اقتصاد ألمانيا يتكبد خسائر تزيد على تريليون دولار جراء الأزمات العالمية
استمع إلى الملخص
- ربع الخسائر ناتج عن النزاعات الجمركية مع إدارة ترامب، حيث تجنبت ألمانيا بالكاد الدخول في عام ثالث دون نمو اقتصادي في 2025.
- الخسائر تراكمية بسبب إغلاقات الأعمال، وتعطل سلاسل الإمداد، وارتفاع تكاليف الطاقة، مما أدى إلى تراجع الاستثمار والاستهلاك وضعف الطلب الداخلي والخارجي.
كشفت دراسة ألمانية جديدة عن أنّ الاقتصاد الألماني تكبّد ثمناً فادحاً جراء سلسلة الأزمات التي تعرض لها العالم وفي قلبه القارة الأوروبية على مدى السنوات الست الماضية. وقال التقرير الصادر عن معهد الاقتصاد الألماني "آي دبليو" إنّ ألمانيا تكبّدت حوالى تريليون يورو خلال تلك الفترة. وتشير الدراسة التي أصدرها المعهد إلى أنّ هذه الخسارة تمثل الفارق في الناتج الاقتصادي على مدى تلك الفترة ما لم تحدث كل الأزمات، بدءاً من جائحة كورونا وحتى الحرب الروسية على أوكرانيا.
ويقول المعهد المقرب من أصحاب الأعمال، إن هذه الخسائر الإجمالية البالغة 940 مليار يورو (1.11 تريليون دولار)، ستعني عند تقسيمها على العاملين أن كل موظف فقد ما يزيد على 20 ألف يورو من القيمة المضافة لدخله، وذلك نتيجة جائحة كورونا، وتداعيات الحرب الروسية على أوكرانيا، والسياسة التصادمية للولايات المتحدة.
ووفقاً لحسابات المعهد، يعود ربع هذه الخسائر الضخمة إلى العام الماضي، الذي طغت عليه النزاعات الجمركية مع إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب
. ووفقاً لبيانات رسمية، تجنبت ألمانيا في عام 2025 بالكاد الدخول في عام ثالث على التوالي دون نمو اقتصادي، حيث سجل الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي زيادة طفيفة بلغت 0.2%.وقال الباحث في المعهد، ميشيل غروملينغ، إنّ "العقد الحالي اتسم حتى الآن بصدمات استثنائية وأعباء اقتصادية هائلة، تجاوزت في الوقت الراهن مستويات الضغط التي حدثت في أزمات سابقة". ووفقاً للتقديرات، بلغت الكلفة الاقتصادية لفترة الركود بين عامي 2001 و2004 نحو 360 مليار يورو بالقيمة الحقيقية، فيما سجلت الأزمة المالية العالمية في 2008 و2009 خسائر في القيمة المضافة تقدر بنحو 525 مليار يورو.
ولحساب حجم الخسائر الاقتصادية، قارن غروملينغ المسار الفعلي للاقتصاد بسيناريو افتراضي يفترض غياب هذه الأزمات. وبناءً على افتراض أن النشاط الاقتصادي كان سيواصل نموه وفق متوسط وتيرة العقود الثلاثة الماضية، خلصت الدراسة إلى حدوث "خسائر اقتصادية كبيرة ومتزايدة".
وقال الباحث الألماني إن "النشاط الاقتصادي في ألمانيا لم يتجاوز مستوى عام 2019 خلال الأعوام الثلاثة الماضية، بعد تعافيه من تداعيات كورونا"، موضحاً أن هذه الحالة من الركود الفعلي، مقارنة بمسار افتراضي متصاعد، أدت إلى اتساع الفجوة بشكل مستمر وارتفاع الخسائر الاقتصادية بصورة واضحة في السنوات الأخيرة.
ويعد الاقتصاد الألماني قاطرة الاقتصادات الأوروبية وأكبرها، لكن الحكومات المتوالية منذ جائحة كورونا تعاني من فاتورة إنفاق اجتماعي مرتفعة ومطالبات بتعظيم الإنفاق العسكري، الأمر الذي دفعها إلى تخفيف سياسة القيود المشددة على الاقتراض الحكومي. وكان معهد الاقتصاد الألماني قد قدر كلفة خسائر الأزمات المتلاحقة في العام الماضي بنحو 735 مليار يورو لفترة خمس سنوات منذ عام 2024، لكن الدارسة الأخيرة تشمل تداعيات الخلاف التجاري مع الولايات المتحدة خلال العام الماضي بعد وصول ترامب إلى السلطة.
ووفقاً لتحليل المعهد، فإن خسائر الناتج الاقتصادي لم تكن نتيجة هبوط اقتصادي عابر، بل نتيجة تراكمية لعدة عوامل متشابكة. في بداية الأزمة، أدّت إغلاقات الأعمال وتعطّل سلاسل الإمداد إلى انكماش الإنتاج والاستهلاك بشكل حاد، ما ألحق ضرراً كبيراً بالعديد من القطاعات الصناعية والخدمية. وبعد ذلك، أدّى توقف إمدادات الغاز الروسي وتداعيات الحرب في أوكرانيا إلى ارتفاع حاد في تكاليف الطاقة، وهو ما أثقل كاهل المصانع والشركات الألمانية التي تعتمد على الطاقة الرخيصة، ما أعاق الانتعاش الصناعي وأثار مخاوف الاستثمارات.
وبينما يمثل تقدير الـ940 مليار يورو رقماً صادماً من حيث الحجم، فإن أهميته تكمن في أن الجزء الأكبر من الخسائر لا يتعلق فقط بالانخفاض المؤقت في النشاط، بل بتراجع الاستثمار والاستهلاك على المدى الطويل. ففي السنوات الأخيرة، واجهت الشركات الألمانية ضعفاً في الطلب الداخلي والخارجي، ما أدى إلى تأجيل الاستثمارات أو خفضها بالكامل، وفي الوقت نفسه انخفضت القوة الشرائية للأسر بسبب التضخم وتكاليف الطاقة، ما حدّ من النمو العام.
وتكشف الدراسة عن أن خسائر الاقتصاد الألماني لا ترتبط فقط بالصدمات المباشرة، بل بكيفية تأثيرها في الاستثمار، والإنتاجية، والطلب على الصعيدين، المحلي والعالمي. ويلاحظ الباحثون أن النمو المتوقع في 2025 ظل ضعيفاً للغاية، ولم يحقق تعافياً قوياً كما كان متوقعاً بعد الجائحة، ما وسّع فجوة الأداء بين المسار الفعلي والنمو المحتمل للاقتصاد.
(أسوشييتد برس، العربي الجديد)