الاقتصاد العربي في المنظور الأميركي

18 ديسمبر 2025   |  آخر تحديث: 01:09 (توقيت القدس)
ترامب وسكوت وباول في مقر الفيدارلي، واشنطن، 24 يوليو 2025 (Getty)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- قام مجلس الاحتياط الفيدرالي بتخفيض سعر الفائدة ثلاث مرات في عام 2025 بإجمالي 1.75% منذ 2024، بهدف تحقيق التوازن بين التضخم والبطالة، رغم عدم ثقة الرئيس ترامب بمحافظ البنك جيروم باول.

- يواجه الاقتصاد الأميركي تحديات معقدة، حيث ارتفعت الأسعار بنسبة 4.8% في 2025، مما أدى إلى جدل سياسي بين الديمقراطيين والجمهوريين حول أسباب التضخم والبطالة، بينما يفتخر الرئيس ترامب بإنجازاته الاقتصادية.

- تعاني الدول العربية من تحديات اقتصادية بسبب ارتباط عملاتها بالدولار، مثل الأردن الذي يسعى لاستقرار عملته وسط تزايد المديونية، مما يعكس التناقض بين المصالح الاقتصادية الأميركية والعربية.

خفّض مجلس الاحتياط الفيدرالي (البنك المركزي الأميركي) مساء الأربعاء قبل الماضي سعر الفائدة للمرة الثالثة والأخيرة خلال هذا العام 2025 الذي بدأ يلفظ أنفاسه الأخيرة. وبلغ مجموع التخفيضات التي أجراها البنك الفيدرالي منذ عام 2024 حوالي 1.75% وهي نسبة ليست بالقليلة. وفي تصريحاته التي أدلى بها أثناء إعلانه عن التخفيض الأخير، قال جيروم باول محافظ البنك إن هذا الأمر محفوف بالشك في نتائجه محاولةً منه لاتخاذ موقف من الاختلافات في الرأي التي سادت إبان اجتماعات حامية بين كبار مسؤولي البنك المركزي دامت يومين. وقد نادى بعضهم بعدم التخفيض وطالب آخرون بالتخفيض بمقدار 50 نقطة أساس إلى أن استقر الأمر عند 25 نقطة أساس، أي ربع في المائة، كحل وسط.

صحيح أن جيروم باول لا يتمتع بثقة الرئيس الأميركي دونالد ترامب والذي سعى لإقالته، إلا أن البنك ليس دائرة حكومية بل هو شركة مساهمة ووظيفتها الأساسية هي إصدار النقد ومراقبة البنوك واستخدام الأدوات السياسة النقدية مثل عمليات السوق المفتوح وسعر الخصم وغيرها من أجل إعادة التوازن إلى الاقتصاد الكلي. وإعادة التوازن هذه يكون لها على الأغلب واحد من دافِعَيْن، إما مواجهة التضخم في الأسعار، أو أن تكون مركزة بشكل غير مباشر على سوق العمل لمواجهة البطالة. في عام 1958 نشر الاقتصادي النيوزيلندي دبليو فيليبس مقالاً في مجلة Economica بعنوان التبادل بين البطالة والتضخم في الاقتصاد البريطاني خلال الفترة 1861 إلى 1957 أي ما يقارب 96 عاماً. وقد وجد أن العلاقة بين التغير في نسبة البطالة من ناحية ونسبة التضخم من ناحية أخرى هي علاقة سلبية وعكسية. وبمعنى آخر، يكون ارتفاع نسبة البطالة مصحوباً بانخفاض نسبة التضخم والعكس صحيح.

