البيع الوهمي للجنسية التركية... شبكات التزوير تغير أساليبها بعد "فضيحة العقارات"

21 يناير 2026   |  آخر تحديث: 06:21 (توقيت القدس)
بنوك تركية صرافات آلية 15 آب 2018 فرانس برس
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- في سبتمبر 2025، كشفت وزارة الداخلية التركية عن شبكة إجرامية تبيع عقارات وهمية لأجانب للحصول على الجنسية، مما أدى إلى اعتقال 106 مشتبه بهم وسحب الجنسية من مئات المجنسين.
- تتكون شبكات التلاعب من أصحاب العقارات، الوسطاء، وموظفين ضعاف النفوس، وتستمر المحاولات رغم الإجراءات الحكومية باستخدام تقارير تقييم غير حقيقية وعمليات شراء صورية.
- عدلت تركيا شروط منح الجنسية منذ 2017، وتقوم بسحب الجنسية وترحيل المتورطين في التلاعب، مع الحجز على العقارات وعدم تعويض المستثمرين.

لم تغلق "فضيحة العقارات" في تركيا ملف البيع الوهمي للجنسية، بل دفعت شبكات التزوير إلى تغيير أساليبها والبحث عن طرق التفاف أكثر تعقيداً، في سباق مفتوح مع الرقابة الحكومية المتصاعدة. فبعد سحب مئات الجنسيات واعتقال عشرات المتورطين، عادت البيوع الصورية ورفع الأسعار الوهمية إلى الواجهة، مستفيدة من ثغرات محدودة، وشبكات وساطة ثلاثية تجمع شركات عقارية ووسطاء وموظفين ضعاف نفوس، في محاولة للالتفاف على القوانين الجديدة والحصول على الجنسية التركية عبر أوراق تبدو نظامية في ظاهرها، ومخالفة في جوهرها.

وتعود جذور ما عرف إعلامياً بـ"فضيحة العقارات" إلى سبتمبر/ أيلول 2025، حين أعلنت وزارة الداخلية التركية تفكيك شبكة إجرامية متخصصة في بيع عقارات صورية ورفع قيمها بشكل وهمي لأجانب بهدف الحصول على الجنسية التركية. وكشفت التحقيقات حينها عن تنفيذ عمليات متزامنة في 19 ولاية، انطلقت من إسطنبول، وأدت إلى اعتقال 106 مشتبه فيهم، وبيع عقارات وهمية لنحو 451 أجنبياً مع عائلاتهم. وقررت السلطات سحب الجنسية من المجنسين المتورطين، وحجز ممتلكات الشبكة التي شملت أكثر من ألف منزل وعشرات قطع الأراضي والمركبات، فضلاً عن شركات وحسابات بنكية، في واحدة من أكبر قضايا التلاعب بملفات التجنيس عبر الاستثمار التي شهدتها البلاد، ما دفع الحكومة إلى تشديد الرقابة وتغيير آليات منح الجنسية لاحقاً.

"شبكات التلاعب"

كشف مصدر مطلع في حزب العدالة والتنمية الحاكم لـ"العربي الجديد" أن التحوطات والإجراءات الجديدة التي طبقتها الحكومة لم تُنهِ محاولات الالتفاف، إذ يبتدع بعض الوسطاء والشركات العقارية أساليب احتيال جديدة، إلا أن جميعها باتت تحت الرصد. ويشير المصدر، الذي فضل عدم ذكر اسمه، إلى أن اعترافات الموجة الأولى من المتورطين أسهمت في ملاحقة أطراف أخرى، مرجحاً الكشف قريباً عن أسماء إضافية وسحب جنسيات منحت بطرق غير قانونية. وأوضح المصدر أن أنظمة الرقابة الرقمية المعتمدة حديثاً رفعت من قدرة الجهات المختصة على كشف حالات البيع الوهمي ورفع الأسعار عن القيمة الرائجة في السوق، وهي ممارسات تستخدم، بحسب قوله، لأغراض غسل الأموال واستكمال ملفات التجنيس.

ويلفت إلى أن الشبكات التي كشف عنها أخيراً تتكون من ثلاثة أطراف رئيسية: صاحب العقار أو الشركة العقارية، والوسيط، وموظفين ضعاف نفوس في دوائر رسمية، سواء في مديريات الطابو أو النفوس والتجنيس. وحول توقيت إعلان أسماء جديدة وسحب جنسيات أخرى، يقول المصدر إن المتابعة اليومية لهذا الملف مستمرة، نظراً لما يسببه من إساءة إلى سمعة الجنسية التركية، ولآثاره السلبية على سوق العقارات، سواء عبر تضخيم الفقاعة العقارية ورفع الأسعار الوهمية، أو من خلال ارتباطه بملفات غسل الأموال التي تلاحقها تركيا بموجب قانون العقوبات رقم 5237، فضلاً عن تأثيراته غير المباشرة في المضاربة وسعر صرف الليرة.

