الاحتياطي الفيدرالي يوقف خسائره للمرة الأولى منذ 3 سنوات

03 ديسمبر 2025   |  آخر تحديث: 15:24 (توقيت القدس)
ختم مجلس محافظي الاحتياطي الفيدرالي، واشنطن، 30 يوليو 2025 (Getty)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- بدأ الاحتياطي الفيدرالي الأميركي في تحقيق أرباح منذ نوفمبر 2023 بعد خسائر متتالية، مما يعكس استقرارًا ماليًا تدريجيًا وتقليص حجم الأصل المؤجل، مع توقعات بعودة تحويل الأرباح إلى وزارة الخزانة مستقبلاً.

- يعكس استقرار العوائد المالية تغيّرًا في الدورة النقدية الأميركية، مما يخفف الضغط عن الموازنة الفيدرالية ويعزز ثقة الأسواق، مع توقعات بتعزيز مرونة النظام المصرفي وتقليل مخاطر الركود.

- توقف خسائر الاحتياطي الفيدرالي قد يعزز قوة الدولار واستقرار الأسواق العالمية، مما يساهم في تهدئة التقلبات ويمنح البنوك المركزية مساحة لمواءمة سياساتها، ويعزز الثقة في النظام المالي الدولي.

يبدو أن الاحتياطي الفيدرالي الأميركي وصل أخيرًا إلى نقطة تحوّل بعد سلسلة غير مسبوقة من الخسائر استمرت ثلاث سنوات، ناجمة عن الطريقة التي انتهجها في تنفيذ السياسة النقدية عقب جائحة كوفيد-19. وخلال الأسابيع الأخيرة، أظهرت البيانات الصادرة عن البنك المركزي أنه منذ بداية نوفمبر/ تشرين الثاني بدأ الاحتياطي الفيدرالي يحقق ما يكفي من الأرباح مجددًا ليبدأ، ولو ببطء شديد، في تغطية آلية محاسبية يستخدمها لتسجيل خسائره، بحسب ما نقلت وكالة رويترز.

منذ الخامس من نوفمبر/ تشرين الثاني، تقلّص حجم ما يُعرف بالأصل المؤجّل للاحتياطي الفيدرالي من 243.8 مليار دولار إلى 243.2 مليار دولار في 26 من الشهر نفسه. هي تغيّرات طفيفة، لكنها تمثل تحوّلًا واضحًا في اتجاهٍ طويل الأمد، ولا يعرف المراقبون إلى متى سيستمر البنك المركزي في تغطية أصله المؤجّل قبل أن يتمكّن مجددًا من تحويل أرباحه إلى وزارة الخزانة، لكنهم يرجّحون أن هذه العملية ستستغرق سنوات.

وفي السياق، قال بيل نيلسون، وهو مسؤول سابق رفيع في الاحتياطي الفيدرالي، ويشغل حاليًّا منصبَ كبير الاقتصاديين في معهد سياسة البنوك، إنه من خلال تتبّع الأداء المالي لفروع الاحتياطي الفيدرالي الإقليمية، يبدو أن الأرباح المجمّعة للفروع الاثني عشر ستتجاوز ملياري دولار في الربع الحالي. ويجسّد الأصل المؤجّل الخسائر التي يجب تغطيتها قبل أن يتمكّن الاحتياطي من إعادة تحويل أرباحه إلى وزارة الخزانة، كما يفرض عليه القانون. 

ويموّل البنك عملياته من الدخل الذي يجنيه من حيازاته من السندات والخدمات التي يقدّمها للقطاع المالي، فيما يُعاد الفائض إلى الخزانة الأميركية. وقد جعل هذا النظام، طوال معظم التاريخ الحديث للاحتياطي الفيدرالي، منه مصدر دخل ثابت للحكومة الأميركية. غير أن هذا الواقع تغيّر خلال الجائحة، التي أدّت في النهاية إلى بدء البنك بخسارة الأموال في سبتمبر/ أيلول 2022. وللمساعدة في استقرار النظام المالي وتوفير حافز اقتصادي إضافي، اشترى الاحتياطي الفيدرالي سندات خزانة وسندات رهن عقاري بهدف خفض تكاليف الاقتراض طويلة الأجل، ما أدى إلى تضاعف حجم حيازاته إلى أكثر من الضعف، ليصل إلى ذروة بلغت 9 تريليونات دولار بحلول صيف 2022.

لكن مع تصاعد الضغوط التضخمية في العام نفسه، رفع الاحتياطي الفيدرالي أسعار الفائدة بحدّة منذ مطلع 2022، ما أدى إلى فجوة متنامية بين الدخل الذي يجنيه والمبالغ التي يدفعها للبنوك لإدارة أسعار الفائدة. وقد أدّى خفض أسعار الفائدة مؤخرًا إلى وقف الخسائر إلى حدّ كبير، إذ أصبح الاحتياطي يدفع أقل للبنوك للحفاظ على نطاق سعر الفائدة المستهدف بين 3.75% و4%، بعد أن كان يراوح بين 5.25% و5.5% في عام 2023. ومن المرجّح أن يتبع ذلك مزيد من التخفيضات في أسعار الفائدة في ظلّ قلق المسؤولين من أوضاع سوق العمل.

