلية، فإنها يجب أن تكون لها الأولوية، وإن بعض المسؤولين الإسرائيليين لم يتوقفوا عن عرقلة مساعي إنهاء الحرب مع إيران، وأن هناك جهدًا إسرائيليًا كبيرًا يُبذل في الداخل الأميركي للتأثير بالقرار الوطني، وأنه لولا أميركا لما استطاعت حماية نفسها، أو حتى الاستمرار. ولكن هذه التصريحات لا تغيّر من الأزمة الاقتصادية التي يعيشها المواطن الأميركي الرافض للحرب والساخط على أداء ترامب، وتحتاج إلى تغيير جذري في الرؤية تجاه الحرب.