وفي المقابل، يؤكد المصدر أن الدولة تعتمد مسارات حماية واضحة للمستثمرين الراغبين في الحصول على الجنسية عبر الاستثمار، سواء من خلال الإيداع البنكي أو شراء العقار، مشيراً إلى أن الجنسيات الممنوحة عبر هذا المسار تتركز في جنسيات محددة، تتصدرها روسيا، تليها إيران ثم العراق وعدد من الدول العربية (يشار إلى أنّ السوريين لا يحق لهم الحصول على الجنسية التركية مقابل شراء العقار).

تعديلات على شروط منح الجنسية

وبدأت تركيا منح الجنسية الاستثنائية للمستثمرين عام 2017، عبر شراء عقار بقيمة مليون دولار، أو إيداع بنكي بقيمة 3 ملايين دولار، أو شراء سندات حكومية بالقيمة ذاتها، قبل أن تخفض قيمة العقار إلى 250 ألف دولار عام 2018، ثم ترفع مجدداً ضمن تعديلات عام 2022 إلى 400 ألف دولار، وهو الحد المعمول به حتى اليوم. كذلك تشمل الشروط إيداع 500 ألف دولار في أحد البنوك التركية أو شراء سندات حكومية بالقيمة نفسها، مع التزام الاحتفاظ بها لمدة ثلاث سنوات، فضلاً عن إمكانية الحصول على الجنسية عبر شراء حصة في أحد صناديق الاستثمار العقاري بقيمة لا تقل عن 500 ألف دولار.

ويرى صاحب مكتب عقاري في إسطنبول، علي كاسكين، أن هذه التعديلات فتحت الباب أمام بعض السماسرة وضعاف النفوس للتلاعب بالأوراق الرسمية، سواء عبر التزوير أو استصدار تقارير تقييم غير حقيقية، بهدف تحقيق أرباح سريعة، بعلم الأجنبي الساعي للجنسية أو من دون علمه. ويشير كاسكين إلى أن الفترة الممتدة من إقرار قانون الجنسية الاستثنائية وحتى جائحة كورونا عام 2021 شهدت طفرة غير مسبوقة في سوق العقارات، ولا سيما في إسطنبول، تمثلت بقفزات سعرية وتوسع كبير في البناء وظهور عدد كبير من الشركات العقارية الجديدة.

إلا أن المشهد تغير بعد الجائحة، إذ استمرت الأسعار في الارتفاع لفترة من دون مبيعات حقيقية، قبل أن يدخل السوق في حالة جمود منذ العام الماضي وحتى اليوم، مع بقاء الأسعار مرتفعة، باستثناء تراجعات محدودة في بعض المناطق والولايات. وحول تأثير "فضيحة العقارات" في السوق، لا يرى كاسكين أن لها أثراً مباشراً كبيراً على حركة البيع والشراء، مرجعاً الجمود أساساً إلى ارتفاع أسعار الفائدة المصرفية إلى مستويات تفوق عائد العقارات، وارتفاع الأسعار بما يتجاوز القدرة الشرائية للأتراك، فضلاً عن تراجع إقبال الأجانب، ولا سيما من الدول العربية، مقارنة بذروة الطلب في عامي 2019 و2020.

طرق احتيال

لكن كيف عادت محاولات تسجيل عقارات غير حقيقية أو تنفيذ عمليات شراء صورية، وتقديمها للجهات الرسمية على أنها استثمارات فعلية للحصول على الجنسية، بعد أن كشفت وزارة الداخلية التركية الأساليب السابقة وشددت منذ العام الماضي آليات الرقابة والمطابقة بين الأسعار الحقيقية في السوق وتلك المصرح بها في ملفات التجنيس؟
يجيب خبير التقييم ومنسق المبيعات العام في شركة "أونور إنشاءات"، أحمد ناعس، بأن إجراءات الحصول على الجنسية كانت تعتمد سابقاً على إشعار التحويل البنكي، الذي يصعب التلاعب به، إلى جانب تقرير التقييم العقاري، الذي شكل نقطة الضعف القانونية الأساسية.

ويوضح أن تقارير التقييم كانت تصدر عن شركات خاصة مرخصة ومعتمدة لدى مجلس أسواق رأس المال، ما أتاح لبعض تلك الشركات رفع قيمة العقار في التقرير إلى 400 ألف دولار أو أكثر، رغم أن سعره الحقيقي في السوق أقل من ذلك بكثير، مقابل عمولات يحصل عليها الوسيط أو الشركة التي تتولى تجهيز ملف الجنسية. ويضيف ناعس أن هذه الآلية كُشفَت لاحقاً، ما دفع السلطات إلى إلغاء اعتماد شركات التقييم الخاصة، وحصر إصدار التقارير بشركتين حكوميتين فقط، هما "GABIM" و"GEDAŞ"، في خطوة أنهت أحد أهم مسارات التلاعب السابقة.