ولكن الاقتصادي الأميركي المشهور ميلتون فريدمان المدافع عن النظرية الكلاسيكية في الاقتصاد قال إن العلاقة هذه سلبية في المدى القصير، ولكنها في المدى الطويل تأخذ شكل العمود، أي أن ارتفاع نسبة التضخم أو هبوطها لا يؤثر في المدى الطويل على نسبة البطالة التي تبقى ثابتة. وقد كنت في أواخر عام 1970 في مدينة أتلانتا بولاية جورجيا حين قدم ميلتون فريدمان ورقته التي أكدت تمسكه في المدى الطويل لمنحنى فيليبس. ولكن وبعد عام 1973 ارتفعت أسعار النفط حين هدد الراحل الملك السعودي فيصل بن عبد العزيز آل سعود بقطع النفط عن الأسواق إذا استمرت الحرب ضد مصر وسورية.

وتوقفت الحرب وبدأت مفاوضات عسكرية لانسحاب إسرائيل واستمر النفط في التدفق، ولكن أسعاره كانت قد ارتفعت من 2.1 دولار للبرميل إلى أكثر من 8 دولارات للبرميل. واستمر سوق النفط حامياً إلى حد أن اقتصادات كثيرة في العالم دخلت في دورة اقتصادية جديدة اسمها الكساد التضخمي (Stagflation)، وهي تعني أن منحنى فيليبس قد شهد تصاعداً في البطالة والتضخم في نفس الوقت. وانشغل عدد من الاقتصاديين في تفسير هذه الظاهرة أمثال فريدريك فون هايك وغيره من كبار الأساتذة في هذا العِلم. ونرى الاقتصاد الأميركي هذه الأيام يعود إلى مواجهة بين الاقتصاديين حول سبب ارتفاع الأسعار في الولايات المتحدة والذي يقدر للعام 2025 بنسبة 4.8% بينما لا يتوقع أن يزيد معدل النمو في الناتج المحلي الإجمالي أكثر من 3.8%. ولكن الذي أزعج المسؤولين هي أرقام الوظائف الجديدة التي خلقها الاقتصاد. فتبين أنها أقل من الأرقام المتوقعة خاصة خلال الأشهر الأخيرة رغم تقلب الرقم.

وهنا بدأت الآراء تنقسم، فالهبوط في نسبة التوظيف مقابل ارتفاع الأسعار صارت نقطة بحث تداخلت فيها المواقف السياسية مع المواقف الاقتصادية. فالديمقراطيون يقولون إن سياسة ترامب في رفع نسبة الجمارك هي المسؤولة عن ارتفاع الأسعار وتراجع فرص العمل المتاحة. أما الجمهوريون فيقولون إن ما يجري داخل الاقتصاد الأميركي هو من أثر سياسات الحزب الديمقراطي أيام الرئيس جو بايدن. ويفتخر الرئيس ترامب بأن الاقتصاد يحقق معدلات نمو عالية، وأن أسواق البورصة تشهد انتعاشاً كبيراً. وأن أسعار النفط قد خفضت إلى ما يقارب 2.75 دولاراً لكل غالون من البنزين في بعض الأماكن القليلة، ولكنها كافية لأن تعطي الرئيس الفرصة ليتفاخر بأنه قد أنجز ما وعد به في هذا الخصوص إبان حملته الانتخابية العام 2024.

والعجيب أن عرض النقد" M2" في الولايات المتحدة قد وصل إلى حوالي 23 تريليون دولار. وأن سرعة تداول النقود تبلغ حوالي 1.39. وهذا يعني أن نسبة دوران النقود متدنية نسبياً، وأن الاقتصاد مليء بالسيولة. ولذلك، فإن البنك الاحتياطي قد أخذ برأي له محاذيره كما قال جيروم باول رئيس البنك. فتخفيض سعر الفائدة يدفع الناس إلى مزيد من الاستهلاك والإنفاق، مما يخلق فرص عمل أكثر. ولكن بالمقابل، فإن تخفيض سعر الفائدة قد يؤدي بعد حين إلى مزيد من التضخم. فإذن أي من الهدفين يجب أن يسعى إليه؟ لو تأملنا للحظة في صادرات الولايات المتحدة من السلع والخدمات لرأينا أنها قد وصلت قمتها عام 2024 واستمرت على ذلك المنوال خلال عام 2025، ولكن المستوردات نمت أيضاً بمقادير أكبر.

