التبادل الألماني الفرنسي قد يتراجع إلى 180 مليار يورو

18 نوفمبر 2025   |  آخر تحديث: 18:18 (توقيت القدس)
مصنع ألمنيوم في مدينة كريفيلد الألمانية، 21 إبريل 2022 (Getty)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- تظل ألمانيا الشريك التجاري الأهم لفرنسا، حيث بلغ حجم التبادل التجاري بينهما 182.1 مليار يورو في 2024، مع توقع انخفاضه إلى 180 مليار يورو في 2025، مما يعكس أهمية التحالف الاقتصادي بين البلدين.

- تواجه الدولتان تحديات مثل ارتفاع تكاليف الطاقة والبيروقراطية، لكن التقارب الجديد في عهد المستشار الألماني فريدريش ميرز يعزز التعاون الاقتصادي من خلال مبادرات جديدة.

- التحالف الألماني-الفرنسي يظل ضرورياً للحفاظ على موقع أوروبا في الاقتصاد العالمي، مع الحاجة لتعزيز التعاون الصناعي والتكنولوجي لتجنب تآكل الشراكة.

كشفت بيانات غرفة الصناعة والتجارة الألمانية الفرنسية أن ألمانيا لا تزال، رغم الاضطرابات الاقتصادية، هي الشريك التجاري الأهم لفرنسا خلال العام الجاري أيضاً. وقال المدير التنفيذي للغرفة باتريك براندماير في العاصمة الفرنسية باريس إنّه من المتوقع أن ينخفض حجم التبادل التجاري بين البلدين في عام 2025 بنسبة تتراوح بين %0.8 و1% ليصل إلى نحو 180 مليار يورو، مشيراً إلى أن ألمانيا ستظل بذلك أكبر مستثمر أوروبي في فرنسا، بحسب وكالة أسوشييتد برس.

وأضاف: "نلاحظ أن الشركات الألمانية الكبرى ما تزال متمسكة بمشروعات استثمارية كبيرة في فرنسا". وتابع أن التجارة بين ألمانيا وفرنسا تُظهر صلابة ومقاومة للأزمات رغم الظروف الصعبة وحالة عدم الاستقرار السياسي. ورأى براندماير أن فرنسا تزداد أهمية بالنسبة للشركات الألمانية في ظل تزايد المشكلات في السوقَين الصينية والأميركية. ولفت براندماير إلى أن التقارب الجديد بين ألمانيا وفرنسا في عهد المستشار الألماني فريدريش ميرز يصبّ في مصلحة الاقتصاد، وقال إن هناك مبادرات جديدة للتعاون بين الجانبين جرى إطلاقها خلال اجتماع مجلس الوزراء الألماني-الفرنسي في تولون نهاية أغسطس/آب الماضي.

واستطرد براندماير أن البلدين يعانيان حالياً من مظاهر تراجع الطابع الصناعي، ويواجهان التحديات نفسها، إذ يتزامن ارتفاع الإنفاق الاجتماعي وتكاليف الطاقة والبيروقراطية المفرطة مع تراجع القدرة التنافسية في البلدين. وفي عام 2024، بلغ حجم التبادل التجاري بين ألمانيا وفرنسا، وفقاً لبيانات المكتب الاتحادي للإحصاء الألماني،182.1 مليار يورو، منها 115.2 مليار يورو صادرات ألمانية إلى فرنسا، 66.9 مليار يورو واردات من السلع الفرنسية إلى ألمانيا.

تاريخياً، شكّل المحور الألماني–الفرنسي العمود الفقري للاتحاد الأوروبي، ليس سياسياً فحسب، بل اقتصادياً أيضاً، إذ ظلّ البلدان معاً المحرك الأساسي لمنطقة اليورو، ورافعة رئيسية للاستقرار المالي والتجاري في القارة. فمنذ ستينيات القرن الماضي وحتى اليوم، اعتمدت أوروبا على التكامل الصناعي والتجاري بين برلين وباريس لإنجاح مشاريع مشتركة مثل السوق الأوروبية المشتركة، الاتحاد الجمركي، العملة الموحدة، والسياسات الصناعية والتجارية الأوروبية الموحدة.

لكنّ التطورات الاقتصادية العالمية خلال السنوات الأخيرة بدأت تُقلّل تدريجياً من الزخم التقليدي لهذه الشراكة. فالتباطؤ الاقتصادي في ألمانيا، الناتج عن أزمة الطاقة بعد الحرب الروسية–الأوكرانية، وتراجع القوة الصناعية أمام المنافسة الآسيوية، خصوصاً الصينية، انعكس مباشرة على حجم المبادلات الأوروبية. أما فرنسا، فهي تحاول تعويض التراجع الصناعي بجذب الاستثمارات الأجنبية بفضل بيئة ضريبية محفّزة، لكنّها لا تزال تعاني من تحديات مستمرة مثل ارتفاع الدين العام وهشاشة الحوكمة الاقتصادية وتوتر المناخ السياسي الداخلي.

في السياق، يسجَّل الانخفاض المتوقع في التبادل التجاري بين البلدين إلى نحو 180 مليار يورو في 2025، رغم كونه تراجعاً محدوداً نسبياً، إلّا أنه يحمل دلالات مهمة، أولاً، التحول النسبي في سلاسل الإمداد الأوروبية وتباطؤ الطلب الصناعي يضغط على التدفقات التجارية. ثانياً، توجه الشركات الألمانية لإعادة تقييم الأسواق الخارجية على ضوء المخاطر الجيوسياسية وتراجع السوق الصينية والأميركية يجعل فرنسا خياراً أكثر أهمية، ولكن ليس كافياً لتفادي الانكماش التجاري.

ثالثاً، ارتفاع تكاليف الطاقة والعمالة والضرائب في أوروبا مقارنة بالولايات المتحدة وآسيا يضعف القدرة التنافسية للصناعة الألمانية والفرنسية معاً. رابعاً، إصلاحات هيكلية لم تُستكمل بعد، مثل تشجيع الابتكار الصناعي والاستثمار في التكنولوجيا الخضراء، تُبقي النمو مقيداً وتحدّ من توسيع التعاون الاستراتيجي بين البلدين.

ورغم ذلك، فإنّ استمرار ألمانيا كأكبر مستثمر أوروبي في فرنسا، وتمسك الشركات الألمانية بمشاريعها هناك، يعكس قناعة استراتيجية بأن التحالف الاقتصادي بين البلدين لا يزال ضرورياً للحفاظ على موقع أوروبا في الاقتصاد العالمي، خاصة في مواجهة صعود الصين وتغيّر السياسات التجارية الأميركية.

تراجع التبادل التجاري بين ألمانيا وفرنسا لا يعني نهاية الشراكة، بل يسلّط الضوء على الحاجة إلى إعادة تموضع اقتصادي في مواجهة ضغوط الطاقة والضرائب والتنافس الصناعي العالمي. إذا نجح البلدان في تعميق التعاون الصناعي والتكنولوجي، وتخفيف البيروقراطية، وتعزيز التكامل في سلاسل التوريد الأوروبية، فإنهما سيحافظان على دورهما قاطرةً للاقتصاد الأوروبي. أما إذا استمر التراجع من دون إصلاحات جذرية، فستتحول هذه الشراكة التاريخية إلى مجرد رقم يتآكل ببطء في مؤشرات التجارة الدولية.

المساهمون