وحول الأساليب التي لا تزال تستخدم اليوم، يشير ناعس إلى وجود طريقتين أساسيتين: الأولى تستهدف المستثمرين الموجودين خارج تركيا، حيث ترسل إليهم أوراق مزورة، تشمل تقارير تقييم وإيصالات تحويل بنكي، بهدف استدراجهم لتحويل الأموال وتسجيل عقار في مديرية الطابو، بينما لا يكون هناك عقار موجود فعلياً. ورغم محدودية هذه الحالات، لكنّ بعض المستثمرين، ولا سيما من خارج البلاد، لا يزالون يقعون ضحيتها.

أما الطريقة الثانية، وهي الأكثر شيوعاً حالياً، فتحصل بعلم المستثمر الساعي للجنسية، إذ يحول مبلغ 400 ألف دولار بشكل نظامي لشراء العقار، ثم تعيد الشركة العقارية جزءاً من المبلغ، يراوح بين 100 و200 ألف دولار، مقابل وضع حجز على حصة من العقار. وتستفيد الشركة من حالة الجمود في السوق، مع الاحتفاظ بحقها في الجزء المتبقي من السعر عبر الحجز. ويؤكد ناعس أن هذه الممارسة تعد مخالفة للقانون، وتندرج ضمن جرائم غسل الأموال، وتعاقب عليها السلطات التركية، مضيفاً أنه "قد يكون هناك تلاعب محدود عبر التقييم حتى اليوم، لكن لا تتوافر وثائق أو معلومات مؤكدة".

إجراءات رقابية مشددة

وفي مواجهة هذه المحاولات، عززت تركيا منذ مطلع العام الجاري إجراءاتها الرقابية، فلم يعد تقرير التقييم وحده عنصر الحسم في ملف الجنسية، بل اعتُمِدَت منظومة رقابة رقمية مشددة، تضمنت رفع القيم الرسمية للعقارات في البلديات لتتطابق مع الأسعار الحقيقية في السوق، بما يحد من إمكانية رفع القيم الوهمية. كذلك أُلزم المستثمرون بوثيقة شراء العملة (DAB) الصادرة عن المصرف المركزي، والتي تثبت دخول القطع الأجنبي إلى النظام المصرفي، وتضمن تثبيت سعر الصرف وفق سعر يوم شراء الليرة، بما يمنع التلاعب أو تحميل المستثمر خسائر ناتجة من تقلبات العملة.

واعتمدت السلطات كذلك منظومة الشفافية الرقمية عبر منصة "Web-Tapu"، التي تتيح تتبع جميع مراحل نقل الملكية، وتمنع بيع العقار لأكثر من طرف، أو التلاعب بالبيانات من دون حضور المشتري الفعلي. كذلك فرضت المطابقة البنكية الإلزامية بين رقم التحويل البنكي وتقرير التقييم وسند الملكية في مديرية الطابو، بعد اعتماد كود الهوية العقارية الموحد (UAVT)، الذي يربط كل عقار بنظام العنوان الوطني الموحد لمنع تسجيل شقق وهمية أو غير موجودة على أرض الواقع.

سحب الجنسية والترحيل

ورغم هذه الإجراءات، لا تزال بعض محاولات التلاعب قائمة، وإن تراجعت كثيراً، بحسب القانوني غزوان قرنفل، الذي يؤكد أن الحالات المكتشفة لا تمثل نسبة كبيرة من إجمالي الحاصلين على الجنسية عبر شراء العقار، والذين يقدر عددهم بنحو 35 ألف مستثمر، وفق آخر إحصاء. ويشير إلى أن المخالفات تتركز غالباً في الحالات التي يكون فيها اتفاق مسبق بين المستثمر والشركة العقارية، بهدف تبييض الأموال أو تضخيم المبيعات.

ويشرح قرنفل أن القانون التركي ينص على سحب الجنسية وفق قانون الجنسية رقم 5901، إذا ثبت أنها منحت بناءً على معلومات كاذبة أو وثائق مزورة، ولا يقتصر السحب على المستثمر وحده، بل يشمل أفراد أسرته الذين حصلوا على الجنسية بالتبعية، وبأثر رجعي، حتى لو كان قد مضى على منحه الجنسية سنوات. ويضيف أن العقوبات لا تتوقف عند سحب الجنسية، بل تشمل الحجز على العقارات وعدم تعويض المستثمر عن الخسائر الناتجة من رفع الأسعار أو دفع الرشى، فضلاً عن الترحيل من تركيا، كما حصل مع 451 مستثمراً جردوا من جنسياتهم في سبتمبر/ أيلول الماضي.

المساهمون