ففي عام 2024، بلغت الصادرات من السلع 2.06 تريليون دولار، ومن السلع والخدمات 3.19 تريليونات، أما مجموع المستوردات من السلع فقط فبلغ 3.3 تريليونات دولار من السلع والخدمات، و4.11 تريليونات، محققة عجزاً في الميزان الأساسي قدره 918.4 مليار دولار. إذن فكل الضغوط التي سبّبت تشويش الاقتصاد العالمي لم تنقذ الولايات المتحدة على الأقل حتى الآن في تحسين ميزانها التجاري والخدمي مقابل العالم. هناك حوالي 70 دولة في العالم ما تزال تربط عملتها بالدولار، ومنها دول قد ربطت أسعار عملتها وأسعار الفائدة فيها بالدولار. وهناك من يحصر ذلك الارتباط في المعاملات التجارية الدولية. وهذا ينطبق على معظم الدول العربية. فمنها دول ترفع أسعار عملتها وفائدتها مع الدولار وتشتري وتبيع بالدولار في الأسواق العالمية. وحتى الدول التي تُقيّم عملتها بسلة من العملات فإن الدولار يشكل النسبة الأعلى في هذه السلة.

ومن هنا، فإنّ السياسات النقدية التي يتبعها البنك الفيدرالي تفرض على كثير من الدول العربية أن تتبع الدولار حتى يبقى محافظاً على مركزه كعملة دولية رئيسية. ولكن هل ينطوي أمر كهذا على تحديات ومخاطر للدول العربية خاصة التي تواجه مشاكل صعبة ومعقدة في البطالة وضعف النمو في الإنتاج وعقبات في التصدير؟ والعجيب أن الدول العربية قد أنشأت مؤسستين نظيرتين للبنك الدولي وصندوق النقد الدولي، هما الصندوق العربي للتنمية الاقتصادية والاجتماعية في الكويت والذي فقد بعض بريقه بعد موت مديره السابق عبد اللطيف الحمد طيب الذكر، وصندوق النقد العربي في أبوظبي والذي واجه مشكلات في بداياته حينما اتهم مديره الأول بالاختلاس. ومن المفروض الآن هو إعادة إحياء هذين الصندوقين ليكونا عوناً للاقتصادات العربية في مواجهة التنظيمات الدولية المقابلة، أي البنك والصندوق الدوليين. 

ولو أخذنا الأردن مثلاً، فهو من الدول الأكثر استقراراً في الوطن العربي، ولكنه يواجه تحديات البطالة وضعف معدل النمو في دخل الفرد. ويسعى البنك المركزي فيه إلى أن يحافظ على استقرار سعر صرف الدينار الأردني ببناء احتياطي دائم لقابلية تحويل الدينار. ولكن هذا يجري في الوقت الذي تزداد فيه نسبة المديونية قياساً إلى الناتج المحلي الإجمالي. ومع أن مجلس النواب الأردني قد أقر الموازنة العامة لعام 2026 الأسبوع الماضي، إلا أن كثيراً من أعضاء مجلس النواب عبروا عن اعتراضهم على عدم استجابة الحكومة مع طلبهم زيادة الرواتب خشية التضخم، ولكن تخفيض أسعار الفوائد وبحث أصحاب الفوائض المالية عن ملاذات استثمارية آمنة داخل الأردن وخارجه قد يجعل من الصعب استثمار هذه الفوائض في رؤية 2023-2033 التنموية، والتي تتطلب توفير 4 مليارات دينار سنوية لإنجازها وخلق مليون فرصة عمل خلال السنوات العشر. لا شك أننا وصلنا إلى نقطة أصبح معها ما هو لصالح أميركا يتناقض مع مصالحنا.

المساهمون