وقال ديريك تانغ، محلّل لدى شركة LHMeyer، إن النزيف (تراكم الأصل المؤجّل) قد توقّف في الوقت نفسه الذي جرى فيه خفض فائدة أرصدة الاحتياطي (IORB) بمقدار 0.25% في تشرين الأول/أكتوبر. وأضاف: "عند النظر بعمق، يبدو أن ذلك يعني انتهاء العائد السلبي، وليس أرباحًا عرضية ناتجة عن عائدات سكّ العملة الكبيرة". كما قال ماثيو لوزيتي، كبير الاقتصاديين في دويتشه بنك، إنه "مع بدء العوائد السوقية في تجاوز فائدة أرصدة الاحتياطي، يُتوقّع أن تتوقّف خسائر الاحتياطي الفيدرالي وتبدأ بالانعكاس".

وأكد مسؤولو الاحتياطي الفيدرالي مرارًا أن الأرباح والخسائر في البنك المركزي لا تؤثر على قدرته في تنفيذ السياسة النقدية، غير أن بعض المسؤولين المنتخبين وجّهوا انتقادات إلى سلطته في دفع الفوائد، معتبرين أن الأموال التي يخلقها البنك للحفاظ على أسعار الفائدة القصيرة الأجل ضمن النطاق المطلوب تُعدّ فعليًّا نوعًا من الدعم المالي للنظام المصرفي.

يُعدّ الاحتياطي الفيدرالي الأميركي (البنك المركزي الأميركي) الركيزة الأساسية للسياسة النقدية في الولايات المتحدة، ويؤثر أداؤه المالي على الخزانة العامة وعلى ثقة الأسواق. ومنذ جائحة كوفيد-19، وسّع البنك ميزانيته بشكل ضخم عبر شراء أصول مالية لدعم الاقتصاد، ما أدّى إلى تضخم حيازاته وتراجع عوائده لاحقًا مع ارتفاع أسعار الفائدة. وقد تكبّد خسائر قياسية تجاوزت 240 مليار دولار نتيجة دفعه فوائد مرتفعة على ودائع البنوك التجارية لديه، بينما تراجعت إيراداته من السندات طويلة الأجل ذات العائد المنخفض. ومع بدء دورة خفض الفائدة في أواخر 2024، بدأ هذا النزيف يتوقف تدريجيًّا، ما يشير إلى عودة تدريجية للتوازن المالي داخل النظام النقدي الأميركي، وإن كانت إعادة توجيه الأرباح إلى الخزانة قد تستغرق سنوات قادمة.

توقف خسائر الاحتياطي الفيدرالي لا يُعدّ مجرد تحسّن محاسبي، بل يمثل إشارةَ تغيّرٍ أعمق في الدورة النقدية الأميركية بعد ثلاث سنوات من التقلبات الحادة. فاستقرار عوائد البنك المركزي ينعكس مباشرة على مرونة النظام المصرفي، ويخفف الضغط عن الموازنة الفيدرالية التي حُرمت خلال الفترة الماضية من تحويلات بمليارات الدولارات كانت تمثّل مصدرًا مهمًّا للإيرادات غير الضريبية. كما يُتوقع أن تسهم هذه التطورات في تعزيز ثقة الأسواق المالية، خصوصًا في مرحلة يسودها القلق بشأن تباطؤ النمو وتزايد مخاطر الركود. فعودة الاحتياطي إلى تحقيق أرباح محدودة ولو تدريجيًّا، تُعدّ مؤشراً على أن السياسة النقدية بدأت تنتقل من مرحلة التشديد المفرط إلى مرحلة أكثر توازناً.

غير أن هذا التحول لا يعني انتهاء التحديات، إذ ما زالت الميزانية العمومية للبنك المركزي ضخمة مقارنة بمستويات ما قبل الجائحة، كما أن أي تراجع غير محسوب في أسعار الفائدة قد يعيد إشعال الضغوط التضخمية التي كافح البنك لاحتوائها طيلة العامين الماضيين. لذلك، يرى محللون أن الطريق نحو التعافي المالي الكامل للاحتياطي الفيدرالي سيكون طويلًا، وأن عودة التحويلات المنتظمة إلى وزارة الخزانة لن تتحقق قبل عام 2027 على الأقل، إذا ما استقرّ المسار النقدي الحالي.

انعكاسات على الدولار والأسواق العالمية

يُتوقع أن يؤثر توقف خسائر الاحتياطي الفيدرالي إيجابًا على قوة الدولار الأميركي خلال المدى القصير، إذ يربط المستثمرون هذا التحسن بتحسّن أوضاع السياسة النقدية واستقرار عوائد السندات الحكومية. ومع تباطؤ وتيرة رفع الفائدة واتجاه الفيدرالي نحو خفضها تدريجيًا، قد يشهد الدولار تحركات محدودة تعكس توازن الأسواق بين توقعات خفض الفائدة وثقة المستثمرين بالاقتصاد الأميركي. أما على صعيد الأسواق العالمية، فيُرجّح أن يسهم هذا التطور في تهدئة التقلبات في أسواق السندات والأسهم الأميركية، ويمنح البنوك المركزية الأخرى مساحة أكبر لمواءمة سياساتها النقدية من دون خشية من اختلالات مفاجئة في سعر الصرف أو تدفقات رؤوس الأموال.

كما قد يؤدي تحسّن الوضع المالي للفيدرالي إلى تخفيف الضغوط عن السيولة العالمية، خصوصًا في الأسواق الناشئة التي تتأثر مباشرة بتقلبات السياسة الأميركية. وبينما لا يُنتظر أن يؤدي هذا التطور إلى تحوّل فوري في اتجاهات الاقتصاد العالمي، فإنه يشير إلى بداية مرحلة استقرار نسبي في النظام المالي الدولي بعد ثلاث سنوات من التقلّب الحاد، ما قد يعيد بعض الثقة إلى المستثمرين ويعزز شهية المخاطرة في الأسواق خلال عام 2025.

المساهمون